إدارة الحرب تحت النار

إدارة الحرب تحت النار

29-05-2026 09:43 PM

تتواصل فصول الموت في غزة بوتيرة يومية متصاعدة وليس حدثا عابرا، هناك تتحول الحرب من فعل عسكري محدود إلى مشروع اقتلاع شامل يشمل البشر والحجر والثمر ويعيد تعريف الجغرافيا والديموغرافيا معا، خاصة في ظل أوامر إسرائيلية ومن أعلى المستويات السياسية بالسيطرة على مساحات واسعة تصل إلى نحو ستين بالمئة من القطاع، بما يعكس انتقالا من منطق الردع إلى منطق الإخضاع والموت الدائم، ومن إدارة الصراع غير المتكافيء أصلا إلى حسمه عبر القوة النارية الرهيبة.
هذا التحول في شهوة القتل والضم الجغرافي لا ينفصل عن بيئة إقليمية مأزومة يتجلى فيها الخذلان الفلسطيني الداخلي والعربي الخارجي كعجز يتجاوز الإرادة السياسية إلى اختلال موازين القوة بشكل مهين ناهيك عن غياب المشروع العربي المشترك إن كان موجودا أصلا، حيث تغدو البيانات الفارغة الجوفاء بديلا عن الفعل، وتتحول القضية وحرب الإبادة برمتها إلى عبء دبلوماسي لكل الدول.
في المقابل، يكشف الصمت الدولي ذو المعايير المزدوجة عن انفصام أخلاقي ومعياري فج، يفرغ منظومة القانون الدولي من مضمونه حين يتعلق الأمر بالفلسطينيين، فتُعطّل آليات المساءلة وتُمنح الحصانة للانتهاك تحت ذرائع أمنية وسياسية؛ وإن تمت لا آلية حقيقية للتنفيذ. ومع ذلك، تبقى غزة صامدة، صامدة ليس بالمفهوم الرومانسي، بل صمود بصفته استراتيجية بقاء لها تُنتجها بنية اجتماعية متماسكة-رغم محاولات اختراقها وتفتيتها- وخبرة تاريخية طويلة مع الحصار والعنف والقصف والقتل والجوع والتشريد والاعتقال، حيث يتحول الإنسان الغزّي المدني إلى فاعل يومي في المقاومة، وتغدو الحياة نفسها فعل تحدٍ، فرغم اغتيال ثلاثة من رؤساء أركانها، ما زالت حماس قادرة على إدارة الحرب وإعادة تنظيم أدواتها، بما يعكس مرونة بنيوية تتجاوز الضربات القيادية.

إن صمود غزة وأهلها يكشف حدود القوة الصهيونية الفاشية، ويعرّي في ذات الوقت هشاشة النظامين العربي والدولي، ويطرح سؤالا أخلاقيا وسياسيا مفتوحا حول معنى العدالة في عالم يُدار بمعايير مزدوجة وبانتقائية غير مبررة، حيث لا تُقاس المآسي بحجم الألم بل بوزن الضحية في ميزان القوى الدولية التي يبدو أنها لا تعترف بزمرة الدم الفلسطيني المباح .



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد