كما تدين تدان
19-06-2026 01:03 AM
هل يستطيع المواطن الأمريكي العاقل حي الضمير أن يحب دولته، الولايات المتحدة، اليوم؟ هل يمكن للإنسان مهما بلغت وطنيته وشعوره الانتمائي أن يبقى محافظاً على هذه المشاعر تجاه دولة تقتل شعوب العالم قتلاً مخططاً ممنهجاً، تضطهد الملايين، تستثمر قسراً في أراضيهم، تستغل مواردهم الطبيعية، تهجّرهم وتبعثرهم في بقاع الدنيا، تتحكم في سياسات العالم بشكل عشوائي أهوج غير خارطته وغير مصائر المليارات من بشره؟ ولكن ما الجديد؟ أليست هذه هي السياسة الأمريكية منذ بدايات قيام هذه الدولة على دماء أصحاب الأرض الأًصليين الأبرياء؟ لربما المختلف اليوم هو درجة الوقاحة والوضوح والمباشرة المتوفرة كلها على لسان دونالد ترامب، والأهم أن هذا الاختلاف بات يمس وبقوة الداخل الأمريكي، أي أن الاضطهاد التف على أمريكيي الداخل أنفسهم، فأعمل فيهم سياساته التي طالما عانت بقية شعوب الأرض منها.
وحب الوطن أرضاً وثقافة، واعتياد المشهد والأشخاص الذي يتحول في الوعي الإنساني إلى ارتباط وتعلق نسميه ولاء، نسميه عشقاً، نسميه تجذراً، هي حالة تنفصل عن حب الدولة واحترامها والتفاخر بالانتماء إليها؛ فالأولى حالة حب للمكان وتاريخه وبيئته وثقافته، والأخرى حالة احترام للمؤسسة السياسية الإدارية، والتفاخر بتقدمها وعدالتها والشعور بالانتماء لفكرها ومنهجيتها السياسية. معظم البشر يستشعرون حالة الحب الأولى الأولى ويستشكلون في الثانية. وفي تصوري، لا أحد يستشكل مثل الأمريكان اليوم، مع كل ما يصدر من حكومتهم من قرارات مصحوبة بتصريحات أقل ما يقال عنها أنها تعبر عن أمراض عقلية مغلفة بنرجسية وسيكوباتية عدائية ستقود العالم كله إلى نهايته.
في ذلك، يقول الممثل الشهير روبيرت دينيرو في تصريح له مؤخراً: «إن عبارة كلنا نحب بلدنا محشورة في حلقي، لأن بلدنا ليس قابلاً للحب كثيراً حالياً. أكره قول هذا، ولكن حالة حب بلدنا تبدو وكأنها حالة شريك معنَّف يقول إنه يحب معنِّفه. لا أستيطع أن أحب دولة تبدأ حروباً غبية لا إنسانية، تقتل آلاف الأبرياء وبشكل غير مباشر تتسبب في وفاة ملايين آخرين. لا أستطيع أن أحب دولة تسحب الرعاية الصحية من الملايين من الناس وتستخدم تلك الأموال لتزيد من غنى أتباعها من جماعة طبقة ترامب وإبستين. لا أستطيع أن أحب دولة ترسل ميليشياتها العشوائية لتقصف المواطنين في الشوارع، وتعذب جيراننا، وتفصل العائلات بعضها عن بعض. لا أستطيع أن أحب دولة يقودها طاغية عنصري، ذكوري يكره النساء، يكره الأجانب. ودعوني أقولها، لا أتسطيع أن أحب دولة يقودها دونالد ترامب وكونغرس متملق ذليل».
في مقولة دينيرو تلك، الكثير من العِبر الحزينة؛ فدينيرو الذي ينتمي لأسرة مهاجرة إلى أمريكا، يحب وطنه ويعترف بفضله عليه، لكنه لا يغفل أن هذا الوطن، من خلال مؤسسة الدولة، قد استكبر وتجبر على العالم أجمع ليلتف بعدها على مواطنيه، ليبدأ أولاً باضطهاد وطرد وتفرقة المهاجرين الذين شكلوا عواميد اقتصادية واجتماعية في أمريكا، بل وربما كانوا يملكون هذه الأرض أًصلاً قبل الأوروبيين البيض الذين هاجروا لها وقتلوا أهلها الأصليين واستعمروها ثم طردوا المكسيكيين والجنوب أمريكيين من غربها الذي كان ملكاً لهم، واحتلوها بالكامل وأطلقوا على أهلها المطرودين مهاجرين غير شرعيين. سقط الأمريكيون في ذات الفخ البشري القديم الذي يصنع الوحش الذي يلتهم صاحبه: سكتوا مطولاً، عن جهل أو تجاهل أو لا مبالاة، عن عنف واضطهاد وظلم حكوماتهم المتتالية تجاه الشعوب الأخرى من جهة وتجاه المهاجرين على أراضيهم من جهة أخرى، ليلتف الحبل على عنقهم هم كمواطنين في نهاية المطاف، على يد رجل غريب مريب، مستغل للنساء وللأطفال، سارق للضرائب، بذيء اللسان، وربما آكل لحوم البشر، رجل لا توجد نقطة بيضاء في صفحات عمره السوداء المكتوبة بماء ذهب ملوث والمحفوظة في قصوره وبناياته الشاهقة القميئة. إنها قاعدة بشرية أساسية، التي على كثرة تكرارها، لا يريد البشر استيعابها: كما تدين تدان.
لكن العبرة الأكثر تأثيراً في كلام دينيرو أنه، إبان تلك الحقبة الأكثر ظلاماً من عهد دونالد ترامب، لا يزال قادراً على الوقوف أمام الجموع ناقداً بشكل علني وبكلمات قاسية تصل حد الشتيمة، الرئيس الأعلى لدولته دون أن يخشى عاقِبة مباشرة. لا يزال المجتمع الغربي يتمتع بتلك الجوهرة اللامعة باهظة الثمن، تلك التي دفعت الشعوب الغربية من دمائها وأرواحها واستقراراها طويلاً لتفوز بها: جوهرة الحرية. لا تزال تلك الشعوب تمارس حقها في حرية التعبير، تنقد رؤسائها وحكوماتها، تخرج في الشوارع رغم القمع والاضطهاد غير المسبوقين اللذين يوجهان لها، تصرخ وتعتصم وتخرج في مسيرات وترفع الرايات وتقتحم الاجتماعات وتقلب قاعات الجامعات. لا تزال هذه الشعوب تمارس حقها في صوتها العالي الحر رغم الأثمان الباهظة، والسبب؟ لقد دفعت هذه الشعوب أثماناً كبيرة من أجل حرياتها، والأهم أنها ذاقت طعم هذه الحريات وفهمت معنى وقيمة أن تمتلكها. لقد استقر في ضمائر هذه الشعوب استحقاقاتها الكاملة في تقرير المصير والمشاركة في الحكم ونقد المسؤولين، وأن السياسة وقراراتها منها وإليها، وأن الساسة تحت رحمتها، هي تختارهم وهي تنفيهم، وليست هذه بقيم إنسانية أيديولوجية سياسية باهظة الأثمان حاربت من أجلها هذه الشعوب وأراقت لتثبيتها الدماء لتتركها عند أول مطب غائر بسهولة واستسلام.
ولكن، كثر الدق يفك اللحام، ودوام الحال من المحال، والمصائر قد تتبدل بين ليلة وضحاها، وأكثر ما يرعب هو الاحتمالية القوية لاستسلام الشعوب الغربية المجبولة على الحريات لرياح هذا الزمن المتراجع عن الديموقراطية والمعاد لكل القيم الإنسانية التي احتاجت البشرية لآلاف السنوات لبنائها وترسيخها. ماذا لو لم تستطع هذه الشعوب أن تقاوم أكثر؟ ماذا لو غُسلت أدمغتها وأعيدت برمجتها لتنحى للشمولية والديكتاتورية وتنسى كل نسمات الحرية التي كانت تستنشقها ذات يوم؟ ماذا لو أنه ما بين خوف الشعوب الشرقية وتراجع الشعوب الغربية، تنتهي البشرية إلى عبودية جماعية تحكمها وتتحكم فيها أقلية طاغية متخفية خلف تكنولوجيا غاية في التطور ومحمية بخوف وذل الشعوب التي تحكمها ورغبة هذه الشعوب في أن تأكل وتنام كأقصى طموحاتها البقائية؟ ماذا سيحدث لقيمة حب الوطن ومفهوم الموت من أجله إذا تحول هذا الوطن إلى نموذج الولايات الترامبية الأمريكية، وطن ينفي اللاجئين له، وطن يأكل أبنائه ويحييهم في خوف وهم وحرمان، وطن تعشقه ويعنفك، تخلص له ويخونك، لا تعرف الأمان إلا في حضنه ولكن ينتفي فيه كل شعور بالأمان؟
أشرف بن عياد: أبو ليلى لا يستحق الانتقادات والجماهير الأردنية مطالبة بدعم النشامى
المونديال 2026: كرةُ القدم ملعب للفاشيات وصورةً لتعقيدات العالم
أربعة عوامل قادت إلى الاتفاق الإيراني الأمريكي
مجموعة السبع: قمم تكريس الاعتلال وتقديم القرابين
روسيا تبدأ استخداماً موسعاً للقاح أونكورنا لعلاج سرطان القولون
المرشد الإيراني: وافقت على المذكرة بعد تعهد بزشكيان بصون حقوق الشعب
العيسوي يرعى احتفالا وطنيا في البادية الشمالية
صابر الرباعي يخطط لاعتزال الغناء خلال 5 أعوام
6 جامعات تركية ضمن أفضل 500 جامعة عالميا لعام 2027
إصدار جدول مباريات الدوري النسوي تحت سن 14
تنويه للمواطنين .. توقف مؤقت لضخ المياه بهذه المناطق
الأمن يكشف تفاصيل جريمة مروعة في عمّان
قفزة هائلة بأسعار الذهب محلياً اليوم
ظهور أسد في معان يتصدر حديث الأردنيين .. ما القصة
الأسماء التجارية للعينات غير المطابقة من الجميد .. صور
ما مصدر الجميد المحتوي على ثاني أكسيد التيتانيوم بالأسواق
انخفاض كبير على أسعار الذهب محلياً الخميس
ترتيبات جديدة لمواعيد العيادات الصباحية بالبشير .. التفاصيل
الأمن العام يوضّح ملابسات فيديو مشاجرة شفا بدران
مدير الأمن العام يقرر إجراء تنقلات وتعيينات جديدة
بحث إنشاء مجمع سفريات في النعيمة بإربد
ارتفاع أسعار الذهب محلياً اليوم
الأمن يكشف ملابسات فيديو الاعتداء على شخص ببني كنانة .. شاهد

