فتنة البربر الأندلسية: أسبابها ودوافعها
25-05-2026 05:38 PM
تتبدى في طيات التاريخ الأندلسي صفحات باهتة كُتبت بمداد الفجيعة؛ فبعد أن غدا جند البربر، وقبائل "زناتة" عصبةً مخلصة للدولة العامرية وسنداً لعرش المنصور محمد بن أبي عامر وبنيه، لمعت منهم أسماء ملأت الآفاق هيبةً وبأساً، كزاوي بن مناد الصنهاجي، وبني أخيه زيري، والبرزالي، وسائر أعيان "يفرن" و"مغراوة" النازحين من أقاصي المغرب. هؤلاء الذين شادوا بالأمس حصن دولة المنصور، ألقت بهم المقادير في عاصفة الشتات إثر اضطراب أمر عبد الرحمن بن المنصور الشهير بـ "شنجول" وسوء تدبيره، فانحازوا إلى محمد المهدي الأموي، غافلين عما توغر في الصدور الأُموية ضدهم من ضغائن كامنة.
ولم تكن رجالات بني أمية وأنصارهم لينسوا للبربر مناصرتهم للعامريين، إذ حملوهم وزر تقويض الخلافة الشرعية واغتصاب ابن أبي عامر لسلطانها. فانقلبت عليهم العيون بأسهم المقت، واضطرمت جوانح الغوغاء بنبذهم، واستحالت أزقة قرطبة منابر يشتم فيها الدهماء ذكرهم. ولم يقف العداء عند حدود النفوس؛ بل جرد المهدي رجالهم من سلاحهم، وحظر عليهم ركوب الخيل، ثم طُردوا بصغار من ردهات القصر، واستُبيحت دورهم انتهاباً تحت سمع الدولة وبصرها. وحينما خفَّ "زاوي" وابن أخيه يبثان للمهدي ظلامتهما، أبدى لهما عذراً كاذباً، ونفسُه تفيض بصلف الشماتة فيهم، فكانت تلك الرزايا شرارة اجتماع سادات البربر في نجواهم لتدبير خلعه.
انعقد إجماع البربر على بيعة هشام بن سليمان —حفيد الناصر— غير أن أمرهم انكسر قبل تمامه، فثارت ثائرة أهل قرطبة، ودفعوا بالبربر خارج الأسوار، وظفر المهدي بهشام وأخيه فجز عنقيهما بلا هوادة. ولم تكن هذه الدماء إلا حطباً لأتون حرب استعرت، إذ لحق سليمان بن الحكم (المستعين) بجند البربر النازلين بظاهر المدينة، فبايعوه بالخلافة، وزحفوا به نحو "طليطلة" طلباً لنجدة العاهل النصراني "أدفونش" (ألفونسو).
عادت تلك الفيالق الهجين من البربر والنصارى تضرب في عمق الأندلس، فبرز المهدي مستنفراً أهل البلد للذود عن عرشه، فحاقت بهم هزيمة منكرة، حُصدت فيها أرواح زهاء عشرين ألفاً من المسلمين، وفنيت في تلك الغداة نخب الدولة، من علماء وأئمة المساجد ومؤذنيها، في خطب جليل لم تعهد قرطبة له مثيلاً. ودخل "المستعين بالله" قرطبة محفوفاً بسيوف حلفائه الأجانب مع أفول المائة الرابعة للهجرة، بينما ولى المهدي هارباً بكسير كرامته صوب طليطلة.
وعلى نحوٍ تهكمي ساخر من تصاريف السياسة، عاد التاريخ ليرسم المشهد ذاته بوجوه مقلوبة؛ إذ يمّم المهدي وجهه شطر "ألفونسو" —مستجيراً بذات الخصم الذي استجار به غريمه— يستجديه جنداً يسترد بهم ملكه الضائع! فدارت رحى معركة "عقبة البقر" بظاهر قرطبة، التي انقشعت عن انكسار سليمان المستعين وجند البربر، ليعود المهدي واطئاً عرشه فوق أشلاء رعيته.
بيد أن جند البربر، الذين انطلقوا في أرجاء الأرض يعيثون سلباً وفتكاً كجرادٍ مستطير، لم يدعوا قرطبة تلتقط أنفاسها؛ بل ارتدوا إليها يضربون حولها نطاقاً من الحصار الخانق، حتى بلغت القلوب من الهلع الحناجر. وتحت ظلال الموت الجاثم، تحركت دساكر المؤامرات في ردهات القصر؛ إذ استشعر "أهل الحل والعقد" أن المهدي غدا مغناطيس البلاء وجالب المحن، فدبر الحاجب واضح العامري أمره حتى قُتل المهدي غيلة. وتنادَى الناس بقلوبٍ واجفة لبيعة الخليفة الأسبق "هشام المؤيد" ليعتصموا بظل خلافته من بأس البربر وعسفهم، وعاد واضح العامري حاجباً له، في محاولةٍ يائسة لترميم سقف الخلافة الذي تصدعت أركانه وتهاوت قواه.
ولم يكن حصار المستعين والبربر لحاضرة الأندلس مجرد تطويقٍ عسكري عابر، بل كان خنقاً بطيئاً لروح الخلافة؛ إذ ظلوا يغادون أسوارها ويراوحونها، ناشرين الموت والدمار في كل ضاحية، حتى خربت القرى، واحترقت المروج النضرة، وانقطعت أقوات المدينة العظيمة. فضَّاقت الدنيا بأهل قرطبة بما رحبت، وبلغ الجوع والجهد من نفوسهم مبلغه، لتئن "جوهرة العالم" تحت وطأة البؤس والمسغبة.
وفي غمرة اليأس المقيم، رام كلا الفصيلين المقتتلين استمالة الطاغية "أدْفُونْش" (ألفونسو)؛ فبينما كان المستعين والبربر يستنصرونه، بادر الخليفة هشام المؤيد بإرسال حاجبه واضح العامري إلى ألفونسو ليثنيه عن نصرة غرمائه، وبذل له ثمناً فادحاً تنفطر له القلوب كمداً: النزول عن تلك الثغور والحصون المنيعة في قشتالة، التي كان المنصور بن أبي عامر قد انتزعها بحد السيف. فتقبل ألفونسو هذه "الهدية" المسمومة وكفَّ يده، تاركاً المسلمين يأكل بعضهم بعضاً في فتنة عمياء.
ومع مطلع سنة ثلاث وأربعمائة للهجرة، بلغت الشراسة ذروتها؛ إذ اقتحم البربر قرطبة عنوةً في مشهدٍ يندى له جبين الزمان. فتكوا بالخليفة هشام المؤيد، واستباحوا حرمات المدينة التي كانت سراج العلم والجمال؛ فلم يسلم من عسفهم رجلٌ ولا امرأة، ولا دارٌ ولا مسجد، وعاثوا في الأبناء والبنات فساداً، حتى تمنى عذارَى قرطبة وأحرارها لو انشقت الأرض وابتلعتهم قبل شهود ذلك اليوم العصيب.
دخل المستعين قرطبة يطأ أشلاء رعيته، وظن أن صولجان الملك قد استقر في يده، غير أنه لم يكن سوى "ملكٍ صُوري" تتقاذفه أهواء قادة البربر والعبيد الذين لم يعودوا يقنعون بفتات الموائد. فتوثب أولئك القادة واقتطعوا الحواضر العظيمة لأنفسهم؛ فاستبد باديس بن حبوس بغرناطة، وانفرد البرزالي بقرمونة، وتحصن أبو ثور بأعماله.
ولم يقف تمزق الشمل عند حواف البربر وحدهم، بل تشرذم ملك بني أمية طوائف بين أركان الدولة ورجالاتها؛ فقام ابن عباد في إشبيلية، وابن الأفطس في بطليوس، وابن ذي النون في طليطلة، واستقل ابن أبي عامر ببلنسية، وابن هود بسرقسطة، ومجاهد العامري بدانية والجزائر الشرقية. وهكذا، من رحم تلك الفتنة السوداء، وُلد عصر "ملوك الطوائف"؛ حيث استبدَّ كل طامعٍ بقطعةٍ من جسد الأندلس المنهك، ويبدأ فصلٌ جديد من التشتت الذي مهد السبيل، خطوةً بخطوة، لضياع الفردوس المفقود زوالاً نهائياً.
الباحث في التاريخ الأندلسي
_________
المصادر: تاريخ ابن خلدون / الجزء ٤ / ص ١٩٢ – ١٩٤، نهاية الأرب في فنون الأدب / الجزء ٢٣ / ص ٤١٩ – ٤٢١.
شركة البوتاس العربية تهنئ بعيد الجلوس الملكي السابع والعشرين
وفد من كلية الحقوق في عمان الأهلية يزور الديوان الملكي
أسرة عمان الاهلية تهنئ بعيد الجلوس الملكي وذكرى الثورة العربية الكبرى ويوم الجيش
تقبّل التهاني بمناسبة تعيين نذير محمد الظاهر العواملة أميناً عاماً
تقرير دولي يشيد بإصلاحات التعاونية الأردنية القانونية والإدارية
ضبط سلاح ناري بحوزة حدث داخل مدرسة في المفرق
الملك يتلقى برقيات تهنئة بعيد الجلوس وذكرى الثورة العربية ويوم الجيش
إعادة تشكيل الهيئة الإدارية المؤقتة للفيصلي برئاسة الحنيطي
جيش الاحتلال الإسرائيلي يصدر إنذارا لإخلاء مدينة صور جنوب لبنان
نتائج مشجعة لدواء مكافح للبدانة من شركة أسترازينيكا البريطانية
إزالة اعتداءات على خطوط مياه الشرب في الحسا
القضاة: رفع الأفضلية السعرية للصناعة الوطنية يعزز النمو والتشغيل
ولي العهد يهنئ الملك بعيد الجلوس: حفظك الله وأدامك قائدا وسندا
وزارة العمل تنفي أنباء متداولة بشأن البكار وتصدر توضيحاً
زيادة 30 ديناراً على رواتب موظفين ومتقاعدين مدنيين وعسكريين
قبيل مباراة النشامى بالمونديال .. الأردنيون على موعد مع عطلة رسمية
العثور على جثة أربعيني مشنوق داخل منزله في عمّان
صاروخ يسقط في الذنيبة شمال الأردن .. صور وفيديو
تفاصيل موسعة حول جريمة القتل في منطقة حسبان .. تحديث
تعليق دوام مدارس في لواء ناعور الأحد لأسباب طارئة
وظائف ومدعوون لمقابلات وامتحان بالحكومة .. أسماء وتفاصيل
الفئات التي لا تشملها الزيادة الجديدة على الرواتب
درجة الحرارة تصل إلى 40 بهذه المنطقة اليوم
8 ضحايا جرائم قتل خلال أسبوع واحد في الأردن
بعد 6 عقود من الغياب .. ثمانيني يعود لمقاعد الدراسة لتحقيق حلمه
إرادة ملكية بترفيع عدد من ضباط الجيش والأجهزة الأمنية .. أسماء
