تنتصر الخبرة بينما يغفو التخصص

تنتصر الخبرة بينما يغفو التخصص

18-01-2026 09:16 PM

إنشغلت الحكومة والإدارة العامة منذ اطلاق الرؤية الملكية للتحديث والتطوير الإداري والاقتصادي في عقد ورش عمل عصف ذهني لجمع أكبر عدد ممكن من الأفكار لتطوير الإدارة العامة الأردنية. وانبثق عن ذلك تطوير نظام تعيين القيادات الإدارية بالاعتماد على أستقطاب القيادات الإدارية من خارج المؤسسة استناداً إلى المنهجيات الإدارية المتبعة في دول العالم التي تطبق هذا الأسلوب بهدف جذب أفكار وخبرات مختلفة لتطوير وتحديث الإدارة العامة، ولمعالجة عدم تأثر القيادة بنمط وآلية العمل الروتينية والبيروقراطية الشديدة الموجودة في تلك الأجهزة الإدارية، وتقليل تاثير الأشخاص العاملين فيها أو ما يسمى بالإدارة العميقة على القيادات الجديدة، لإتاحة الفرصة للقيادة الجديدة للعمل بحرية وأدخال فكر إداري حضاري وعصري متقدم لتطوير المنظومة الإدارية في المؤسسة التي يقودها دون تأثيرات داخلية وأحكام مسبقة وودونما الإلتزام بنمطية الإدارة التقليدية.
في واقع الأمر فإن اختيار وتعيين القيادات الإدارية لا يكون عبثاً وإنما لحاجة الإدارة العامة لشغل بعض المواقع الشاغرة لأسباب مختلفة. فعملية اختيار وتعيين القيادات الإدارية في الحكومة والإدارة العامة يعود إلى عدة اعتبارات منها ما هو منطقي وسليم كتحديد المستوى التعليمي والتخصص العلمي وسنوات الخبرة في المجال وغيرها من الشروط، ومنها ما هو خارج عن المعادلة الصحيحة، كأن يتم وضع مؤهلات علمية لا تتناسب مع طبيعة الوظيفة الشاغرة.
لغاية الأن الصورة جميلة وناصعة، ولكن عند عملية التنفيذ قد يصيب هذه الصورة الجميلة بعض الشوائب في عملية الاختيار والتعيين وإنما يمكن أن يكون هناك بعض الإنحرافات عن خط سير العملية السليمة بأن التعيينات لا تتم بنزاهة وشفافية وخاصة في مجال المؤهل العلمي والتخصص الدقيق، والخبرة العلمية للمستهدفين لتولي المواقع القيادية.
والواقع العملي يفيد بأن بعض تلك القيادات تم اختيارها بغض النظر عن التخصص العلمي الدقيق ومن نفس المؤسسات أو من ذات البيئة الإدارية، فبعض هؤلاء مجموعة من الزملاء ممن كانوا يعملون في وزارة واحدة أو في وحدة إدارية واحدة، وقد تنقل بعضهم من موقع إلى أخر في نفس المجال، وبعضهم يرأس بعض ومن ثم تتبدل الأدوار ليصبح الرئيس مرؤوساً والمرؤوس رئيساً، فكيف إذاً سناتي بفكر جديد يعمل على عملية التطوير والتنمية، ومن جانب أخر فإن ذلك يكون إمتداد للفكر السابق وقد يكون أحياناً فكر انتقامي للإدارة السابقة حتى لو كانت جيدة.
من هنا يبدأ التساؤل الهام، ما هو العامل الحاسم في ذلك ؟؟؟؟.
وقبل أن نجتهد في الإجابة على هذا التساؤل نؤكد بأن الإدارة العامة من المفترض أنها تبحث عن أفضل الأشخاص الذين يملكون أفضل المؤهلات والخبرات لاستقطابهم وتعيينهم في تلك المواقع القيادية. ولكن هناك عامل حاسم في عملية الأختيار هل هي الخبرة بغض النظر عن التخصص، أم أن التخصص والمؤهل العلمي والخبرة في ذات المجال هي الأفضل والأقوى.
والإجابة تأتي من أهل العلم والخبرة الذين يؤكدون بأن اختيار القيادات بناءاً على مبدأ التكنوقراط أي أصحاب المؤهلات العلمية والخبرة العملية في نفس المجال هم أفضل الخيارات. ولكن يخالف ذلك أصحاب الرأي والقرار بأن الخبرة تفوق التخصص، ومن هنا أصابتنا الحيرة، من هو الأهم في ذلك. لذلك عدنا لإلقاء نظرة على الأجهزة الإدارية المعنية في التنمية والتطوير الإداري فوجدنا بأنهم ذو تخصصات بعيدة عن المجال الإداري وإنما تقلدوا المنصب القيادي لأنهم انخرطوا في العمل بالإدارة العامة واكتسبوا خبرات في مجالات عملهم لا في مجال تخصصهم العلمي. وذلك يخالف ما يقصد بكلمة تكنوقراط التي تعني الاعتماد على التخصص العلمي الدقيق والخبرة الفنية في نفس المجال، ولكن الحقيقة تقول غير ذلك.
لذا، نجد بأن الخبرة تتفوق بينما يغفو التخصص.
وهنا يظهر لنا تساؤل أخر، كيف ستنتج فكر جديد وإدارة عصرية تعمل على التطوير من خبرات مقتصرة على مجال العمل في نفس المؤسسة أو مؤسسات مشابهة، أو كما يقول البعض خبرات مكررة على مدار سنوات الخدمة. وهذا قد يكون أقرب إلى حال مؤسساتنا التي تراوح مكانها منذ فترة طويلة لا بل أغلبها تراجعت خدماتها عما كانت عليه سابقاً. إذاً، تفوز الخبرة وتربح الجولة ويغفو التخصص العلمي الدقيق، علماً بأن المناهج الحديثة في المجال تقول بأننا نحتاج مدراء لا فنيين، وهذا موضوع سنتحدث عنه لاحقاً.
وسلم لي على التكنوقراط.
وإلى لقاء في مقال جديد الإدارة العامة مهنة وهل يمكن احترافها.

مدرب ومستشار تنمية إدارية وتطوير إداري



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد