في العناية الحثيثة‎

في العناية الحثيثة‎
الكاتب : صابر العبادي

 أشهر منصبه على العامة، وشاركه كلُّ أصدقائه، تغنوا به وكالوا له كل عبارات المدح والثناء والاطراء، شعر بالزهو وتصور أنه يستطيع فعل كل ما قالوا عنه!

لم يختبر قبل ذلك ما معنى المنصب بمؤسسة في العالم الثالث،.. كان يظن أن المسؤول يستطيع أن يفعل أي شيء، وكل شيء، ثم أن المسؤول لا يعمل شيئا، ما هو الا شيخ في شِقّهِ، يستقبل الأضياف، يعلّلهم، ويأمر من حوله وينهاهم، ويعود آخر النهار الى حارته أو قريته، يتبختر أمام الناس يَعرِض نفسه للناس!.
 
كانت أصائل الصيف تستهويه، فطالما تمنى أن يدخل الى بيوت العرس، مع زغاريد النساء، واحتفال الرجال... انها صورة لم تفارق مخيلته منذ ميعة الشباب، لطالما رآها نشوة ما بعدها نشوة، لا تقل نشوة عن عبارات الاطراء والبطولة التي حصل عليها في مواقع التواصل، ولكن هل يستطيع أن يستعيد مشهد الأصائل واحمرار الشمس، وانكسار الظلال، واختلاط النسائم مع الزغاريد في ذاك السهل الأحمر، ودوامة الناس تزفه الى صدارة البيت.
 
كانت هذه الهواجس تضحكه حينا وتحزنه حينا، وهو جالس في مكتبه وحيدا، يقلب أموره، فكان أول الداخلين عليه مدير مكتبه، الذي كان يرى فيه، الأنانية مجسمة، والبراغماتية بكل تجلياتها, استأذن وجلس، وبادره قائلا: أعرف هذه الجلسة.. خبرتها عند كثير من الزملاء قبلك، وسأوجه لك بعض النصائح كما وجهتها لأسلافك، إن شئت أخذت بها أو لا، اعتبر نفسك منذ اليوم في العناية المركزة. انتفض متعجبا، ولماذا؟!
 
حتى تستطيع أن تستمر في المنصب، لابد لك من ذلك، التعقيم مهم، فنسمة الريح تؤثر عليك لأن مناعتك ضعيفة، ولا يُسمح بالدخول اليك الا لأقرب الأقربين، ويكون معقماً!!  المنصب يا صديقي يحتاج هذه العناية، لا تستجيب الا لمن ينفعك في بقائك في منصبك، كالنائب أو الوزير أو مدير دائرة مثلك، فأنت تخدمه ليخدمك هو أيضا، حتى تستمر الدائرة المغلقة!! اياك أن تفتح مكتبك للناس، داخلين خارجين، هؤلاء هم الداء، وهم من يفقدون مناعة منصبك فيموت.
 
بالمناسبة كل ما قرأته على الفيس انساه، والبطولات، ايضا انساها، وزمن السهل واحمرار الشمس والزغاريد لن تعود، هذه كانت عندما كان الناس لا يعتمدون على الحكومة ولا ينتظرون منها شيئا.. أما الآن فعبارة ساقط ستحصل عليها مهما فعلت، لذلك تمسك بمنصبك واتركه في العناية المركزة، حتى يعيش.!!.