هل أنت عبء على الوظيفة أم إضافة؟

هل أنت عبء على الوظيفة أم إضافة؟

19-01-2026 09:38 PM

قبل فترة ليست ببعيدة، اضطررت لمراجعة عدد من المؤسسات الحكومية، وكذلك بعض المؤسسات الخاصة وشبه الخاصة، لإنجاز معاملة كنت أظنها بسيطة. لكنها – وللأسف – لم تكن كذلك، إذ تطلّب إنجازها التنقل بين أكثر من جهة في القطاعين العام والخاص. هذه التجربة، على بساطتها، منحتني فرصة لمراقبة الواقع الوظيفي عن قرب، لا من خلال التقارير أو الشعارات، بل من خلال الممارسة اليومية داخل المكاتب.
ما لفت انتباهي أن بعض الموظفين يعملون وكأنهم آلات مبرمجة؛ ينفذون خطوات محددة حرفيا، دون أي محاولة للفهم أو التفكير أو التكيّف، في وقت يكثر فيه الحديث عن الإبداع والابتكار والتطوير. وفي المقابل، وجدت موظفين آخرين لا يعملون أصلا، جالسين خلف مكاتبهم، هذا منشغل بالمكالمات الهاتفية، وذاك غارق في وسائل التواصل الاجتماعي، وآخر يقتل الوقت بأي وسيلة ممكنة. ومع كامل الاحترام، فإن مثل هؤلاء – دون مواربة – عبء ثقيل على الوظيفة والمؤسسة.
في سوق عمل يتغير بوتيرة متسارعة، لم يعد السؤال الحقيقي: هل لديك وظيفة؟ بل أصبح السؤال الأهم: هل أنت عبء على وظيفتك… أم قيمة مضافة لها؟
كثيرون يشغلون وظائف، لكن قلة فقط تُحدِث فرقا. فالوظيفة اليوم لم تعد كرسيا يُشغل، ولا ساعات تُقضى، ولا توقيع حضور وانصراف، بل مسؤولية وأثر. والمؤسسات، سواء كانت حكومية أم خاصة، لم تعد تبحث عمّن يؤدي الحد الأدنى، بل عمّن يضيف، ويطوّر، ويقترح، ويحلّ.
ولو تأملنا صفات الموظف العبء، لوجدنا أنه يكتفي بتنفيذ الأوامر دون فهم الغاية، ويقاوم التغيير، ويخشى كل جديد. لا يرى بأسا في تكرار الأخطاء ذاتها، ويلقي باللوم دائما على الآخرين. ينظر إلى الوظيفة على أنها حق مكتسب لا التزام متجدد، ويطالب بالترقية والمزايا قبل أن يقدّم ما يستحقها. وجود هذا النمط لا يعرقل الأداء فحسب، بل يستنزف الوقت والطاقة والموارد، ويخلق بيئة عمل مثقلة بالشكوى والتبرير بدل المبادرة والإنجاز.
في المقابل، يبرز الموظف الإضافة، ذلك الذي ينجح في تحويل شهاداته الأكاديمية والمهنية، وسنوات خبرته، ومسمّاه الوظيفي، إلى قيمة حقيقية. فالمؤسسات اليوم لا تتحمّل رفاهية الاحتفاظ بمن لا يضيف، خصوصا في ظل التنافسية العالية، وضغط الموارد، والتحول الرقمي المتسارع.
الموظف الإضافة يفهم دوره ضمن الصورة الكبرى للمؤسسة، ويبحث عن حلول لا عن أعذار، ويتعلم باستمرار، ويطوّر مهاراته دون انتظار توجيه. يقترح الأفكار، ويتحمل المسؤولية، ويقيس نجاحه بأثر عمله لا بعدد الساعات التي قضاها في المكتب. وهذا النوع من الموظفين لا يضيف فقط إلى فريقه، بل يرفع من أداء المؤسسة بأكملها، ويصنع حوله ثقافة إيجابية تحفّز الآخرين على العطاء.
والآن، قبل أن تطالب بترقية، أو زيادة، أو تقدير، اسأل نفسك بصدق: ماذا أضفتُ خلال العام الماضي؟ ما المشكلة التي ساهمتُ في حلّها؟ ما المهارة الجديدة التي اكتسبتها؟ كيف أصبح العمل أسهل أو أفضل بوجودي؟
الإجابات الصادقة على هذه الأسئلة كفيلة بأن تحدد موقعك الحقيقي: عبء أم إضافة؟
في الختام، الوظائف لا تحتاج مزيدًا من الأجساد، بل مزيدا من العقول والضمائر المهنية. والفارق بين العبء والإضافة لا تصنعه الإدارة وحدها، بل يبدأ من الفرد، من وعيه، ومن قراره اليومي بأن يكون جزءًا من الحل لا جزءًا من المشكلة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد