سُكنى القصيدة: فندلر وجمهورية الشعر

سُكنى القصيدة: فندلر وجمهورية الشعر

20-01-2026 12:12 AM

هذه السطور افتقدت، وتواصل افتقاد، الناقدة الأمريكية الكبيرة هيلين فندلر (1933 ـ 2024) غير البعيدة عن احتلال موقع الدارسة الأعمق للشعر عموماً وللشعر المكتوب باللغة الإنكليزية خصوصاً، وذلك على امتداد ستة عقود أو ابتداء من كتابها الرائد «رؤيا ييتس ومسرحياته الأخيرة»، 1963. وفي عداد أكثر إصدارات العام المنصرم 2025 إبهاجاً وإمتاعاً وتعليماً وإدهاشاً في آن معاً، كان كتابها «سكنى القصيدة: مقالات أخيرة» الذي صدر في نيويورك ضمن سلسلة «مكتبة أمريكا»، وأضاف مقالات جديدة إلى أكثر من 30 مؤلفاً حول الشعر والشعراء، نشرتها فندلر في سياق من الحرص الشديد على ربط الشعر الرفيع بقارئ مسلّح بأفضل أدوات الاستقبال وطرائقه.
مقالات الكتاب الـ 13 تتناول الشاعرات والشعراء (حسب الترتيب على الغلاف): وليام بتلر ييتس، والاس ستيفنز، أدريان ريش، روبرت هايدن، ماريان مور، جون دون، سيلفيا بلاث، جيرالد مانلي هوبكنز، أوشن فونغ (فييتنامي/ أمريكي)، وليام بليك، وليام كوبر، والت وتمان، إميلي برونتي، وإميلي دكنسون. وعبر هذه التجارب، تتناول فندلر طائفة واسعة ومتشعبة من قضايا الشعر، بينها على سبيل الأمثلة، الجمال المُلغز لكلّ لغز جميل، وعلاقة الفنّ بالغضب، وعلاقته أيضاً بالتنميط المسبق، وكيف يمكن للفنّ أن يكون بلا تفنّن، وما تسميه «نَفْس متنازلة عن نفسها» في النَفْس، ثمّ السؤال الأزلي: هل يمكن للشعر أن يكون ذهنياً مجرّداً؟
وفي مقدمة الكتاب تشدد فندلر على أنّ القصائد يندر أن تُطرح على الجمهور بوصفها من أعمال الفن، على غرار ما يوصف به عمل باليه لجهة جوانبه الكوريوغرافية، وعدد راقصاته وراقصيه، وعلاقته بأعمال باليه أخرى وسمات الموسيقى فيها. وأمّا «دراما قراءة الشعر»، حسب تعبير فندلر، فإنها تتجلى في برهة «ترنّ» خلالها جميع المكوّنات، فتندمج في هيئة وتترابط مع بعضها مثل لمعة خاطفة تنير القصيدة بأسرها. «هنالك قراءات خاطئة، عبر الجهل»، تكتب فندلر وتشير إلى ناقد ألماني قرأ مديح الحبّ عند شكسبير هكذا: «نجم لكل نباح جوّال»، بمصطلح صرخة حيوان عاطفية، بينما قصد شكسبير السفينة وليس الكلب، مقتبساً رمزاً من شاعر الحبّ بترارك!
جماهيرية الشعر في المقابل إنما تبدأ عند فندلر من إحساس ابتدائي يشدّ القارئ المعاصر إلى قصيدة ما، وينطوي على رغبة في إشراك آخر ــ صديق، حبيب، شاعر، أستاذ… ــ بمستويات مختلفة من الوعي الجمالي والتذوّق الشخصي والتنبّه العاطفي، قوامه أيضاً الانتقال من ضمير الغائب في النصّ إلى ضمير المتكلم. تلك عتبة أولى لانتقال تأثير القصيدة من ذات الفرد إلى نطاق الجماعة، ومن هنا تتراكم العناصر الكفيلة بصناعة جمهور الشعر، أو جماهيريته بالأحرى. وثمة هنا، في تقدير هذه السطور، معضلة مزمنة ترسخت على الدوام لدى شعراء عرب ينكرون جماهيرية الشعر، ليس لأيّ اعتبار آخر يسبق حقيقة افتقارهم إلى الحدود الكافية، أو حتى الدنيا، من جمهور القراءة.
وفي فصل عنوانه «كيف يمكن الكلام مع الله»/ طريف، ولكنه ينتهي إلى خلاصات بالغة الجدية، وربما الخطورة بصدد قراءة طراز الشعر البَوْحي/ الغنائي تحديداً؛ تعود فندلر إلى الشاعر الإنكليزي جون دون (1572 ــ 1631)، في قصيدته «السونيت المقدسة 14»، لتطرح الأسئلة التالية: هل يمكن لقصائد «قديمة»، كُتبت خلال ثقافة آفلة، أن تُنقَذ لصالح قارئ معاصر، أم أن بهاءها سوف يضيع؟ وما الذي ننقذه، في نهاية المطاف: عبارة بليغة، شذرة سيرة ذاتية، أم مجرد صورة؟ وفي تحليل قصيدة دون، التي تعود إلى سنة 1633، تقتفي فندلر سلسلة العلاقات الشعورية التي في وسع القراءة المعاصرة أن تعيد إنتاجها، فتضيفها إلى تلك السردية البوحية بين الشاعر والله، بعد نحو… 380 سنة!
وفي ذلك، وسواه الكثير مما تقترحه على سبيل أبجدية «جمهورية» لقراءة الشعر، فإنّ فندلر تواصل الوفاء ليقين راسخ بأنّ الشعر لا ينبغي أن يظلّ مخفياً، وعلى القرّاء أن يتنبهوا إليه كفنّ رفيع أولاً، ثم أن يدركوا جيداً ما يخسرونه من متعة فريدة جرّاء تركه للنخبة. ورغم صرامتها الأكاديمية، فإنها لم تتردد في الترويج للشعر بوصفه إكسيراً خطابياً قادراً على مداواة الاعتلال الجمالي أو النفسي أو الروحاني: «إذا كنتَ في حال من الحيرة، أو الحزن، أو الضنك، أو التيه، أو الذهول… فتّشْ لنفسك عن قصيدة تلائم ما أنتَ فيه وما تشعر به»، كتبت فندلر؛ التي آمنت بقوّة أنّ الشعر «تحليلي بقدر ما هو تعبيري، والقصيدة تميّز، وتعيد بناء، وتعيد توصيف ما يكشفه الشعر ويكتشفه في الدواخل العميقة للحياة».
وتلك مقاربة مركزية لم تُفقدها صفة ناقدة موضوعية متأنية، صارمة وقاسية وحاسمة في الآن ذاته، لم تخجل البتّة من منح القراءة الذاتية الانطباعية فسحة واسعة حرّة؛ منطلقة في ذلك من قناعتها بأنّ قراءة الشعر تجربة شخصية وفردية، وجدانية أحادية أولاً. وفي كتابها «تقول الروح»، 1996، رَوَت تجربتها القرائية الشخصية مع النسق الغنائي، وأوضحت أن نجاح الموضوع الغنائي في تفادي الفخاخ الاجتماعية للنثر يجعله أقرب إلى «صوت الروح نفسها»، ويسمح لنا بالتماهي التام مع ضمير المتكلم.
.. أي ضمير الفرد والمفرد، داخل الجمع والجمهور!



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد