وقف التعليم .. والأوقاف المنسية

 وقف التعليم .. والأوقاف المنسية
الكاتب : هشام عبد الفتاح الخريسات
حفل التاريخ الاسلامي على امتداده باحياء سنة الوقف التي كان لها دور كبير في تنمية المجتمعات وتوجيه الموارد الاقتصادية لخدمة القطاعات المختلفة بدلاً من تكدس الثروة بيد الافراد بعيداً عن نفع عامة الناس وطبقاتهم الاقل ثراء.
 
فكان هناك (وقف التعليم) الذي اسس لجامعات ومعاهد علمية مرموقة في بغداد ودمشق والكوفة والقيروان والقاهرة ومعظم حواضر العالم الاسلامي، تدرس كل العلوم الشرعية والادبية والطبية والاجتماعية والهندسية.
 
وكانت توقف اوقاف تجارية للانفاق على هذه المعاهد والجامعات واساتذتها وطلابها الذين يقصدونها من اماكن بعيدة فتؤمن لهم هذه الاوقاف المسكن والنفقة والرواتب.
 
وكان هناك (وقف الصحة) الذي انشأ العديد من المستشفيات (المارستانات) وانفق على الاطباء وتلاميذهم وعلى المرضى وعلاجاتهم.
 
وكان هناك اوقاف للانفاق على الفقراء والايتام وابناء السبيل بايوائهم ورعايتهم، واوقاف للانفاق على المجاهدين وعائلاتهم وتجهيزهم ودعمهم، واوقاف للحجاج والمعتمرين والمسافرين، حتى انه كان هنالك اوقاف لرعاية الحيوانات والدواب التي تتقاعد عن الخدمة فتخصص لها مساحات رعوية من الارض اقرب ما تكون للمحميات الطبيعية في هذه الايام.
 
وللاسف في زماننا هذا تقزم مفهوم الوقف الاسلامي لينحصر في بناء المساجد، وغالباً ما تنفق مبالغ طائلة في انشاء مساجد فخمة ويبالغ في زخرفتها ومساحاتها وارتفاع اسقفها واعلاء مآذنها وضخامة قبابها وساحاتها، في حين تفتقر غالباً الى الرواد والمصلين حيث تقام عادةً في المناطق الراقية قليلة الكثافة السكانية، ولربما وجدنا مسجدين قريبين جداً في المسافة بينهما في منطقة واحدة وتكلفة ارض وبناء كل واحد منهما تقدر بالملايين لا بمئات الالاف!
 
فلو تم توعية جمهور المتبرعين ومحبي الخير باهمية (الوقف الاسلامي) واجره العظيم عندما يتم توجيهه لما يحقق مصالح الناس التعليمية والتنموية والاجتماعية والاقتصادية والصحية لكان ذلك اجدى وانفع واحب الى الله تعالى واعظم اجراً من بناء المساجد لمجرد التباهي بالزخرفة والعمران وتكديسها في مناطق محددة لا تحتاج اليها بهذا الكم والحجم والضخامة
 
وهنا دور وزارة الاوقاف والمنابر ووسائل الاعلام والمدارس والمفكرين والمصلحين الاجتماعيين لتوجيه الناس وتوعيتهم لاقامة اوقاف التعليم والصحة من مدارس ومعاهد و مراكز صحية ومستشفيات ونوادي ومراكز شبابية وتنموية واجتماعية ونسوية وانتاجية واقتصادية فهذه كلها يشملها مفهوم الوقف الاسلامي.
 
وقد خطت وزارة الاوقاف والشؤون والمقدسات الاسلامية خطوة رائدة قبل ايام بفتح هذا الباب الكبير من خلال تدشين اول وقف تعليمي تبرع به احد المحسنين على ارض مساحتها عشرة دونمات في منطقة ناعور ليكون قدوة لغيره من المحسنين والخيرين، ولتعيد للوقف الاسلامي مفهومه الصحيح ومكانته الفاعلة.
 
هذه ايضاً خطوة في الاتجاه الصحيح تخطوها وزارة الاوقاف في عهد وزيرها الحالي الدكتور وائل عربيات والذي يقودها بروح وهمة الشباب المتوقدة والتي افتقدتها الوزارة ردحاً طويلاً من الزمن.