فتحي أبو طالب .. النجم الذي هوى

فتحي أبو طالب .. النجم الذي هوى
الكاتب : د. أحمد عويدي العبادي

هوى نجم أردني ما اغواه المنصب، ولا نالت منه المتاعب ولا اغرته المراتب لأنه كان أكبر منها جميعا وهي امامه قميئة، ولا هدت قامته تكالب السنين ولا هزت به شعرة المتآمرين، انه المغفور له بإذن الله المشير فتحي باشا أبو طالب ابن السلط المحروسة وابن الأردن العزيزة وتمت مواراته الثرى في مقبرة سحاب الإسلامية ظهر يوم الجمعة 4/11/2016 الى رحمة الله وغفرانه ان شاء الله 

 

فتحي أبو طالب طود شامخ يسمو في السماء، وله اجلاله في العلياء، وهو قامة وهامة اردنية ترعرعت في أحضان السلط الابية العصية ودرجت في ارض الأردن المهيبة المهابة، فاختار القوات المسلحة الأردنية الباسلة / الجيش الأردني ان تكون طريقه ورفيقه في حياته العملية 
 
 
فتحي أبو طالب فقيد الأردن وجيشنا الأردني وحرائر الأردن واطفالها ورجالها وهوية الأردن وشرعية الأردن ووطنية الأردن، هو ابن السلط المحروسة العصية والأردن العزيزة الابية ولي الشرف انني ابن السلط وابن الأردن، الذي عاش كريما لم يناله اللئام ومات عزيزا وحسده على موته الاقزام، 
 
فهو جبل من جبال الأردن ونجم من نجومها الزاهرة وشخصياتها الباهرة، عرفته فأحببته لتواضعه الصارم وصرامته المتواضعة، ليس فاحشا في القول ولا يهاب الرجال ولا يتجاوز على أحد، ولا تمشي عليه الدهلزات ولا يعمل بالمؤامرات، ولا يجرؤ أحد ان يتجاوز عليه لما له من مهابة ولأنه قلعة محصنة امام القيل والقال فهذه طوابق ليس لها عنده سوق.
 
 
وعندما يبتسم فهو صاحب الابتسامة الواثقة التي لا رخص فيها ولا فحش، والواثق المبتسم، ما طلبت يوما مقابلته الا ولباها وانا في قمة المعارضة، وهو مالم يجرؤ غيره على فعله، لأنه واثق من نفسه ويثق بي ايما ثقة، وما شعرت يوما انه منهزم ولا متذمر ولا يائس، وهو يعشق الأردن وانه يجب ان يكون لنا جيش قوي محسوب على التراب وليس على الاصحاب والاتراب.
 
يحب الأردن والاردنيين وله فلسفته الوطنية التي ارجو الله ان يكون دونها قبل ان تضيع لان التاريخ لمن يكتبه لا لمن يصنعه
 
فتحي أبو طالب صنع هيبة لجيشنا الأردني وضباطه عجز عنها من هو سواه من القادة من قبل ومن بعد، وهو ثاني أفضل وأقدر قائد للجيش الأردني بعد كلوب باشا في تاريخه المعاصر. 
 
 
فتحي من أبناء المدرسة الأردنية ولم يكن عميلا لدولة او أجهزة خارجية او سفارة، ولا يؤمن بالعمالة والعملاء وان كان يتعامل مع كل ما يتطلب جيشنا الأردني الباسل وبالتالي كان استمراره لكفاءته ولان القوات المسلحة الأردنية عرفت زمنه الاستقرار والازدهار والعدالة، وانه جيش الاحتراف والدفاع عن الأردن
 
 
 فتحي أبو طالب كان اهم رئيس اركان أردني يدخل التاريخ بعد كلوب باشا، عرفته عن قرب وشعرت انه قريب وهو بعيد وبعيد وهو قريب له هيبة الأسود وتواضح الحصان الأصيل، عين صقر تحرس الأجواء وجبل شامخ يسخر بالأنواء. احببته من قلبي وانا اتفطر حزنا عليه، فلمثل فتحي أبو طالب تذرف الدموع وتنوح النوائح ويبكي الرجال وذوات الحجال، ولمثله تسير الجموع ولمثل جنازته يسير الرفاق وهم يترحمون عليه وندعو ومعنا يدعون له ان يسكنه الله فسيح جنانه ويلهم اهله الصبر والسلوان 
-----------------------
 
 
وقد سبق وكتبت مقالا سابقا عنه نشرته السوسنة  ويكفيني عن الاطالة في الحديث 
 
واليكم المقال
 
 
لقائي المغلق بالفريق فتحي ابو طالب أفضل رئيس هيئة الاركان 1989+ 1990 
 
بقلم المؤرخ المفكر د احمد عويدي العبادي
 
وجدت في يومياتي لقاء هاما مع واحد من أفضل رؤساء الاركان في تاريخ الجيش الاردني، 
 
وهو الفريق الركن فتحي ابو طالب، 
 
كان اللقاء في نهاية 1989، واخر في منتصف 1990 
 
رأيت اطلاع الناس عليها لأهميتها 
 
الخميس 6/6/1991 ـ 23 ذو القعدة 1441 اليوم التقيت الفريق فتحي ابو طالب رئيس الاركان.
 
في الصباح كتبت مذكرتين موجهتين إليه، حيث كنت على موعد معه في العاشرة من صباح اليوم (نص المذكرتين في ذيل المقال). 
 
لقاء اواخر عام 1989 
 
اليوم كان لي موعد مع عطوفة رئيس الاركان الفريق الركن فتحي ابو طالب بعد أن اتصلت بي سكرتيرته بعد ظهر أمس، وهو اللقاء الثاني المبرمج مع هذا الرجل، فقد كان اللقاء الاول في نهاية 1989 في اول دورة للمجلس، ولذلك اللقاء السابق قصة طريفة لكنها هامة، وكانت على النحو التالي: في بند (ما يستجد من اعمال) في جلسة مجلس النواب، تصديت لنائب يساري كان اتهم الاستخبارات العسكرية وقواتنا المسلحة الباسلة باعتقال شخص في ظروف صنفتها الاستخبارات أنها ظروف توجب الشبهة. 
 
 
بينما وصف الزميل ذلك الاعتقال بانة تأبط شرا، فتصديت له قائلا: انني فيما اعلم فان الاستخبارات العسكرية لا يمكن إن تتبلى على أحد بالاعتقال، وأنها لا تعتقل الا الجواسيس للعدو الصهيوني، وإذا كان الامر كذلك = والكلام لي في حينه  فانه يؤسفني أن الزميل الكريم يدافع عن الجواسيس، ويهاجم الدائرة الاستخبارية الوطنية الانقى، وهي الاستخبارات العسكرية والقوات المسلحة، المكلفة بحماية الاردن واهله وهويته وشرعيته.) انتهت مداخلتي في حينه.
 
 
ولكن أيا من المنتفعين من النواب، الذين يحصلون على كل الامتيازات، لم ينبس ببنت شفة، دفاعا عن الجيش والاستخبارات، ولم يدر في خلدي إن هناك من يكتب هذه المداخلة ودفاعي عن القوات المسلحة والاستخبارات العسكرية، التي اثق بها كثيرا من خلال خبرتي بهم ومعهم في الظروف المرة المريرة، منذ عام 1968 عندما كنت شابا يافعا برتبة ملازم ثاني اتدفق حيوية ونشاطا وتطلعا للمستقبل، والذي لم تكن النيابة جزء منه ابدا. 
 
وبعد يومين (في حينه 1989) تلقيت مكالمة هاتفية من مديرة مكتب رئيس الاركان، وكانت سيدة برتبة عقيد او عميد، التي قالت إن عطوفة الفريق الركن فتحي ابو طالب رئيس هيئة الاركان يرغب رؤيتي في الوقت الذي يناسبني، وستكون هذه المرة الأولى لمقابلة الرجل، فأخبرتها إن الوقت الذي يناسبني هو يوم الخميس (في مثل هذا اليوم) وكذلك كان. 
 
واذكر حينها انني ذهبت إلى القيادة العامة للقوات المسلحة في العبدلي، حسب الموعد والباب المحدد، حيث وجدت ضابطا برتبة نقيب عرفني على نفسه، وإذا به عبادي من قبيلتي، وهو من مرتب الاستخبارات في مكتب رئيس هيئة الأركان، وكان بانتظاري على الباب الرئيسي لبناء القيادة، واستقلينا المصعد إلى مكتب الباشا الفريق فتحي ابو طالب. حيث دخلت هناك مباشرة بعد إن صافحت طاقم المكتب، وكان اول لقاء بيننا وفاتحة لصداقة بيننا ايضا. وهو ما حدث وتكرر هذا اليوم. 
 
 
ولا زلت اتحدث عن لقائي الاول مع الرجل كان الفريق فتحي مبتسما ودودا يرتدي لباس الخميس الرسمي، مشرق الوجه رزينا واثقا من نفسه، وشعرت حينها كما شعرت اليوم، بدفء المحبة الوطنية الصادقة منه تجاهي، عندما اخذني بالأحضان وعانقني، وهو يشكرني على موقفي في حينه، وعندما فوجئت بما يقول تساءلت مستغربا: واي موقف تقصده يا باشا، وخلت انه موقفي من رفضي للحكومة وحجبي للثقة عنها في حينه، فقال إن هذه امور سياسية ونحن نحترم مواقفك السياسية، وانت حر بها، ولكن شكري والقوات المسلحة لكم هو بسبب اخر 
 
قلت: وما هو السبب يا باشا؟ قلتها وانا اشعر بالحيرة والاستغراب وخفت ان يكون العكس هو المقصود 
 
فقال: لدفاعك عن الاستخبارات العسكرية (التي كان هو مديرها من قبل)، ودفاعك عن القوات المسلحة (التي هو رئيس اركانها الان 1990). وعندما سألته عن أي موقف يقصد وكيف عرف، ابتسم بمودة وهو يستغرب مني هذا السؤال وانا ابن الاجهزة الامنية.
 
فقال (وقد اشار إلى بيديه إن اجلس وقد جلس بجانبي على شكل زاوية): رفع الي مكتب استخبارات عمان تقريرا مفصلا، عن مداخلتك ودفاعك عن القوات المسلحة والاستخبارات، تحت قبة البرلمان، في الجلسة امام من تجاوز علينا ظلما وعدوانا، الامر الذي استوجب علينا أن نشكرك ايضا، لأنه من لا يشكر الناس لا يشكر الله. ولكي اوضح لك ان كلامك كان صحيحا، ان من دافع عنه النائب اليساري، هو من صنف ما قلته فانت اجبت عنا تعبيرا عن الحقيقة، رغم أنك لا تعرف التفاصيل، وانت اجابتك صحيحة دقيقة لدرجة جعلتنا هنا نتساءل ان كان أحد من الاستخبارات اخبرك، ثم قال مازحا او أنك مخترق للاستخبارات، ولكننا نعرف ان الاستخبارات غير مخترقة لاحد ابدا، قلت انا اخترق اجهزة ودوائر اخرى، ولكن ليست الاستخبارات بكل تأكيد.
 
فأقسمت له انني لا علم لي بالأمر من قبل. وانما كنت عملت وانا ضابط في الامن العام، اقول عملت بالتنسيق مع الاستخبارات سنوات طويلة من 1968 – 1979 واعرفهم جيدا، واعرف طريقة عملهم، وعناصرهم وتركيبتهم، حيث لا يظلمون ولا يتجنون على أحد، وان الاردن هو الاول بالنسبة لهم، ثم امن القوات المسلحة، ولا يتآمرون وانما يتصدون للمؤامرات، وكلهم اولاد عشائر موضع ثقة لكل وطني مثلي، وهم جهاز للوطن وليس للأشخاص، هذا ما عرفته عنهم خلال عشر سنوات من التنسيق عندما كنت ضابطا بالأمن العام، (ولم اتحدث له عن خلية السمن البلدي والشعبة الخاصة شيئا).
 
ثم قال نحب ان نخدمك لأنك رجل وطني نظيف، ومواقفك ليست قائمة على البحث عن المغانم ولا تلقي التعليمات من أحد. قلت: له ما انا الا جندي من جنود الاردن، وان تغير الخندق الذي ارابط فيه واقاتل منه. 
 
فقال: جميعنا جنود الاردن وان اختلفت مواقعنا وخنادقنا.
 
فقلت: صدقت. وانني أقدر بأعجاب دعوتكم لي، وهذا ينم عن حسن ادارة عطوفتك وتقديرك، وانا سعيد إن يكون ابناء الاردن من امثال عطوفتكم، يقدر مواقف ابناء الاردن في المواقع الاخرى، عندما تكون مواقفنا خالصة لله ثم للأردن.
 
كان هذا كله في اللقاء اعلاه، وهو اللقاء الاول في اواخر عام 1989 
 
، اما في هذا اللقاء الثاني – أي اليوم (الخميس 6/6/1991 ـ 23 ذو القعدة 1441)
 
فقد طلبني الفريق الركن فتحي ابو طالب رئيس الاركان لأمر اخر , وهو ليشكرني على موقف اخر مني تجاه القوات المسلحة الاردنية ايضا , رغم انني معارض للحكومة برمتها، لقد ثبت لي من خلال المتابعة والتعامل إن الفريق فتحي ابو طالب , رجل متوازن ناضج وطني ومنصف, وصمام امان للجيش ونقطة توازن في القوات المسلحة الاردنية, دقيق وحكيم وغير متسرع, وكما نقول في وصف المتاني الحكيم في مأثوراتنا الاردنية ان راسه بارد أي ناضج متاني غير متسرع في اتخاذ القرار , وما اقل المسؤولين بل ما اندرهم في الاردن من هذه الشاكلة للأسف الشديد , وانعدامهم هذه الايام .
 
قلت له في لقاء اليوم: يا باشا انت لك كل الاحترام، واشكرك على تقدير من يقدر قواتنا المسلحة، فانا انظر إلى جيشنا الاردني كما ينظر اليه سائر الانقياء الاوفياء من الاردنيين، انه (أي جيشنا) من المحرمات ويسمو على الخطوط الحمراء، انه خط من النار تحرق من يحاول التطاول عليها (ففهم علي)، وانه جيش الاردن وليس جيش الاشخاص او العائلات، وجيش الافعال وليس جيش الاقوال. 
 
ثم قلت ايضا: لا يوجد أردني محترم يكره القوات المسلحة، كما لا يوجد عدو للأردن يحب القوات المسلحة. وان لي خبرة طويلة مع الاستخبارات والمخابرات، عندما كانت الاجهزة تنسق مع بعضها، من اجل الاردن منذ عام 1968 وما بعدها في السنوات العصيبة المرة المريرة، لا اعادها الله تعالى. 
 
لقد عرفت (شخصيا) الاستخبارات، ومن خلال الممارسات الطويلة، والمواقف الحرجة. انها جهاز نقي وطني ومحترم ومرتباته من ابناء العشائر، وهم لا يبالغون ولا يفترون ولا يخدعون، ولا يخادعون، والاولوية عندهم للأردن والقضايا الوطنية، وليست لأية جهة اخرى، ولا للأشخاص، لذا فان ثقتي بهم مبنية على تجارب لسنين طويلة، وانا ضابط بالأمن العام. 
 
وواصلت الكلام للباشا: ' وانا اشعر بالريبة وعدم الثقة فيما عداهم من الاجهزة، ومن الان فصاعدا، فأرجو تلطف عطوفتكم بالإيعاز إلى مكتب استخبارات عمان، لينسق معي ويزودني بالمعلومات والوثائق الهامة والسرية، التي احتاجها واطلبها، لتحجيم وتعرية اعداء الاردن، وان لبسوا ثوب النيابة او العينية او الوزارة، لأننا جنود الاردن، ولسنا جنود الاشخاص. فبندقيتنا وان تباينت هي واحدة، وخنادقنا مهما اختلفت فإننا في جبهة واحدة، وأنتم تعرفون ما لا تستطيعون الحديث عنه، وانا أستطيع القول ما تودون اعلانه للناس، من اجل مصلحتنا الوطنية، ونحن وجهان لعملة واحدة هي الاردن، فوافقتني الراي ووعد بالإيعاز لمكتب عمان للتنسيق معي، وان تكون الخطوط بيني وبينهم مفتوحة وساخنة، ولكل طرف ان يتصل بالأخر عند الضرورة، واتفقنا على ذلك، 
 
كان الرجل وطنيا , وادرك فورا إن اتصالات الحديقة الخلفية والقنوات الامنية (وليست العمالة والتبعية) مع رجال السياسة الوطنيين , امر تحتاجه مصلحة الوطن (وهو المنهج الذي أتبناه شخصيا ايضا )، فهو يدع السياسة لأهلها , وهو يعمل من خلال القنوات الخلفية الخفية التي تفترض اسوا الاحوال والمئال، وأدركت فورا انه يؤمن كما اومن بضرورة وجود قنوات الحديقة الخلفية, والتواصل مع سائر الاطراف الوطنية النقية الموثوقة , بما فيهم المعارضة مثلي، وهو يثق بي ثقة عالية , لأنه من الحنكة والحكمة قادر على تقييم الرجال من خلال الحديث معهم , والا كيف يكون أفضل رئيس اركان في تاريخ الاردن بعد كلوب باشا؟ (في رأيي كمؤرخ مثلما كان غازي عربيات أفضل مدير امن عام أردني بلا منازع منذ تسعين عاما الى يومنا هذا) انهما كذلك بلا منازع.
 
 
قال الباشا: سيقومون بالتنسيق معك اعتبارا من اليوم.
 
هذا واجب وطني، وان جيشنا هو جيش الاردن وليس غير الوطن، وأوافقك الراي انه جيش الاردن وليس جيش الاشخاص، وانت ابن الاردن، فابتسمت ابتسامة تنم عن إدراكي معنى الجملة التي قالها، والتي تتفق مع فكري السياسي الاردني، وقلت له: نكتم الامر حول الاتصال مع الاستخبارات. فقال بالطبع استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان. وكذلك كان.
 
تحدث إلى بكلام أثلج صدري عندما كرر قوله: إن القوات المسلحة الاردنية هي للأردن واهله ونحن جيش الوطن ولسنا جيش الاشخاص ولا جيش الاحزاب، وقال انه يعتبر مقولتي في الاجتماع السابق الذي تم في المدينة الطبية، إن لا احزاب في الجيش ولا جيش للأحزاب انه جزء من عقيدة قواتنا المسلحة الاردنية. 
 
كان الفريق فتحي رجلا رصينا وجادا وحازما، لكنه ليس ظالما، وقال لي انه يحفظ توازن القوات المسلحة و، لا يسمح بالتحزب العشائري او الجغرافي او العقائدي في أي واجهة من قطاعات الجيش، وانما يتم توزيعهم حسب الاصول العسكرية، بحيث لا يشعر أحد منهم انه فوق الجميع، ولا انه مضاع الحقوق بسبب الهيمنة الجغرافية او العشائرية، وبحيث لا تهيمن معادلة عشائرية او جغرافية على قطاع من الجيش.
 
فتحي ابو طالب رجل قليل الكلام ولكن كلامه كالسيف البتار، وباستثناء الملك فانه لا يسمح لاحد من القيادات السياسية، ورجالات القصر والاسرة، من زيارة الجيش، الا بموافقته وتنسيق مسبق معه، حتى إن رئيس الوزراء، وهو وزير للدفاع لم يكن يجرء على زيارة القيادة او القطاعات العسكرية زمن فتحي الا برفقة الملك.
 
 
اقول هنا للتاريخ إن الفريق الركن فتحي ابو طالب انسان صاحب اخلاق وانتماء ومنصف ونظيف ونزيه , ولا يظلم احدا فيما يعلم، وكان إذا اراد الموافقة على طلب، كتب بخطه وتوقيعه عبارة خاصة به تنم عن رفيع ذوقه واحترامه للمؤسسة العسكرية، وهي: ارغب المساعدة، أي إن يتم التحقق من امكانية الحقوق والمساعدة , دون إن يؤثر ذلك على توازن وتركيبة القوات المسلحة وحقوق الاخرين، وله مواقف دافع فيها عن الجيش والاردن , ومنع تطبيق كثير من القرارات السياسية والعليا الداخلية منها والخارجية , التي كانت ضد الاردن وضد دور القوات المسلحة .
 
 
وحافظ على جيشنا ان يبقى جيشا للاردن، ولا يخضع للقرارات والالاعيب السياسية، والتجارة والمغامرة، وال.... ولا يجرء أحد ان يتخذ قرارا يخص الجيش بدون علم وتنسيق وموافقة فتحي، حتى ولو كان هذا الشخص يعلو فتحي باشا رتبة او مرتبة، انه اب حقيقي لقواتنا المسلحة لا يمكن ان ياتي مثله للجيش في المدى القريب ولا البعيد، ولم ياتي مثله أحد بعد كلوب باشا ا لذي كان حريصا على الجيش الاردني حرصه على روحه ايضا.
الفريق فتحي ابو طالب، حارس امين للجيش، ولا يتوانى عن انصاف من تلحق به مظلمة من مرتباته إن وصلت اليه، فهو يرى إن الجيش لا يحتمل العبث والتجاوز والمزاجيات والترهل والتحزب الجغرافي والعشائري والاهمال. وقد حافظ الفريق فتحي ابو طالب اعطاه الله العمر والصحة على القوات المسلحة، كما يحافظ احرص العقلاء على اولاده واسرته. والرجل معروف بنزاهته، ولم نعرف عنه خنوعا او تبعية او ذيلية او فسادا او افسادا او تحيزا الا للأردن والجيش.
 
 
اكرر القول ولا امل من تكراره لكي يعرف القارئ هذه الحقيقة التاريخية: فتحي ابو طالب هو أفضل رئيس اركان في تاريخ القوات المسلحة الاردنية، بعد كلوب باشا بدون منازع، اقولها للتاريخ رغم إن الكثير سيغضبون، ولكن راي المؤرخ المنصف يصطدم عادة بآراء الجهلاء والمنافقين والمنتفعين والجبناء، وذوي الاجندات والعلاقات والاعاقات، والفاسدين الذين ينتظرون شرعنه فسادهم وخستهم وجبنهم، من خلال شهود الزور وشهادة الزور، والاحتماء بالأكابر المجرمين، ولست من ايهم. 
كان فتحي ابو طالب متواضعا بكبرياء وليس بالتكبر، وجلس إلى جانبي في المكتب وليس وراء مكتبه الرسمي، لانه كبير والكبير يزداد كبرا بتواضعه، اما الوضيع فيزداد ضعة وخسة بتكبره، وتحدثنا من الساعة العاشرة وخمس دقائق صباحا حتى الحادية عشرة إلا عشر دقائق أي 45 دقيقة، سمعني وسمعته جيدا، وعرضت عليه العديد من القضايا السياسية الدقيقة، لكنها وطنية اردنية، وبخاصة عندما قال انه يحترم راي السياسي ومن حقي إن اقوله.
وحيث اعرف انه سيخبر الملك بمجمل حديثي ولقائنا، وان ما اقوله سيصل إلى هناك بطريقة رسمية، فقد حذرت من عدم علاج بعض الأمور والتجاوزات السياسية وأنها إن بقيت على حالها من انحراف البوصلة حتى شهر تشرين الأول فسوف أثيرها في المجلس بعون الله.
 
 
ومنها عدم موافقتي على تعيين نائب مدير مؤسسة المواصلات مديرا لها. وكان أحد ضباط الجيش، وعدم رضاي عن استمرار وجود مستشار الملك المدعو: عدنان أبو عوده بالديوان، ومنها عدم رضاي عن مديرا للأمن العام وخشيتي من تسليمه رئاسة الأركان، وتخوفي من تسليم أحد المقاطيع مديرا للمخابرات.
 
وهنا أكد لي الفريق الأول فتحي أبو طالب بأنه ليس واردا تعيين مدير الامن العام رئيسا للأركان، وما إلى ذلك، واما المستشار السياسي للملك فهو امر يخص الملك لكنني سأنقل اليه طلبك، واما تعيين مدير المخابرات فهو من حق الملك، ومع هذا سأنقل اليه تحفظك على فلان، لان المجالس امانات والمستشار مؤتمن، ولأنك لا تقول ذلك الا من رؤيا وطنية عندك، وليس لأسباب وغايات شخصية.
 
قال لي لعطوفته: وان ما حذرته منه سيكون موضع دراسة ومتابعة وطنية بكل احترام، وانهم لا يهملون اية ملاحظة تصدر عني في البرلمان، ولا في هذا الاجتماع. لأنك (يقصدني رجل وطني ولا تقول الا لمصلحة الاردن ولا تتقهقر عن قول كلمة الحق).
وعندما الح انه يريد خدمة خاصة لي كشيء من العرفان بالجميل والشكر على مواقفي، لم اطلب شيئا لنفسي، بل طلبت إليه وقف سياسة التقاعد غير المنصفة بحق الضباط العبابيد في الجيش، واتاحة الفرصة لأصحاب الكفاءات منهم (وما اكثرهم) إن يصلوا إلى الرتب التي يستحقونها، حيث لا يوجد في الجيش، ولم يوجد من قبل ضابط عبادي برتبة لواء، بل ولا يصل إلى هذه الرتبة، بل يحال العبادي في الرتبة التي تدنو الرتبة التي يستحقها، ولا يسمح بوصوله الى حقه. 
 
وهنا فكر الرجل وراجع ذاكرته، التي تحفظ ضباط الجيش بدقة، فقال نعم صحيح، ولكن سوف أنصفهم، ثم وعد انه من الان وصاعدا، لن يحيل أيا من الضباط العبابيد الا إلى الرتبة التي تعلو ما يستحق من رتبة، وليس مجرد رتبته التي يستحقها بل أكثر. وقال: لك على ذلك ما دمت في القوات المسلحة. كما وعد بوقف اجراءات احالة عقيد كان على قائمة التقاعد، من العبابيد وابقائه إلى إن يحصل على رتبة عميد. 
 
ووافق لي على صرف جرافة من القوات المسلحة للمساهمة مع جرافة الاشغال في فتح الطرق في اراضي العبابيد.
 
إن فتحي ابو طالب ابن السلط ذكرني بنزاهته واخلاصه ومصداقيته ونقاء ضميره بهامات وقامات عالية من رجالات السلط المحروسة ايضا ممن سبقوه ومنهم القضاة: على مسمار وموسى الساكت واحمد الظاهر، وهم رموز للنزاهة والنباهة والعدالة في تاريخ القضاء الاردني بلا منازع، وغازي عربيات أفضل مدير للأمن العام بالاردن بلا منازع، والشيخ ماجد العدوان الزعيم الوطني (في حينه) بلا منازع , في وقت عز فيه من يستوعب ومن يضحي (ماعدا الزعيم الوطني ايضا الشيخ كليب باشا الشريدة وقدر المجالي ومحمود طه الضمور الغساسنة ووصفي التل وعرار وحابس المجالي ). 
 
إن السلط المحروسة لها حصة كبيرة وكريمة في جدول القامات الاردنية. وهي احدى امهات الاردن وليس لها صنو (ضئر) في ذلك الا الكرك وعجلون (اربد) وبالتالي فان امهات الاردن الثلاثة هي: هي الكرك والسلط وعجلون، اما الكرك فهي ام الاردنيين جميعا: الكرك وما إدراك ما الكرك.
 
ملحوظة لاحقة
 
كان الفريق فتحي صادق الوعد، وبالفعل قام بأنصاف ضباط العبابيد، ووصل خمسة منهم إلى رتبة لواء في الجيش كان منهم ثلاثة في ان واحد، وصار أحدهم رئيسا للوزراء فيما بعد، وهو امر لم يسبق له مثيل بتاريخ الاردن، وتوالت الترفيعات، وصار من المألوف ترفيع الضابط العبادي إلى لواء، ليس بالجيش وحده، وانما ايضا في الامن والمخابرات والدفاع المدني. ونحن مدينون بذلك لله سبحانه اولا ثم لفتحي باشا ولذلك اللقاء الذي ذكرته اعلاه وهذه حقيقة للتاريخ والاجيال.
 
لقد تجاوب معي الفريق فتحي ابو طالب، وسن سنة حسنة للمؤهلين من ابناء القبيلة، ليتمكنوا من خدمة الاردن، وبذلك فتحنا المجال للكفاءات من ابناء القبيلة، وهم على درجة عالية من المؤهلات والانتماء والاخلاص. 
 
ثم طلبت منه حل مشكلة أراضي عشيرة الصنابرة العبادي الذين كانت تركيا اخذت اراضيهم في جلعد عام 1905 واعطتهم بدلا منها اراضي في الماضونة شرقي عمان وهي تحت سيطرة الجيش، فوعد بالكتابة إلى البادية والداخلية بما يحتوي على تثبيت حق لهم عند انسحاب الجيش من المواقع المذكورة.
 
المذكرات التي قدمتها لعطوفة الباشا
 
المذكرة الاولى 
 
عطوفة رئيس أركان القوات المسلحة الأردنية الباسلة الأكرم 
 
الموضوع: أراضي الماضونة 
 
بعد التحية،
 
1-فقد سبق للحكومة التركية أن أعطت عشيرة الصنابرة في نهاية القرن التاسع عشر وأكدت ثانية بموجب وثيقة تركية في مطلع القرن العشرين أقول أعطت هذه العشيرة مساحات واسعة من أراضي الماضونة شرقي عمان، بدلا من أراضيهم التي تم الاستيلاء عليها بعد هجرة الشركس إلى شرق الأردن في حينه
 
 
 2 ـ قامت عشيرة الصنابرة/ عباد باستغلال أراضيهم هذه بالماضونة على مدار نهاية القرن التاسع عشر والقرن العشرين، حسبما كانت ظروف المطر تسمح بين جدب وخصب، كون الأرض لا تصلح إلا لزراعة الحبوب ورعاية الماشية في حينه
 
 
. 3 ـ في عام 1936، وعام 1948 قامت عشيرة الصنابرة بالطلب من الحكومة الأردنية لتطويب أراضي الماضونة لهم، إلا انه لم يتم البت بالأمر في حينه، وبقيت منطقة الماضونة كاملة دونما إفراز حتى عام 1960.
 
4 ـ في عام 1960 بدا الإفراز في قرية الماضونة، وتم تقسيم أراضيها إلى أربعة عشر حوضا، جرى تفويض الأحواض 4، 5، 6، 8، 9، 10.
 
وبقيت الأحواض الأخرى التي تشمل أراضي عشيرة الصنابرة ضمن المنطقة العسكرية لقواتنا المسلحة الأردنية الباسلة
 
 
5 ـ في عام 1970 أعلنت دائرة الأراضي التسوية بالأحواض 1، 2، 3، 7، 9، 13، 15، 16. دون أن تحصل عشيرة الصنابرة على حقوقها المشروعة في هذه الأرض
 
 
 6 ـ تسوية عام 1970 المكورة بالبند أعلاه، تم تسجيل عدة قطع مستثنى من التسوية كونها منطقة عسكرية، وهي ذات الأرقام التالية:
 
1 من حوض الغباوي من أراضي الماضونة ومساحتها 29378 دونما، والقطعة رقم 1 من حوض 2 الأدعم ومساحتها 2589 دونما، والقطعة رقم 1 من حوض 15 وادي الحجر ومساحتها 1013 دونما، والقطعة رقم 1 من حوض 16 جناعة ومساحتها 2502 دونما، وبقيت هذه القطع بكامل مساحتها لاستعمالات قواتنا المسلحة الباسلة. كما تم الاعتداء على هذه القطع من أناس ليسوا من هذه العشيرة التي التزمت أصول القانون بعدم الاعتداء
 
7 ـ وقد قامت عشيرة الصنابرة بالإلحاح في المطالبة حقوقها بأراضيها مرة أخرى في 21/9/1973، و 2/12/1973 و1990 و1991 دون أن يحصلوا على نتيجة رغم جميع الأوراق الثبوتية منذ زمن الأتراك،
 
8 ـ وقد طلبت إلى عشيرة الصنابرة/ عباد كوني نائبهم وأمثلهم، أن أتقدم إلى عطوفتكم بهذه المذكرة والالتماس بإيقاف التعدي على هذه الأراضي، ومنع المعتدين من استخدامها والكتابة إلى من يلزم بالقوات المسلحة ووزارة الداخلية، وشرطة البادية بمنع التعدي وحفظ حقوق عشيرة الصنابرة بهذه الأرض عند تخلّي القوات المسلّحة عنها، أو عند سماح القيادة لدائرة الأراضي بفرز هذه الأرض آو أي جزء منها لعشيرة الصنابرة.
 
والله يرعاكم ويسدّد خطاكم. حفظ الله الأردن وقواتنا المسلحة الباسلة 
 
 
مقدمه النائب د. احمد عويدي العبادي.
 
 
المذكرة الثانية 
 
عطوفة رئيس أركان القوات المسلحة الأردنية الأكرم حفظه الله ورعاه.
 
 
بعد التحية، 1 ـ فإنني لأقدر لقواتنا المسلحة الأردنية الباسلة دورها الريادي في بناء الأردن وخدمته والدفاع عن حماه، عبر تاريخه الحديث،
 
 
2 ـ وحيث إن المواطن الأردني المخلص يعتبر ظهيرا لقواتنا المسلّحة ورديفا لها، فإنني أتقدم من عطوفتكم بطلب مساعدة جزء من مواطني أسرتنا الأردنية المخلصة، وبذلك لحاجتهم الماسّة في فتح بعض الطرق التي تعتبر استراتيجية لغايات الدفاع والقوات المسلحة مثلما هي ملحّة وضرورية للمواطنين للوصول إلى أراضيهم ومزارعهم والمساهمة في أعمار الأردن من الثغرة التي يقفون عليها
 
 
 3ـ وعليه فإنني أغدو ممتنا لعطوفتكم أن تلطفتم بالإيعاز لمن يلزم الأمر لتزويدنا بالجرافة لفتح هذه الطرق الهامة في مناطق وادي الشتاء والبحاث والقصبات ومنطقة عراق الأمير والبصّة. وإنني جاهز للتنسيق مع أية جهة في قواتنا المسلحة ترونها مناسبة لتنفيذ ذلك، إن تلطفتم بالموافقة. 
 
والله يرعاكم ويرعى قواتنا المسلحة. 

أكثر الأخبار قراءة