الأول من أيار

 الأول من أيار

01-05-2026 12:07 AM

منذ أكثر من عقدين من الزمن، فقدنا أصوات ما يُسمّى بتجّار حقوق الإنسان، ولا سيما المدافعين عن الطبقة العاملة، ولم نعد نسمع تلك الأصوات المنادية بحقوق الإنسان والعمال في مثل هذا اليوم، الأول من أيار/مايو من كل عام. ونتساءل: هل توقّف دعم تلك الأبواق والدكاكين لأن المموّل الأمريكي، وهو الأساس، لم يعد بحاجة إلى هذه الأصوات بعد أن أصبح متواجداً في المنطقة بأكثر مما يريد، خاصة بعد ما سُمّي بالربيع العربي (وقبل تدمير إيران لوجوده العسكري بعد العدوان عليها من تلك القواعد)؟

وماذا عن ذكرى الأول من أيار/مايو، التي انطلقت من الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها؟ وكان ذلك من عجائب الصدف، على إثر مذبحة تعرّض لها العمال، ولأجل امتصاص غضبهم، تقرّر أن تكون تلك الجريمة يوماً عالمياً لحقوق العمال. ومن المفارقات أن الولايات المتحدة، التي انطلقت منها فكرة الأول من أيار عيداً للعمال، أصبحت العدو الأول للطبقة العاملة في العالم، كونها تحوّلت إلى الإمبراطورية الأقوى ورأس الرأسمالية. ومع ظهور دولة العمال الأولى، الاتحاد السوفيتي، نشبت حرب باردة وأخرى ساخنة في مواقع عديدة من العالم، تمثّلت في حروب بالوكالة لصالح أحد القطبين.

وللأسف الشديد، بلغت تكلفة تلك المواجهات، الباردة والساخنة، وسباق التسلّح، مئات مليارات الدولارات، التي لو أُنفقت على التنمية البشرية في العالم، لانتهت الكوارث والمجاعات، ولتلاشى التفاوت الطبقي، ولأصبح هذا العالم أقرب إلى جنة على الأرض.

لكن ماذا نفعل أمام تجّار الحروب والدمار، الذين لا تنمو ثرواتهم إلا بالموت والخراب، ولا تتضخّم أرصدتهم إلا باستغلال الآخرين، ولا تُبنى قصورهم إلا على قبور الأمم واستنزافها؟

وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، نزعت أمريكا القناع وكشّرت عن أنيابها، ووجدنا قطار الخصخصة الجارف من العصر الأمريكي يجتاح العالم، ساحقاً ملايين البشر الذين أصبحوا عاطلين عن العمل، خاصة مع التقدّم التكنولوجي الذي جاء على حساب العمال وحقوقهم. وأصبح الاستغناء عن العمال وتركهم يواجهون مصيرهم أمراً شائعاً، وانتشرت البطالة، لا سيما مع بيع مؤسسات القطاع العام.

وهكذا أصبح الأول من أيار/مايو بلا معنى ولا قيمة، ومجرّد يوم للراحة؛ حيث يرتاح فيه الجميع إلا العمال، الذين ينظرون إليه كفرصة لزيادة محدودة في دخلهم المحدود. ولا أزال أذكر رسماً كاريكاتيرياً في جريدة "العربي الناصري" أو "الأهالي" القاهريتين، لكنه معبّر عن الواقع، يقول بما معناه: في عيد العمال، الجميع يرتاح إلا العمال؛ أبناء الأغنياء يشربون المشروبات الغازية، وأبناء العمال يجمعون العبوات الفارغة لبيعها.

وأصبحت حقوق العمال، للأسف، مجالاً للمزايدات الرخيصة من بعض القيادات المحسوبة على الطبقة العاملة، وهم أبعد ما يكونون عن مصالحها. هؤلاء القياديون أوجدتهم الجهات المستفيدة من تهميش العمال، بهدف إبعاد القادة الحقيقيين. ولأننا نحصد ما زرعته أيدينا، فإننا نرى تغوّلاً غير طبيعي لرأس المال وأتباعه على العمال وحقوقهم، وسيطرة واضحة له على الحكم، خاصة في بلادنا العربية. وقد تنبّهت ثورة 23 يوليو إلى ذلك، بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر، وكان القضاء على سيطرة رأس المال أحد أهدافها الستة.

لذلك يأتي الأول من أيار/مايو هذا العام في ظل ظروف صعبة ومصيرية تمر بها منطقتنا العربية، حيث يتوسّع طابور البطالة يوماً بعد يوم، حتى أصبح كوحش يهدّد بالانفجار في أي لحظة، في ظل عجز الأنظمة الحاكمة عن توفير فرص العمل، بعد أن باعت مؤسسات الوطن تحت شعار الخصخصة، بذريعة سداد الديون التي تضخّمت بشكل جنوني نتيجة الفساد ونهب المال العام.

وقد امتد نفوذ رأس المال إلى معظم المؤسسات السيادية، وعلى رأسها البرلمانات، التي أصبحت في كثير من بلداننا أسماء بلا مضمون.

إن الأول من أيار/مايو ليس يوماً للاحتفالات والبذخ، الذي يذهب ريعه إلى جيوب أعداء العمال، بل هو يوم لاستذكار المعنى الحقيقي لحقوق العمال. وعلينا أن نعيد لهذا اليوم مكانته، من خلال إيجاد نقابات عمالية حقيقية، منتخبة، تعمل لصالح العمال لا مستغليهم، ورفض أي قيادة عمالية غير منتخبة، وإلغاء ما يُسمّى بالتزكية.

إن التصدي لمافيات الاستغلال ليس بالأمر السهل، ويتطلّب تكاتف الأيدي العاملة، حتى نعيد للأول من أيار معناه الحقيقي كعيد للعمال، لا لمستغليهم.

عاش الأول من أيار… عاش عيد العمال.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

نهر إسمنتي غامض في غزة .. ما حقيقة استخدامه في ترميم المنازل

الأردن يقترب من إنتاج 500 طن سنوياً من الكعكة الصفراء

مصر والجزائر… حين يصبح الحلم ممكنا

كرة القدم: حين يصبح الملعب وطناً للعرب جميعاً

استراتيجية تركيا الجديدة في الشرق الأوسط

الأردن يرسل موادا طبية ولوجستية إلى الضفة الغربية

وفاة طفل غرقا في أحد الشاليهات بمحافظة جرش

عبدالله نصيب ضمن أفضل 10 لاعبين في اعتراض الكرات بمونديال 2026

آلية اختيار أفضل 8 منتخبات من أصحاب المركز الثالث في كأس العالم 2026

منتخب قطر غادر منافسات كأس العالم 2026 بعد خسارته أمام البوسنة

سويسرا تهزم كندا 2-1 وتتصدر مجموعتها في مونديال 2026

الأردنيّة تستحدث الدّبلوم العالي في الرّعاية الصّحّيّة الأوّليّة

عاشوراء في واقعنا العربي: تأملات في التحرر من شرك الانقسامات

ترمب: أوروبا لم تدعمنا في حرب إيران رغم سحقنا لها في الأسبوع الأول

الأمين العام للنيتو: 5 آلاف طائرة أمريكية انطلقت من أوروبا خلال الحرب

تنويه للمواطنين .. توقف مؤقت لضخ المياه بهذه المناطق

تحديد هوية الشاب المتوفي في تدافع مباراة الأردن والجزائر .. صورة

انخفاض كبير على أسعار الذهب محلياً الخميس

موظفة بالسياحة تتهجم على مكتب الوزير .. التفاصيل

على نفقته الخاصة .. الملك  يوجه دعوة خاصة لسيدة أردنية لزيارة المملكة

هبوط بأسعار الذهب محلياً اليوم

المدرج الروماني يفتح أبوابه للجماهير لمتابعة مباراة النشامى والجزائر

الزراعة: شحنة عجول كولومبية عابرة للعراق وليست للسوق الأردنية

تنفيذ الإعدام تباعاً بحق محكومين في السجون الأردنية

لفتة للنشامى نالت إعجاب الجماهير العربية والجزائرية .. صورة

فرصة للمقبلين على الزواج .. هبوط أسعار الذهب محلياً اليوم

نداء للتعرف على هوية المتوفى بتدافع مباراة النشامى

وظائف حكومية شاغرة ومدعوون لاستكمال إجراءات التعيين .. تفاصيل

الإدارية النيابية تبحث مع الأحزاب مسودة مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026

موعد التقديم للعمل على حساب التعليم الإضافي بالتربية