الصكوك الإسلامية في الأردن: من أداة تمويل إلى رافعة تنموية

الصكوك الإسلامية في الأردن: من أداة تمويل إلى رافعة تنموية

23-01-2026 09:03 PM

تواجه الشركات الأردنية، بمختلف أحجامها وقطاعاتها، مأزقًا متصاعدًا في الوصول إلى التمويل المصرفي التقليدي، في ظل بيئة مالية تتسم بارتفاع كلفة الاقتراض، وتشدد شروط الائتمان، وتنامي المخاطر المرتبطة بالتقلبات النقدية والاقتصادية، ولم يعد هذا التحدي ظرفيًا أو دوريًا، بل بات أقرب إلى اختلال هيكلي يحدّ من قدرة الشركات على التوسع والاستثمار، ويضغط على تنافسيتها في سوق إقليمي وعالمي شديد التحول.

فالتمويل المصرفي، الذي شكّل تاريخيًا العمود الفقري لتمويل الشركات، أصبح أكثر كلفة وأقل مرونة، إذ ارتفعت أسعار الفائدة على التسهيلات الائتمانية للشركات في الاقتصادات الناشئة خلال السنوات الأخيرة بما يتراوح بين 300 و400 نقطة أساس، ما انعكس مباشرة على كلفة رأس المال، وأجّل أو ألغى قرارات استثمارية حيوية، يضاف إلى ذلك تشدد البنوك في متطلبات الضمانات، وتركيزها المتزايد على إدارة المخاطر بدل تمويل النمو، ما جعل القروض أداة محافظة تحمي الميزانيات المصرفية أكثر مما تخدم الاقتصاد الحقيقي.

ويتعاظم هذا المأزق مع تركّز الائتمان المصرفي، حيث تستحوذ الحكومات والكيانات شبه الحكومية في العديد من الاقتصادات المشابهة للأردن على ما يقارب 40 إلى 50% من إجمالي الائتمان، ما يضيّق المساحة المتاحة أمام القطاع الخاص، خصوصًا الشركات المتوسطة، كما أن أكثر من 70% من التمويل المصرفي يظل موجّهًا لآجال قصيرة ومتوسطة، في حين تتطلب المشاريع الإنتاجية والبنية التحتية أدوات تمويل طويلة الأجل لا يوفرها الإقراض التقليدي بكفاءة.

في هذا السياق، تبرز الصكوك الإسلامية ليس كخيار طارئ أو ترف مالي، بل كبديل استراتيجي يعيد التوازن إلى العلاقة بين رأس المال والنشاط الإنتاجي، فالصكوك تقوم على مبدأ ربط التمويل بأصول أو مشاريع حقيقية، وعلى تقاسم العائد والمخاطرة بين المستثمر والشركة، ما يجعلها أكثر انسجامًا مع طبيعة الأعمال، وأقل ضغطًا على التدفقات النقدية، مقارنة بالديون ذات الالتزامات الثابتة المنفصلة عن الأداء الاقتصادي.

ولا يكمن الفرق الجوهري بين الصكوك والتمويل التقليدي في الصيغة الشرعية فحسب، بل في الفلسفة الاقتصادية التي تحكم كل منهما، فالتمويل القائم على الشراكة يعيد الاعتبار لمبدأ أساسي مفاده أن العائد يجب أن يكون نتيجة للسعي والإنتاج وتحمل المخاطر، لا مجرد استحقاق مضمون، وهو مبدأ يجد جذوره في التصور الإسلامي للاقتصاد، ويتقاطع في الوقت ذاته مع أدبيات التمويل المستدام عالميًا، كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾، وهي قاعدة أخلاقية واقتصادية تربط الكسب بالجهد، وتحدّ من الانفصال بين المال والعمل.

من زاوية دولية، أثبتت الصكوك قدرتها على سد فجوة التمويل طويل الأجل، إذ تجاوز حجم سوق الصكوك العالمي 800 مليار دولار، مع معدلات نمو سنوية تراوح بين 8 و10% في السنوات الأخيرة، وقد استخدمت دول مثل ماليزيا والسعودية وإندونيسيا هذه الأداة لتمويل قطاعات حيوية كالبنية التحتية والطاقة والنقل، ما يعكس انتقال الصكوك من كونها أداة مالية متخصصة إلى رافعة تنموية شاملة.

أما التوقيت الأردني، فيحمل عناصر مواتية لا يمكن تجاهلها. فالاقتصاد بحاجة إلى تحفيز الاستثمار الخاص دون زيادة مفرطة في المديونية، وإلى تخفيف الضغط عن الجهاز المصرفي الذي يتحمل أعباء تمويل الدولة والقطاع الخاص معًا. الصكوك، في هذا الإطار، تفتح قناة تمويل موازية، تعيد توزيع المخاطر على شريحة أوسع من المستثمرين، وتخفف الاختناقات الائتمانية، دون الإضرار بالاستقرار المالي.

ومع ذلك، فإن تحويل الصكوك إلى رافعة تمويلية مستدامة يتطلب رؤية تتجاوز الإصدارات الأولية إلى البنية السوقية الداعمة لها، فغياب سوق ثانوية نشطة يحدّ من سيولة الصكوك ويضعف جاذبيتها للمستثمرين المؤسسيين، ويجعلها أقرب إلى أدوات محتفظ بها حتى الاستحقاق. ومن هنا، تبرز ضرورة العمل إما على تطوير سوق ثانوية تدريجية تتيح التداول وتسعير المخاطر بكفاءة، أو على الأقل التركيز الصارم على جودة الإصدارات، ووضوح هياكلها، وقوة الأصول الداعمة لها، بما يعزز الثقة ويعمّق السوق خطوة بعد خطوة. إن إدراك هذه التحديات منذ البداية لا ينتقص من أهمية الصكوك، بل يعكس فهمًا ناضجًا لمسار طويل لا يخلو من عقبات، لكنه قابل للترسيخ والبناء المؤسسي.

مؤسسيًا، يشهد الأردن تطورًا تدريجيًا في بيئة سوق رأس المال، مع إطار تشريعي وتنظيمي قادر على استيعاب أدوات تمويل غير تقليدية، ومعايير إفصاح وحوكمة أكثر نضجًا، هذا التطور يقلل من مخاطر التجربة، ويمنح الشركات والمستثمرين درجة أعلى من الثقة، شرط أن يُستكمل بتوسيع قاعدة الإصدارات وتراكم الخبرة السوقية.

كما تتيح الصكوك للشركات الأردنية الوصول إلى قاعدة أوسع من المستثمرين الإقليميين والدوليين، خاصة أولئك الباحثين عن أدوات تجمع بين الجدوى الاقتصادية والأثر التنموي، ففي عالم يتجه فيه الاستثمار نحو ربط العائد بالقيمة المضافة الحقيقية، تكتسب الصكوك ميزة تنافسية تتجاوز السوق المحلي إلى فضاء أوسع.

في المحصلة، لا تحتاج الشركات الأردنية إلى الصكوك الإسلامية لأنها مختلفة، بل لأنها ضرورية في لحظة اقتصادية دقيقة، فهي ليست بديلًا تقنيًا فحسب، بل تحولًا في فلسفة التمويل، يعيد وصل المال بالإنتاج، ويحوّل رأس المال من عبء محاسبي إلى شراكة تنموية، أما النجاح الحقيقي، فلا يكمن في إصدار الصكوك بحد ذاته، بل في بناء منظومة متكاملة تجعل منها خيارًا استراتيجيًا دائمًا يعيد للاقتصاد توازنه، وللتمويل معناه الحقيقي.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد