مأساة الأميرة بثينة العبادي الاندلسية

مأساة الأميرة بثينة العبادي الاندلسية
الكاتب : د. أحمد عويدي العبادي
بثينة بنت الملك المعتمد بن عباد وأمها اعتدال الرميكية (الجارية ثم الملكة ثم السجينة) التي تحدثنا عنها في مقالات سابقة، وبالتالي فهي ابنة شاعرين وملكين هما ابوها وامها، وحفيدة ملك هو جدها المعتضد 
 
تربت في قصر اشبيلية مع أسرتها وشاهدت وشهدت النعيم والرفاهية ورغد العيش، كما عاينت وعانت من الأحداث التي مرت بالمملكة العبادية وحصار اشبيلية واسر والديها من قبل قوات المرابطين الامازيغ كما سبق وقلنا.
 
    شاعرة من شاعرات الأندلس البارزات كانت ذات جمال بارع وحسن باهر حاضرة الجواب سريعة الخاطر حلوة النادرة كأمها وأبيها. وبعد أسر والدها بقيت بثينة العبادي ابنة المعتمد في إشبيلية وكانت مثالاً الجمال كأمها اعتماد وكانت أديبة.
 
وحين وقع أبوها في أسر المرابطين “ووقع النهب في قصره، كانت بثينة من جملة من سُبي، من نساء القصر وصباياه، ولم يزل المعتمد والرّميكية عليها في ولهٍ وقلق دائمٍين لا يعلمانِ ما آلَ إليه أمرها، إلى أن كتبت إليهما بالشعر المشهور المتداول بين الناس بالمغرب (نذكره ادناه) تخبرهم ما حل بها.  
  ويذكر -المقري التلمساني في كتابه: نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب 
 
  ان أحد تجار إشبيلية اشتراها كجارية وسبية، وهو لا يعلم من أمرها شيئاً ظانّاً أنّها واحدة من الجواري وأهداها لابنه، فنظرَ من شأنها وهُيئت له، فلما أراد الابن الدخول بِها امتنعت امتناع الحرائر وأظهرت له اسمها ونسبها، وأنها اميرة عربية عبادية ابنة ملك وملكة، وأنها سليلة ملوك، وأنها مسلمة، وقالت: لا أحل لك شرعا إلا بعقد النكاح إن رضي أبي بذلك وهو الملك المبجل: المعتمد بن عباد. ولا يجوز ان أكون جارية وقد كانت الجواري في خدمتي.  
 
   فوافقها الراي والتزم به تماما وكتبت بخطها من نظمها ما صورته قصيدة شعرية الى ابيها، التي وصلت اليه وهو في سجن اغمات بالمغرب العربي، شرحت فيها ظروفها وما ال اليه مصيرها والتعامل مع الواقع والمستجدات بما يحفظ لها مكانتها وشرفها واصلها وابائها العربي الأصيل.
. وكان أبواها حتى ذلك الوقت يجهلان مصيرها، ففرحا بأنها لا زالت على قيد الحياة لم يمسها أي سوء بشرفها والحمد لله، ووافقا على زواجها من ذلك الشاب العربي، وأوصاها والدها المعتمد بالصبر وإرضاء زوجها قائلاً: 
 
بنيَّتي كوني له بَرَّة فقد قضى الدهر بإسعافه     عليك بأهل البيوتات
 
إنّها الأميرة بثينة بنت المعتمد، من شاعرات إشبيلية في القرن الخامس الهجري الحادي عشر الميلادي (أي قبل أكثر من ألف سنة) المتّسمات بالرزانة والخلق الجميل والعفة والطهارة والرقي والاباء والانفة، وهي التي شهدت مباهج ملك أبيها المعتمد بن عباد كبير ملوك الطوائف وملك الشعراء وبطل الأبطال في معركة الزلاقة، والأسير بأغمات على ايدي المرابطين كما يؤسر علوج الروم للأسف الشديد.
 
    هذا الاسر الجائر الذي يخالف ما تعارف عليه الناس ضمن الحديث الشريف (ارحموا عزيز قوم ذل)، و (انزلوا الناس منازلهم) وهو الاسر الذي اغضب المؤرخين ضد يوسف بن تاشفين الامازيغي ملك المرابطين. فمهما فعل ابن عباد فان بلاءه يوم الزلاقة كافيا حيث قاد معركة ضد ملك قشتالة الصليبي وقتل 70 ألف من علوج قشتالة 
    إنّ المعتمد يشكل صفحات من المجد والترف والشرف والبطولة والإباء والشعر والاصل التليد المجيد. والحكمة ورجل الدولة (لولا الرميكية). ولقد ورثت بثينة روحه الشاعرة فهو شاعر الملوك وملك الشعراء، فكانت بثينة شاعرة من شاعرات الأندلس المجيدات، كانت ذات جمال بارع وحسن باهر، وكانت كأمّها «في الجمال، والنادرة ونظم الشعر. 
 
لبثينة شعر كثير كان مشهوراً بالمغرب العربي ولم يبق منه إلاّ هذه القصيدة الرقيقة التي بين أيدينا، وتحفظها كتب الأدب الشعرية، وهي القصيدة التاريخية التي بعثت بِها إلى أبيها وهو في سجن «أغمات»، تستأذنه أن يبارك زواجها من فتى وقعت في أسره كما ذكرنا أعلاه، وحافظ على حريتها وعرضها وكرامتها ونبلها ومركزها العالي وشرفها العربي، ولم يمسسها بانتظار موافقة ابيها على زواجه منها.
 
  لقد كانت رسالتها الى ابيها خطاباً فريداً في بابه بين الخطابات التي كتبت في التاريخ، اذ تضمن   قصتها كاملة، فقالت في أول القصيدة: وهي التالية المشهورة في التاريخ وكتب الادب:
 
اسمعْ كلامي واستمعْ لمقالَتي        فهي السُّلوكُ بَدَتْ من الأجْيادِ
لا تُنْكِروا أنّي سُبِيتُ وأنَّنِي           بِنْتٌ لِمَلْكٍ من بَني عبّاد 
ملكٍ عظيمٍ قد تَوَلّى عَصْره          وكذا الزمانُ يؤولُ للإفْساد
لَمّا أرادَ اللهُ فُرْقَةَ شَمْلِنا             وأذاقَنا طَعْمَ الأسى مِنْ زادِ
قام النِّفاقُ على أبي في مُلْكِهِ        فدنا الفِراق ولَمْ يَكُنْ بِمُرادِ 
فخرجت هاربة فحازني امرؤ         لم يأت في إعجاله بسداد
إذ باعني بيع العبيد فضمني        من صانني إلا من الأنكاد
وأرادني لنكاح نجل طاهر         حسن الخلائق من بني الأنجاد
ومضى إليك يسوم رأيك في الرضا     ولأنت تنظر في طريق رشادي
فعساك يا أبتي تعرّفني به            إن كان ممن يرتجى لوداد
وعسى رميكية الملوك بفضلها        تدعو لنا بالخير والإسعاد
 
فلمّا وصل شعرها لأبيها وهو بأغمات، سُرَّ هو وأمّها بحياتِها، ووافق على زواجها، وكتب لها موافقة واستهل رسالته اليها بما يستهل به الأب العاقل نصائحه لابنته الأميرة الأثيرة المقبلة على الزواج، وعرف عريس ابنته انه من بني الانجاد وهم عائلة عربية عريقة من أهل إشبيلية فوافق على الزواج للحال وأوصاها ببعلها خيراً قائلا:
بنيتي كوني به برة       فقد قضى الدهر بإسعافه     عليك بأهل البيوتات
 
إنّ الأميرة الصغيرة الغريرة كانت من الفطنة بحيث أقنعت الفتى وأباه بالانتظار، وكانت من الاعتراف بالجميل بحيث حسّنت لأبيها الموافقة على الزواج، وكانت من الكبرياء بحيث لم تنسَ أنّها أميرة وابنة ملك، وكانت من الشاعرية والصفاء بحيث دبجت ببراعتها قصة واقعية من أكثر القصص في التاريخ أسى  والما وحزنا ابديا يبقى على مر التاريخ والاجيال الى يوم القيامة , وأخذاً بمجامع الأحاسيس والخواطر، فكانت من الواقعية بحيث ارتضت حكم القدر في مصيرها، فكانت هذه القصة الشاعرة في إطارها المؤثر العميق وأسلوبها المهذب الرقيق.
 
هؤلاء الأديبات، من أهل الخاصة والعامة، برهان على ما أدركته المرأة العربية في تلك الربوع الأندلسية والمملكة العبادية من الاستقلال والاعتماد على النفس، ومزاحمة الأدباء في مختلف المجالات.
 
وفي كتابه الادب النسوي في المغرب (الاندلس) يقول مؤلفه الرئيسي: الريسوني، محمد المنتصر:
 
((بثينة بنت المعتمد بن عباد: شاعرة درجت في بيئة تبرعمت في رحابهما الكلمة المجنحة والحرف المنغم، إنها بنت ملك شاعر مطبوع، وبنت شاعرة ظريفة، فلا محالة إذا أشرفت حب الشعر من كانت برعما يتفتح للحياة، وغذى ملكتها الأدبية المحيط الشاعري الرغيد، لذلك كست تعبيرها رقة وجودة، وتكومت في ثناياه عاطفة ندية.))  
لبثت هذه الشاعرة الرقيقة تستقي من الحياة حلاوتها إلى أن دق ناقوس الخطر معلنا بالنهاية المحتومة لمملكة بني عباد الاندلسية، إذ حلت بأبيها النكبة المعروفة، فأصبحت من جملة العبيد تباع في الأسواق، واشتراها رجل من إشبيلية ثم وهبها لابنه، ولكنه لما أراد البناء بها امتنعت وأعلنت عن نفسها وهويتها.
   وقالت له: لا يكون ذلك إلا بموافقة أبي وبعد هذا كتبت له أبياتا تحكي فيها قصتها في أسى، ذكرناها أعلاه وهو بأغمات واقع في شراك الكروب والأزمات.
 
    سُرَّ ابوها المعتمد وأُمها بحياتها ورأيا أن ذلك للنفس من أحسن أمنياتها إذ علما مآل أمرها، وراوا ان ذلك جبر لكسرها وخاطرها، وانه إذ ذاك أخف الضررين وإن كان الكرب قد ستر القلب منه حجاب رين (كل بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون). 
   وأشهد المعتمد على نفسه بعقد نكاحها من الشاب المذكور وكتب إليها كتابا يدل على حسن صبره المشكور، وحسن حكمته وبعد نظره ورجاحة عقله رغم انه في الاسر والهوان.
 
   ووافق المعتمد على الزواج لأن بني الانجاد التي منها الشاب عشيرة عربية عريقة وهم اكفاء للزواج من بنات بني عباد في الظروف الطبيعية، فكيف بهم في الظروف المهلكة المحزنة التي يفر فيها المرؤ من امه وابيه واخته وأخيه وفصيلته التي تؤويه؟، 
  ولولاه ان الشاب عريق لما أصغي لرغبتها ولا اطاع امرها، ولا صبر وانتظر جواب ابيها قبل ان يبنى بها أمام جمالها الساحر ودلالها الظاهر ورقتها الحريرية وعذوبة الفاظها التي تفيض سحرا وجمالا.
 
      ولولاها حرة عصية ابية لما امتنعت واصرت على ان تبقى الاميرة العبادية بنت الملوك والشاعرة الكريمة الأصل والمنبت والتربية ورجاحة العقل وحسن التدبير، وأنها لا تقبل الا ان تعامل بما يليق بها حرة ابية عصية كريمة بنت كرام، وسخر الله لها رجلا من الطيبين حقا 
  قال تعالى: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) النور/26
 
  ثم تختفي اخبار هذه الاميرة الكريمة بين صراعات العرب الداخلية وسيطرة الامازيغ القاسية وتهديد العلوج القشتاليين التي لا ترحم وتؤذي المسلمين في اعراضهم. رحم الله الاميرة العبادية الشاعرة الاندلسية بثينة العبادي بنت المعتمد بن عباد، ورحم اباها وامها وأهله وغفر الله لهم.
  ولا زالت قصتهم ترويها الأجيال وصفحات التاريخ بكل اللغات دونما كلل او ملل، ومنهم احفاد المعتمد المنتشرون في المغرب العربي واسبانيا، حيث قام صحفيون اسبان بإجراء مقابلات مع احفاد المعتمد من ذكور واناث في المغرب (قرأتها شخصيا)، ولكن الصحفيين لم يصلوا الى الأردن حيث ان احفاده في قبيلة بني عباد الأردنية كثيرون جدا واسموا جمعيتهم باسمه (جمعية المعتمد بن عباد القائمة في منطقة وادي السير في عمان الغربية).
 
ولتذكير الأجيال من احفاد المعتمد بن عباد في الأردن وخارجه وفي لبنان وفلسطين وسوريا، فقد روت كتب التاريخ انه كان للمعتمد   173 ولدا وبنتا، وبعضهم ذكر انه كان له   37 ولدا ذكرا، حيث انتشروا بعد نكبتهم في الأردن واسبانيا وشمال افريقيا والأميركتين واسبانيا 
نعيد للتذكرة فقط انه رحمه الله (فذكر ان نفعت الذكرى) 
 
  توفى المعتمد في سجنه في أغمات بعد أربع سنوات من الاسر والقهر والاذلال، توفى غريبا لا أحد يعرفه لان المرابطين كانوا يمنعون الناس من زيارته او الحديث معه او عنه في أواخر أيامه بسبب ثورة ابنه في الاندلس ضد المرابطين، وتعاملوا معه على الطريقة البوليسية الأمنية التي تقوم بها الأنظمة الطاغوتية عبر العصور في قهر الشعوب والافراد واذلالهم ومنع الناس من الاتصال بهم.
 
   وعندما توفي جيء بجثمانه الى المسجد على انه غريب رحمه الله امعانا في تجاهله ولكيلا يتجمع الناس للصلاة عليه، ونودي للصلاة عليه، بالقول   صلوا على الغريب، صلّوا على الغريب، أي انه شخص مجهول غريب ليس له أحد ولا يعرفه أحد، وذلك حقدا عليه لأهانته وهو ميت أيضا وامعانا في انكاره، ولكن الكرامة من الله وليس من السلطة التي بخسته حقه مخالفة لقوله سبحانه (ولا تبخسوا الناس اشياءهم).
 
      فما صلّى عليه الا ثلاثة اشخاص فقط، فعرفه أحدهم وانتشر خبره سرا بين الناس، ثم علنا في التاريخ، ويبدو ان الذي عرفه كان من جملة الذين دفنوه وكتم معرفته به خوفا من البطش والتنكيل الامازيغي، ثم أخبر الناس سرا فانتشر الحبر ومكان القبر، وتحول الى محج الى يومنا هذا  
ولما أحس بوفاته قال هذه القصيدة الرائعة يرثي نفسه ويمدح نفسه واوصى ان تكتب على قبره وهي الان مكتوبة على ضريحه في المغرب
يقول فيها
قبر الغريب سقاك الرائح الغادي     حقا ظفرت بأشلاء ابن عبّادي
بالحلم بالعلم بالنعمى إذا اتصلت       بالخصب ان أجدبوا بالرّي للصادي
بالطاعن الضارب الرامي إذا اقتتلوا     بالموت أحمر بالضرغامة العادي
بالدهر في نقم بالبحر في نعم         بالبدر في ظلم بالصدر في النادي
نعم هو الحق حاباني به قدرٌ            من السماء فوافاني لميعاد
كفاك فارفق بما استودعت من كرم       روّاك كل قطوب البرق رعّاد
ولا تزل صلوات الله دائمة     على دفينك لا تحصى بتعداد
رحمه الله واسكنه فسيح جناته امين