البطالة في دولنا العربية ليست فشل أفراد، بل فشل نموذج اقتصادي
لم تعد البطالة مجرد رقم في تقارير رسمية أو عنوانًا اقتصاديًا عابرًا، بل تحوّلت إلى حالة اجتماعية عميقة تُعيد تشكيل حياة الأفراد والأسر. فهي اليوم تقف خلف بطالة الشباب، وتأخر الزواج، وتفكك البنى الأسرية، بما يجعلها أزمة وجودية لا يمكن التعامل معها بوصفها خللًا فرديًا أو تقصيرًا شخصيًا، بل باعتبارها نتاجًا مباشرًا لاختلالات بنيوية في النموذج الاقتصادي والاجتماعي السائد.
التشخيص الدقيق يقودنا إلى القول إننا أمام بطالة بنيوية مركبة، لا بطالة دورية مؤقتة. بطالة تنشأ حين يعجز الاقتصاد عن توليد فرص عمل حقيقية، وحين ينفصل النمو الاقتصادي عن التشغيل، فتظهر ظاهرة “النمو بلا وظائف”، حيث تتحسن بعض المؤشرات الكلية بينما تتدهور أوضاع الناس المعيشية، ويتراكم الإحباط في البيوت، خصوصًا لدى فئات الشباب والنساء.
أحد أهم أسباب هذه البطالة يتمثل في طبيعة النموذج الاقتصادي نفسه، الذي يميل إلى الريعية والخدمات والاستهلاك، ويضعف فيه الإنتاج الحقيقي في الصناعة والزراعة والتكنولوجيا التطبيقية. هذا النموذج يستهلك أكثر مما ينتج، ويعتمد على الجباية والتحويلات بدل خلق القيمة، فينتج ثروة محدودة بلا قاعدة تشغيل واسعة، ويجعل سوق العمل هشًا أمام أي صدمة داخلية أو خارجية.
إلى جانب ذلك، تتسع الفجوة بين التعليم وسوق العمل. جامعات تخرّج آلاف الشبان في تخصصات لا يطلبها الاقتصاد، مقابل نقص حاد في المهارات التطبيقية والمهنية. والنتيجة بطالة متعلمين من جهة، واعتماد على عمالة وافدة في القطاعات الفنية من جهة أخرى، بما يعمّق الشعور باللاعدالة وفقدان الجدوى لدى فئة يُفترض أنها عماد التنمية المستقبلية.
وتُفاقم هذه الأزمة كلفة العمل المرتفعة والبيئة التنظيمية المعقّدة، حيث تُثقل الضرائب والاشتراكات والطاقة والبيروقراطية كاهل أصحاب الأعمال، فيترددون في التوظيف أو يلجؤون إلى العمل غير المنظم. هنا تتحول البطالة إلى نتيجة طبيعية لنظام اقتصادي يثقل الإنتاج ويعاقب المبادرة بدل تحفيزها، ويعيد تدوير الثروة داخل حلقات ضيقة بدل ضخّها في الاقتصاد الحقيقي.
وفي قلب هذا الخلل البنيوي، يبرز دور النظام المالي والمصرفي، حيث تؤدي البنوك الربوية، بطبيعتها القائمة على تعظيم الدين والفائدة، إلى امتصاص السيولة من المجتمع بدل توجيهها نحو الاستثمار المنتج، ما يُضعف البركة الاقتصادية ويُعمّق الفجوة الطبقية. صحيح أن العالم المتقدم يعتمد أيضًا على البنوك الربوية، لكن الفوائد هناك منخفضة نسبيًا مقارنة بالمستويات السائدة في معظم الدول العربية، ما يجعل العبء على الاقتصاد المحلي أكبر ويحد من قدرة المشاريع على التوسع والتوظيف. أما البنوك الإسلامية، فعلى الرغم من مرجعيتها القيمية، فقد ركّزت في ممارساتها العملية على صيغ تمويل شبه مدينة، كبيع المرابحة المنضبط شكليًا، وأهملت إلى حدّ كبير صيغ المشاركة والمضاربة الحقيقية القائمة على تقاسم المخاطر والربح والخسارة، فابتعدت عن دورها التنموي المفترض، وأسهمت – دون قصد – في تعميق الطبقية بدل توسيع قاعدة الشراكة والإنتاج.
إضافة إلى ذلك، يبرز النظام الضريبي كعامل مركب آخر في هيكلة التفاوت الاجتماعي والاقتصادي. في الأردن، غالبية الضرائب تؤخذ بشكل متساوٍ على الجميع، سواء الفقراء أو الأغنياء، مثل ضريبة المبيعات، وضريبة المحروقات، وضريبة الكهرباء والطاقة، ما يجعل الفقراء والطبقة الوسطى يدفعون نسبة كبيرة من دخلهم مقارنةً بالأغنياء. أما ضريبة الدخل فتُطبّق بحسب الحد الأدنى للدخل: 18 ألف دينار على المعيل، و9 آلاف دينار على غير المعيل أو الزوجة العاملة، وأي دخل يتجاوز هذه الحدود يُخضع للضريبة. هذا النظام يجفف السيولة من الطبقة الوسطى والفئات العاملة، ويقلل قدرتها على الاستثمار أو الإنفاق الإنتاجي، وبالتالي يسهم بشكل مباشر في الفقر ويفاقم البطالة. في الوقت نفسه، يتهرب كثير من أصحاب الثروات والدخل غير الرسمي من الالتزامات الضريبية، ما يعمّق الفجوة الطبقية بدل تصحيحها، ويضعف العدالة الاقتصادية.
ولا يمكن فصل هذه الاختلالات الداخلية عن السياق الاقتصادي العالمي الأوسع، حيث تواجه الاقتصادات الصغيرة والمتوسطة منافسة حادة في الأسواق العالمية، وتقلبات في أسعار المواد الأولية، لا سيما في الدول ذات الطابع الريعي. كما تفرض التحولات التكنولوجية السريعة، مثل الأتمتة والذكاء الاصطناعي، تحديات إضافية على طبيعة الوظائف المستقبلية. غير أن هذه العوامل الخارجية، رغم أهميتها، تظل عوامل مضاعِفة للأزمة لا أسبابها الجذرية.
أمام هذا الواقع، يصبح البحث عن نموذج اقتصادي بديل ضرورة لا ترفًا. نموذج يقوم على اقتصاد إنتاجي كثيف التشغيل، ونظام مالي داعم للاقتصاد الحقيقي، يشمل التمويل التشاركي والمضاربة الحقيقية، مع إصلاح ضريبي عادل يحمي الطبقة الوسطى ويقلل الهدر والتهرب الضريبي للأغنياء، ويعزز العدالة الاجتماعية. كما يجب أن يركز على المشاريع الصغيرة والمتوسطة، والصناعة الخفيفة، والزراعة الذكية، والاقتصاد المحلي، واللامركزية التنموية. ويستلزم ربط التعليم بسوق العمل بشكل حقيقي، والاستعداد الجاد لتحولات سوق الوظائف المستقبلية، هذه الإشارات الواقعية تساعد على تحويل التشخيص العميق للأزمة إلى نقاط انطلاق عملية، حتى لو لم تتضمن الخطة التنفيذية التفصيلية لكل إجراء، فهي تمنح توجيهًا واضحًا لمسار الإصلاح المنشود.
بلدية إربد تغلق فتحة دوران في شارع الهاشمي لتحسين انسيابية المرور
ذي هيل: ترامب مثل ثور في محل خزف صيني
سلامي أمام تحديات هجومية بعد إصابة أبرز مهاجمي النشامى
مبيضين: الأردن يمتلك آلاف الوثائق التي تثبت ملكية الفلسطينيين لأراضيهم
الطاقة والمعادن تضبط آليات ومعدات مخالفة في مواقع غير مرخصة
البطالة في دولنا العربية ليست فشل أفراد، بل فشل نموذج اقتصادي
3 شهداء جراء قصف طائرات الاحتلال شقة غربي غزة
انهيار مغارة في إربد والدفاع المدني يواصل جهود الإنقاذ
العين هيفاء النجار رئيساً فخرياً لدارة الشعراء الأردنيين
الأردن والتشيك يعقدان جولة مشاورات سياسية في براغ
مندوبا عن الملك وولي العهد .. العيسوي يعزي عشيرة الشرايدة
وفاة 53 مهاجراً بغرق قارب قبالة السواحل الليبية
فيروس نيباه .. خطر عالمي يفتقر للعلاج واللقاح المعتمد
كارلسون: وادي رم أحد أجمل الأماكن على وجه الأرض
الصحة العالمية بحاجة لمليار دولار لمكافحة أزمات العالم الصحية في 2026
إلغاء نسخة 128 جيجابايت قد يجعل آيفون 18 برو أغلى
أردنيون مدعوون للامتحان التنافسي في الحكومة
عمرو دياب أول فنان يحقق 3 مليارات استماع على أنغامي
كم تجني البنوك من أرباح سنوية في الأردن .. ومن يتحمّل مسؤولية المستقبل
دعاء اليوم الثاني والعشرين من رمضان 1447
دراسة تكشف تأثير الملح على الدماغ
اليرموك تطلق الهوية البصرية لمركز التنمية المستدامة
مجلس السكان: جزء كبير من حالات السرطان يمكن الوقاية منها


