أزمة الحفظ وغياب النقد البنّاء في تعليمنا
31-05-2026 10:39 PM
على امتداد سنوات من الدراسة الجامعية ثم التدريس في الأردن والخليج والولايات المتحدة، تكوّن لديّ يقين بأن إحدى أكبر مشكلات التعليم في عالمنا العربي ليست نقص الإمكانات أو ضعف المناهج، بل هيمنة ثقافة الحفظ على حساب الفهم، وغياب النقد البنّاء بوصفه أداةً أساسية للتعلّم والنمو الفكري.
وإذا كانت الجامعة قد كشفت لي هذه المشكلة بوضوح، فإن جذورها تمتد إلى مراحل تعليمية أسبق، حيث يتعلم كثير من الطلبة منذ سنواتهم الأولى أن الإجابة النموذجية أهم من السؤال الجيد، وأن استرجاع المعلومة أهم من مناقشتها وتحليلها. فالطالب الذي لم يتعلم كيف يسأل، لن يتعلم كيف يفكر، مهما طالت سنوات دراسته.
ما زلت أذكر، وأنا طالب جامعي في قسم اللغة الإنجليزية، أنني تقدمت لامتحان في الشعر البريطاني. كان من بين الأسئلة سؤال يتطلب تحليلاً لنص شعري، فأجبت بلغتي الخاصة اعتماداً على فهمي للنص واستيعابي للأفكار المطروحة. فوجئت لاحقاً بحصولي على درجة متدنية جداً، ليس لأن تحليلي كان خاطئاً، بل لأن الإجابة لم تكن مطابقة لما دُوّن في المحاضرة حرفياً. منذ ذلك اليوم أدركت أن المطلوب لم يكن التفكير، بل إعادة إنتاج ما قيل وما كُتب مسبقاً. وكان ذلك أول درس حقيقي تلقيته في الجامعة، لكنه لم يكن درساً في الشعر البريطاني، بل في ثقافة التلقين والحفظ.
وفي موقف آخر، أشرت لأحد الأساتذة بكل احترام وأدب إلى خطأ إملائي كتبه على اللوح. لم أتوقع "شكراً" أو الإشادة بملاحظتي، لكنني لم أتوقع أيضاً أن تُستقبل الملاحظة باعتبارها تعدياً لا مساهمةً في الدقة العلمية. وفي مواقف مختلفة، شاهدت طلبة يترددون في المشاركة خوفاً من السخرية أو التقليل من شأن إجاباتهم حين لا تتطابق مع الإجابة التي يبحث عنها المدرّس.
هذه المواقف ليست استثناءات فردية بقدر ما تعكس ثقافة تعليمية أوسع ما زالت تنظر إلى المعرفة بوصفها حقائق جاهزة ينبغي حفظها لا أفكاراً ينبغي مناقشتها واختبارها. وفي ظل هذه الثقافة، يتعلم الطالب منذ سنواته الأولى أن السلامة تكمن في التكرار، وأن المجازفة الفكرية قد تكون مكلفة. ومع مرور الوقت، يتحول الخوف من الخطأ إلى خوف من التفكير نفسه.
وعندما انتقلت إلى التدريس الجامعي، خصوصاً في مساقات الأدب الإنجليزي، لاحظت أن كثيراً من الطلبة كانوا يبحثون عن "الإجابة النموذجية" للنص الأدبي؛ إذ كانوا يريدون معرفة ما الذي يجب قوله لا ما الذي يمكن التفكير فيه. وكان بعضهم يشعر بقلق حقيقي حين يُطلب منه تحليل نص من رواية أو قصيدة من وجهة نظره الخاصة مدعومةً بالأدلة، لأن سنوات طويلة من التعليم أقنعته بأن هناك إجابة واحدة صحيحة يجب الوصول إليها، وأن أي خروج عنها مجازفة لا تُحمد عقباها.
في المقابل، وجدت في الجامعات الأمريكية اهتماماً راسخاً بتدريب الطلبة على السؤال قبل الجواب، وعلى بناء الحجة قبل حفظ المعلومة. لا يُكافأ الطالب هناك، سواء في المدرسة أو الجامعة، لأنه يحفظ رأي الناقد، بل لأنه يستطيع مناقشته وتقييمه والاختلاف معه بطريقة علمية محترمة. وفي قاعات الأدب التي درّست فيها، حرصت على ألا يكون الهدف الوصول إلى تفسير واحد للنص، بل تدريب الطلبة على بناء حجج مقنعة مدعومة بالأدلة. والطالب الذي يختلف مع أستاذه ويدعم اختلافه بمنطق متماسك يحظى بالاحترام، لأن الاختلاف المدروس يُنظر إليه بوصفه دليلاً على التفاعل مع المعرفة لا خروجاً عليها. وهذا ليس فوضى فكرية، بل جوهر التعليم الحقيقي.
إن النقد البنّاء كثيراً ما يُساء فهمه في سياقنا العربي، إذ يُخلط بينه وبين الاعتراض لمجرد الاعتراض أو التقليل من احترام المعلم. والحقيقة أنه ممارسة عقلية راقية تقوم على التحليل والتقييم والاستدلال ضمن إطار من الاحترام والمسؤولية. وهي مهارة يحتاجها الطبيب حين يقرأ بحثاً علمياً، والمهندس حين يقيّم مشروعاً، والمعلم حين يصمم درساً، والمواطن حين يقرأ خبراً. ليست حكراً على الأكاديميين، بل هي أداة الإنسان الواعي في التعامل مع عالم متسارع التغيير.
والعالم اليوم لم يعد يكافئ من يحفظ أكثر، بل من يفكر بصورة أفضل حيث أصبح الوصول إلى المعلومات أسهل من أي وقت مضى، وباتت الفجوة الحقيقية ليست بين من يملك المعلومة ومن لا يملكها، بل بين من يستطيع تقييمها وتوظيفها ومن يستهلكها دون تمحيص. وفي عصر الذكاء الاصطناعي، تستطيع بضغطة زر أن تسترجع المعلومات وتلخص الكتب وتجيب عن الأسئلة. لذلك لم تعد قيمة الإنسان فيما يحفظه، بل فيما يفهمه ويحلله ويبتكره.
إن بناء جيل قادر على التفكير النقدي يبدأ من قرار واضح: أن يشعر الطالب بأن سؤاله مرحب به، وأن رأيه يُناقش لا يُهمَّش، وأن الخطأ فرصة للتعلم لا سبباً للعقاب. ويبدأ أيضاً من إعادة النظر في أساليب التعليم والتقويم التي ما زالت في كثير من مؤسساتنا تقيس الحفظ أكثر مما تقيس الفهم، والاسترجاع أكثر مما تقيس التحليل.
لقد آن الأوان، ونحن في عصر لم تعد فيه المعلومة عائقاً، بل أصبحت في متناول الجميع، أن ننتقل من ثقافة الإجابة الواحدة إلى ثقافة السؤال الجيد، ومن تقديس الحفظ إلى احترام الفهم، ومن الخوف من النقد إلى اعتباره شرطاً من شروط التقدم. فالأمم لا تتقدم بكثرة ما تحفظه عقول أبنائها، بل بقدرتها على توظيف المعرفة في فهم الواقع وصناعة المستقبل.
وحين يُعاقَب السؤال ويُكافأ الحفظ، فإننا لا نصنع عقولاً قادرة على إنتاج المعرفة، بل أجيالاً تكتفي باستهلاك ما ينتجه الآخرون.
باحث في الأدب المقارن والدراسات الثقافية
استشهاد فلسطيني برصاص الاحتلال عقب عملية دهس في بيت لحم
العميد الركن المتقاعد أحمد المقابلة في ذمة الله
تحذير رسمي: لا تذاكر أو فعاليات غير معتمدة في البترا
الشرع لترامب: رفع ما تبقى من عقوبات ينعش الاقتصاد السوري
أمريكيا والكيان الصهيوني ترامب والنتن .. حقيقة الصهيونية
العقبة: إطلاق برنامج أمواج بلس الذي يتضمن حفلات فنية كبرى قريبا
أزمة الحفظ وغياب النقد البنّاء في تعليمنا
العيسوي يعزي عشيرة العتوم وآل ناصيف
غرفة صناعة الأردن تطلق منصة بيانات تفاعلية لدعم الاستثمار والتصدير
الأمن العام: خدمات متكاملة للحجاج العائدين وتسهيل إجراءاتهم
وصول القيمة السوقية لبورصة عمّان إلى 30 مليار دينار
وزير الخارجية الإيراني: المحادثات مع واشنطن مازالت مستمرة
وزارة الصحة: أكثر من 80% من المصابين بسرطان الرئة هم مدخنون
منتخب النشامى يتصدر المشهد في الإعلام الرياضي العالمي
سرطان الثدي يشكل النسبة العليا من الإصابات السرطانية في الأردن
فيديو لوزارة البيئة يفجر غضب الاردنيين .. شاهد
وفاة نجم قناة كراميش تهز مواقع التواصل بالأردن
إربد: طفل يتعرض لـ7 طعنات خلال احتفالات عيد الاستقلال
الخروف البلدي يسجل رقماً قياسياً وسعراً نادراً .. تفاصيل
إغلاق 32 فندقا في إقليم البترا وتسريح أكثر من ألف موظف
صيام يوم عرفة .. الحكم والفضائل وأفضل الأعمال المستحبة
موعد صلاة عيد الأضحى والمصلى الأقرب لك .. تفاصيل
دراسة: عدد سكان العالم يتجاوز مستوى استيعاب الأرض
الغذاء والدواء: حبوب مونجارو المتداولة غير مجازة في الأردن
الأمانة تحذّر .. غرامة تصل إلى 500 دينار لمرتكب هذه المخالفة
فاجعة في إربد .. 3 وفيات وإصابتان بحادث تصادم
القناة الرياضية الأردنية تنقل مباريات النشامى في نهائيات كأس العالم
حين تحوّل وزارة البيئة منصاتها إلى ساحة سجال ..


