كليلة ودمنة – الحلقة الرابعة


الكاتب : د. عمر جعوان

تتويج الثعلب ...


انقسمت الحيوانات في الغابة الى فسطاطين ، فسطاط الاكثرية ويضم الرافضين لتوجهات الثعلب هذه المرة، والرافضين لكل شئ اصلا ، والغاضبين من صمت الاسد ، والخائفين من المستقبل لانهم يعلمون بان المستقبل كله للثعالب وغير الابهين باي شئ يجري في الغابة واخرين واخرين واخرين ، ولعل ابرز ما يمثل هذا الفسطاط اختلاف هي ان ليس لهم مكونات فكرية وعملية ورغبات المستقبلية واحدة ، وهذا ينعكس على الاختلافات والتطاحنات الدائمة بينهم ، ورغم كل الاختلافات بينه فانهم يجتمعون حول شيئ واحد ، ما هي توجهات وخطط الاسد ؟


اما الفسطاط الثاني والذي تالف لدعم توجهات الثعلب فانه الاقل عددا والاقل تاثيرا في مجرى الحياة اليومية في الغابه ، ومكوناته ايضا مختلفة الا انها اجلت اختلافاتها وتالفت وفي ذهنها جمع اكبر الغنائم في اقل واسرع وقت ممكن ، لانها تعلم ان الاحوال لا تدوم لا للثعلب ولا لغيره لانها لودامت لغيره لما وصلت له ، وهي لا تريد ان تتوقع ماذا في ذهن الاسد وما الذي سيفعله ، اذ سيكون الثعلب وحده مشغول بامور العلاقات مع الاسد وهو الذي وعد بذلك كما انهم لا يطيقون التفكير لحظة في التعامل مع الاسد لان النتيجة ستكون محسومة سلفا.


جلس الفريق المتالف مع الثعلب في احدى مغارات الغابه ، وتبرع البغل بالقيام بحراسة باب المغارة لسببين الاول انه قوي بما يكفي لمنع تسلل بعض المتطفلين على الاجتماع اما الثاني والاهم فهو لانه قليل بل عديم التفكير وهو قد انضم للمجموعة اصلا لان خنزيرا عتيقا هزيلا ركب على ظهره وقاده لموقع الاجتماع ، وعندما وجد نفسه بين الحيوانات المجتمعة لامر ما لا يفهمه قرر ان يكسب نفسه بعض اهمية ، وظل طوال وقت الاجتماع مفكرا في كيف يكون مهما ، وقد حانت الفرصة له عندما انتقل الفريق للمغارة واراد ان يجسد تلك الاهمية من خلال عرضه حراسة البوابة ، وكم شعر بالسعادة عندما وافق المجتمعون على عرضه بل شعر بالاهمية فعلا ، لان الشعور بالاهمية في ان يكون حارسا طول العمر لاي محتاج للحراسة حتى لو كان الثعلب الماكر الجبان ، لا بد وان تكون من صفات البغال.


وقبل البدء بالاجتماع برزت اهمية الثعلب العجوز الذي اوحى اصلا بفكرة الانتفاضة للثعلب وكان بين الحضور ، تقدم بقطعة جلد ملفوفة والقى بها في حجر الثعلب ابو الثوار ، فتحها واذ بها نقوش من الثعلب العجوز ترشده الى المواضيع الواجب طرحها في الاجتماع للمساهمة في تاكيد الاستمرار بالحصول على تاييد الحيوانات في الغابة والحيوانات في الغابات القريبة المجاورة خصوصا الحيوانات المرتزقة في الغابة الجارة ، ولان كليهما ثعالب فقد فهم الثعلب الاشارات التي تدل عليها النقوش ، وبدأ في الحديث ، قال :-


قلت لكم سابقا باني لا اريد ان اتسيد عليكم – وفعلا قالها مرة - ولكنكم اعطيتوني امرا وها انا التزم باوامركم واقبل ان اتسيد عليكم ، فتصارخت الحيوانات ورفست ابتهاجا وفرحا ، مامرته ان يتسيد عليها حسب رايه بان اجرت مسرحية انتخابات هزلية سريعة اوحت الى احد الخراف ان يرشح نفسه امامه ، ولمل لم تستطع الخراف اصلا ان تدخل الى المغارة الا ذلك الخروف الضال الذي رشحته باقي الثعالب امام رائدهم الماكر ، نجح الثعلب وسقط الخروف واصبح الثعلب سيدا رسما لا ينكر زعامته اي حيوان في الغابة.


خرج يتحدث للعمامة بشيء اشار اليه فيه الثعلب العجوز ، وقف على ربوة المتحدثين في الغابة وقال : ها انا سيد الغابة حسب ما امرتم ثم اردف ان اول شيء سنفعلة لمصلحة غابتنا وساكنيها هو ان نجمع ما لدى كل منا من مخزون طعام ونضعه في مكان واحد لكي نتشارك في المسؤولية تجاه بعضنا ، خصوصا ان الكثير من الطعام المخزن لديكم قديم  ولا يستعمل فاختاروا بين ان تتركوه يعفن في المخازن ام ان نجمعه – وانا اولكم – ليستفيد منه كل محتاج ؟ بل انه عند تكويمه في مكان واحد وهو مليئ بالذرة والشعير على ما اعلم فستنبت تلك الحبات بغزارة وسيكون لكم كنها عائد كثير وستاكلونه طازجا ، ، ،


نظرت الحوانات لنفسها خجلا من عمق تفكير الثعلب وجهلهم وترافسوا مرة اخرى طربا لتفهمه مصالحهم ، واصبحوا يشعرون بانهم لم يضيعوا دعمهم للثعلب هدرا فها هي اول النتائج تظهر باسرع مما توقعوا ، فانطلقوا مسرعين كل الى جحره يستخرج منه ما لديه من مخزون ويسرع به الخطى ليضعة فوق الكومة في المكان الذي اشار اليها الثعلب ، وهو فخور سعيد بما يفعل .


ولم يدرك اي منهم لماذا اشار الثعلب الى ان يوضع المخزون في هذا المكان المظلم القصي الخفي ، بل لعلهم توقعوا ان في هذا المكان حرصا وحماية للمخزون من ان يغير عليه ويختطفة المختلفون معهم اصلا ، لم يخطر ببالهم ان الثعلب طلب منهم تكويم مخزونهم في عذا المكان الذي هو الاكثر مناسبة لحرق المخزون دون ان يشعر بذلك احد .


وفي غمرة مايجري وبينما الحيوانات تتدافع لالقاء مخزونها من الغذاء في الموقع ، وقف الهدهد الى جوار يمامة على غصن شجرة بلوط قرب المشهد وكانا مسندهشين مستغربين لما يجري ، قال الهدهد لليمامة : كنت اطير مرة فوق منزل متواضع لانسي اسمه جحا ، فسمعته يقول لاحد جلسائه بانه رائ في قصر السلطان حمارا جميلا يحبه السلطان ولكنه هو يرغب في الحصول عليه دون غضب السلطان ولذلك فسيعلن عن رغبته في فتح روضة لتعليم الحمير النطق بلسان البشر خلال سنين معدودة ، وسيعلم السلطان بذلك ولانه يحب حماره فانه سيرسله لي لتعليمه النطق ، وهكذا احصل على حمار السلطان . قال صديقه لكنك ياجحا لن تستطيع تعليم الحمير النطق وانت تعلم ذلك فماذا ستفعل عند فشلك ، قال جحا بمنطق الواثق لن تمر تلك السنين ياصديقي الا ويموت السلطان او اموت انا او يموت الحمار وهكذا ياتي الحل من السماء . قالت اليمامة وماذا تعني هذه القصة ايها الهدهد الذكي ؟ قال : مما اشاهده على الارض صار عندي شعور ان الثعلب قد تعلم على ايدي جحا والله اعلم .


عادت الحيوانات الى جحورها وقد ارهقها تعب نقل المخزون وتكويمه ، وتعب الرقص والرفس والتدافع خلال ذلك ، فاثرت الاسترخاء والراحة ، لتقوم في صباح اليوم التالي وتبدأ حياتها من جديد في الرعي والسير للجدول للشرب ثم الاسترخاء وتكرار ذلك في اليوم التالي  وبقيت على هذا الحال لسنة او اكثر.


صار خلال تلك السنة احداث كثيرة لم تابه بها مجموعة اصدقاء الثعلب كثيرا ، اما هو فقد وجد نفسه في محنة ، وجد نفسه قد غادر زمرة الثعالب وهو منهم ، ليتصرف بتصرف الاسود الذين لبس ثوبهم وهو ليس منهم ، وبدأ يتعثر فيسقط عنه ثوب الاسد لكنه يسرع لاخفاء نفسه بالقفز عاليا عله يقع على ارض ممهدة فيستعيد توازنه ، الا ان الذي جرى غير ذلك .


بدأت مشاكله على شكل تسديد فواتير لمن وقف معه من الغابات المجاورة ، فسكان غابة المرتزقة المجاورة لا يستطيعون البقاء في حالة هدوء خوفا من الافيال ، لان عندهم تخوف هم يعلمون اصله بان الافيال تتكاثر بشكل ملفت للنظر وانها حتما ستهاجمها ان لم يك ن اليوم ففي القريب العاجل ، وانها تدبر امرا ... وطلبوا مساعدته في موضوع الافيال ، فماذا يستطيع الثعلب شخصيا فعله مع الافيال ؟ ولانه ماكر قرر ان يدع الغربان وصغار الثعالب فتح معركة مع الافيال ، فنعيق الغربان المزعج المتكرر سيؤثر على هدوء الافيال وقد تحاول الافيال الجري وراء الغربان لاسكاتها عندها ستضحك كل حيوانات الغابه وتلتقي على فكرة يرددها الثعلب تقول بان الافيال غبية ، فاذا رسخت هذه الفكرة فسيحقق الثعلب نجاحين ، نجاح في اقناع سكان الغابة المجاورة بانه يفي بوعوده لهم ونجاح في اقناع زمرته بان يقفوا معه في اي حركة سيتخذها ضد الافيال الغبية من يوما ما.


ومشاكله مع باقي حيوانات الغابة لم تبدأ بعد الا من حركشة هنا وهناك ، ففي السماء يحلق ذلك الهدهد المدرب جيدا من ايام بلقيس على الوصول الى الاسرار ونقلها بسرعه ، ها هو كل يوم يتنسط على اسرة الثعلب ويراقبه عندما يخلع ثوب الاسد ويجلس مع عشيرة الثعالب في جحره الخاص ، يقول الهدهد لمتابعيه ان صاحبنا يتأتئ عندما يتكلم بما في عقله والتأتأة تعني بالنسبة له ان ليس في عقله شئ مهم ، وهو لا يتحدث الى اتباعه  بطلاقة الا بعد ان يلقنه الثعلب العجوز ما يقول ، والثعلب العجوز ايضا عنده مشكلة لان ابنه نصب على عشيرة من الثعالب في مجاهل افريقيا وهي مجاهل تهم الثعلب الحاكم تلك ولذلك فهو مضطر ان يحاكم ابن الثعلب الماكر لفعلته تلك ولكنه لا يريد اغضاب الثعلب الماكر والقصة عنده اصبحت على درجة عالية من التعقيد.
ثم انه في خلوته مع عشيرته في جحره لا يخفي امتعاضه من اولئك الذين يملكون كل ذلك الحطب الذي ينفع في الشتاء ويضنون عليه بعيدان منها ليدفئ اتباعه الذين كثيرا ما وعدهم بالدفئ في الشتاء القادم ، فيقوم الهدهد باشاعة تلك المعلومة في الغابات كلها فيمتعض الثعلب وكثيرا ، فيلتجئ للثعلب العجوز مستشاره في الازمات ليستأنس برأيه ليقوم بعدها بجمع الغربان وابلاغهم بانه سيعتذر للجيران عن سفاهة الهدهد وسيبقى ابنهم وخادمهم في غابته وسيرسل لهم قطيع من الذئاب ان ارادوا ليخيفوا جيرانهم او لمن يضمر لهم سوءا.


ثم ان بعض الحيوانات من المجموعة الاخرى بدات تتحرك وهو يرقب حركتها ، وما لا يخيفه في ذلك انها تتحرك على غير هدى لانها لم تصل بعد الى فهم الذي جرى ويجري ، ذلك لانها لا تملك الرؤيا الصائبة المبنية على معرفة ماذا خلف الافق ، وستبقى تهيم على وجهها هنا وهناك الى ان تفهم ما الذي وراء الافق ... عندها ستصبح مزعجة للثعالب بل مخيفة فعلا.


كل ذلك يقلقه بدرجة متوسطة ، اما الذي يقض مضجعه ليل نهار فهو زمرة الاسود ، بماذا يفكرون وكيف يفكرون وماذا سيفعون وكيف سيفعلون ؟ هذه مشكلة المشاكل لدى الثعلب .. فماذا يفعل ؟ لنرى ......