الأردن في أسبوع

الأردن في أسبوع

20-04-2026 12:42 AM

في قراءةٍ متأصلةٍ للمشهد الأردني خلال الأسبوع الممتد من 12 إلى 19 نيسان 2026، تبرز مفارقة حادة تعكس هوةً سحيقة بين زخم القيادة وتطلعات الشارع من جهة، وبين أداءٍ حكومي يراوح مكانه في مربع البيروقراطية التقليدية من جهة أخرى. فبينما كان جلالة الملك عبدالله الثاني يرسخ معالم الهوية الوطنية في احتفالات "يوم العلم" بقصر الحسينية، ويفتح آفاقاً دبلوماسية رفيعة باستقبال رئيس فنلندا لتعزيز الشراكات الأوروبية، واستقبال وفد وزاري سوري ضمن اجتماعات مجلس التنسيق الأعلى لكسر ركود الملفات الإقليمية، ومتابعة ملفات التحديث الإداري بحضور ولي العهد، بدت الحكومة الأردنية وكأنها تعيش في جزرٍ معزولة، عاجزة عن ترجمة هذه الرمزية السيادية وهذا الانفتاح السياسي إلى أثرٍ إداري ملموس، لتثبت مرة أخرى أنها الحلقة الأضعف في مثلث القيادة، الشعب، الإدارة ، وأنها ما زالت تمارس "إدارة الحركة" لا "إدارة الرؤية".
هذا العجز الإداري تجلى بوضوح في حزمة التعيينات والقرارات التي كشفت عن تخبط في ترتيب أولويات الدولة؛ فبينما زار ولي العهد سلاح الهندسة الملكي للتأكيد على الجاهزية العسكرية في إقليم ملتهب، كانت الحكومة تنشغل بتعيين وجوه جديدة في الأكاديمية الأردنية للإدارة ودائرة الأراضي والمساحة، في مشهدٍ بدا كعملية "إعادة تدوير" للمناصب دون تقديم معايير كفاءة معلنة، وهو ما تُرجم بوضوح في تراجع الحكومة الملحوظ ضمن مؤشرات استطلاع الرأي العام التي تعكس اتساع فجوة الثقة الشعبية بالنهج التنفيذي القائم. إن هذه الهيكلة الهشة لم تكن سوى قشرة خارجية تخفي خلفها ترهلاً في اتخاذ القرار، ظهرت ملامحه الفاضحة في قرار سحب مشروع قانون الضمان الاجتماعي لإعادة دراسته اكتوارياً عبر "خبراء دوليين"؛ ففي زمنٍ تقود فيه خوارزميات الذكاء الاصطناعي والنمذجة التنبؤية قرارات كبرى بدقةٍ متناهية وسرعةٍ فائقة، تصر الحكومة على الارتهان لعقلية "الخبير التقليدي" المستورد، وهو ما يعد اعترافاً صريحاً بتخلف أدواتها التقنية وفشلها في بناء "عقل رقمي وطني" قادر على حماية أموال المتقاعدين بعيداً عن الوصاية الخارجية، في مشهدٍ يعكس قصوراً مخجلاً عن استيعاب لغة العصر التي يطالب بها جلالة الملك في كل محفل.
ولم يقف التراجع الحكومي عند التخبط الإداري، بل امتد ليعكس عجزاً عن مواكبة التحولات السياسية والاجتماعية المتسارعة، والتي كان أبرزها إعادة تشكيل المشهد الحزبي بقرار "حزب جبهة العمل الإسلامي" تغيير اسمه إلى "حزب الأمة" في محاولة للتموضع ضمن مقاربات سياسية جديدة، بينما ظلت الحكومة أسيرة أدوات تقليدية في التعامل مع البرلمان؛ حيث وجد وزير المياه والري نفسه تحت مقصلة أسئلة برلمانية حادة حول الفاقد المائي ونقص المياه الذي بات يهدد الأمن الاجتماعي، ليتضح أن الحكومة لا تمتلك سوى "خطاب التبرير" لمواجهة أزمات سيادية. وفي الوقت الذي تسعى فيه الدولة لاستثمار أموال الضمان الاجتماعي في مشاريع استراتيجية كـ "سكة حديد العقبة" بقيمة تتجاوز المليارين، تبرز مخاوف شعبية مشروعة من غياب الشفافية، إذ إن الرهان بأموال الناس يتطلب حكومة بمستوى عالٍ من المكاشفة، لا حكومة تكتفي بوعود "رؤية التحديث الاقتصادي 2026-2029" دون تقديم مؤشرات أداء يلمسها المواطن في جيبه، بالتوازي مع الانتقال نحو "الدولة الرقمية الرقابية" عبر تشغيل نظام المخالفات الذكي وتوقيف المسيئين للعلم، وهي مفارقة تضع الحكومة في مواجهة مباشرة مع مجتمعٍ يرى أن الدولة تبرع في "الرقابة والجباية" بينما تفشل في "الخدمة والتنمية" وتحسين مستويات المعيشة التي يطحنها الغلاء.
إن الخلاصة التي يخرج بها المراقب لهذا الأسبوع الحافل هي أن الأردن يمتلك قيادةً تحلق في فضاءات التحديث العالمي وتدير العلاقات الإقليمية بحكمة بالغة، وشعباً صبوراً ينتظر أثراً ملموساً لكرامته ومعيشته، وبينهما "حكومة" تعاني من فقرٍ في الخيال الإداري وعقمٍ في الأدوات التكنولوجية، وهو ما يفسر تآكل رصيدها الشعبي في الاستطلاعات الأخيرة. إن الارتهان للخبراء الدوليين وتجاهل القدرات التقنية الوطنية وتأجيل القوانين الحساسة كالضمان والإدارة المحلية ليس إلا هروباً للأمام؛ فالاستقرار لا يُصنع بالخطابات والرمزية فقط، بل بجهازٍ تنفيذي يرتقي إلى مستوى طموح القصر واحتياجات الشعب، وإلا سيبقى الإصلاح مجرد حبرٍ على ورق، وستظل الحكومة هي العبء الذي يثقل كاهل الدولة وهي تحاول العبور نحو المستقبل في بيئة إقليمية لا ترحم الضعفاء أو المترددين الذين ما زالوا يديرون الغد بعقلية الأمس.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد