علاقة بلقيس بإمبراطور الصين مو تشو

علاقة بلقيس بإمبراطور الصين مو تشو
الكاتب : د. أحمد عويدي العبادي

 الحلقة السابعة 

بقلم المؤرخ المفكر د احمد عويدي العبادي / أبو البشر 
 
أما في بلاد الصين
 
 في الجانب الشرقي من العالم فقد عرفت هذه الملكة العربية العظيمة عند تلك الشعوب باسم يرد باللغة الصينية القديمة بلفظ (سا ونغ مو) أي (ملكة سبأ الأم) هكذا ترجمها عالم الأثار الألماني فورك وكانت الترجمة التضليلية الشائعة أن (سا ونغ مو) تعني (ملكة الغرب الأم). ولكن كلمة (ملكة سبأ الام هي الادق، والتي تعني وجود أكثر من سبأ وان هذه هي الام والعاصمة وفيها كانت بلقيس وعرشها 
 
وقد دخلت هذه الملكة التاريخ والتراث الصيني بتسجيل إمبراطور الصين حينها زيارته التاريخية إلى البلاد التي سماها إمبراطور الصين: (الصحراء المروية بالماء جيداً) وهي دومة الجندل في القسم الشرقي من الأردن الممتد شمال جزيرة العرب – أي إلى أرض سبأ -وسجل تفاصيل مثيرة عن مشاهداته ومقامه في هذه الأرض وعن لقاءه بالملكة بلقيس، هذا وقد تحولت بلقيس (سا ونغ مو) في وقت لاحق في التراث الشعبي الصيني من ملكة عادية إلى إلهة أسطورية من عالم الجن.
ففي بلاد الصين أطلق على هذه الملكة العظيمة باللغة الصينية القديمة اسم (سا ونغ مو) أي (ملكة سبأ الأم كما شرحنا أعلاه) هكذا ترجمها عالم الآثار الألماني (أ. فورك) فى بحثه المنشور بعنوان (موونغ وملكة سبأ) معتمدا على مصدر صيني قديم هو كتاب chn – shu – chi – nien (الحوليات القصبية) وهو "أحد المصادر الرئيسية عن تاريخ الصين القديم، ويعود تدوينه إلى القرن الثالث قبل الميلاد". حيث دخلت هذه الملكة التاريخ والتراث الصيني بتسجيل زيارة إمبراطور الصين موونغ إلى ارض سبأ ولقاءه بالملكة بلقيس وقد أقيمت وليمة على ضفاف بحيرة يشب للترحيب بالزائر العظيم وقد تحولت بلقيس فيما بعد فى التراث الصيني الشعبي إلى ملكة أسطورية من عالم الجن.
 
  وحول العلاقات الصينية السبأية نشر العالم الالماني (أ. فورك) في سنة 1914م بحثا هاما بعنوان (مو -ونغ وملكة سبأ) (Mu wang die konigin von saba. A.forcke. berlin 1914). وقام (زياد منى) بترجمة البحث عن النص الالماني الوارد في مجلة (قسم اللغات الشرقية بجامعة فريدريش فلهام ببرلين) الى اللغة العربية، وهو (تقرير قيام ملك الصين (موونغ) بزيارة ملكة سبأ بالقرن العاشر قبل الميلاد).
 
     ويقول زياد "أقنعنا البحث بالصحة العامة لتاريخية ملكة سبأ، وببعض ما ورد في كتابات الاخباريين العرب عن بلقيس ملكة سبأ وعلاقتها بالصين. [بلقيس امراة الالغاز – زياد منى – ص 279]. ويعتمد بحث العالم الالماني (أ. فورك) المنشور بعنوان (موونغ وملكة سبأ) على مصدر صيني قديم هو كتاب chn – shu – chi – nien (الحوليات القصبية) وهو – كما ذكر فورك – "أحد المصادر الرئيسية عن تاريخ الصين القديم، ويعود تدوينه الى القرن الثالث قبل الميلاد". وقد قام فورك بترجمة المقاطع والرموز والكلمات في المصدر الصيني وشرح المقاطع والمعاني الصينية مما أدى الى ان البحث طويل جدا. ونذكر فيما يلي الفقرات والنصوص الرئيسة في بحث فورك (موونغ وملكة سبأ) حيث قال:
"وفقاً للمصادر الصينية يبدو أن اول تعرف للصينيين على بلاد العرب قد تم من خلال رحلة الملك موتشو mu von Chou – الذي حكم في القرن العاشر ق. م. – إلى الغرب أي في عصر الملكة الأردنية بلقيس ملكة سبأ مار بجثنا. وقد زار الملك البلاد التي تسمى ونغ مو si wang mu. وكان ينطق على صورة ((sae wangmu)) وبهذا يتوفر لدينا التعبير: ملكة سا الأم. أى سبأ بالعربية. ان ونغ يعنى ملكة ساالأ. أى ملكة سبأ. ففي الوقت الذي زار فيه الملك الصيني مو بلاد العرب أي الى سبا، حكمت هناك الملكة العظيمة الشهيرة التي أشار الكتاب المقدس الى بهاء بلاطها، وهي بلقيس ملكة سبأ معاصِرة سليمان".
 
.. ان رحلة الملك الصيني (مو/ ونج) الى ملكة سبا (سا / ونغ) مثبتة تاريخياً بشكل جيد بحيث لا يوجد أى اساس للشك فيها. ونقراء في (الحوليات القصبية) عن الملك الصيني مو التالي:
"في العام السابع عشر [من حكمه] قام الملك برحلة إلى k, un – lun وزار ساونغ مو".
وهناك مؤلف يعود الى المرحلة الزمنية نفسها من تأليف lieh tse (المعلم لي سي) ينقل التالي:
"وتلا ذلك استقباله [أى الملك الصيني] بحفاوة من [الملكة] ساونغ مو (الملكة بلقيس ملكة سبأ). وقد اقيمت وليمة على ضفاف بحيرة يشب".  
.. ومن الطبيعي ان الرحلة البرية من الصين الى جزيرة العرب لم تكن من المسائل السهلة في القرن العاشر قبل الميلاد. ومما لا شك فيه ان الاقوام الاسيوية كانت قد اقامت منذ تلك الازمنة علاقات تجارية فيما بينها، وقد عُرف كلا الطرفين الواقعتين في اقصى مناطقهما. أى الصينين والسبئيين، بكونهم تجاراً مهمين، وقد قام السبئيون بأرسال بضائعهم إلى الفرس والبختيارين، وقام الصينيون بإرسال منتجاتهم الى السكيثيين والبارثيين.
 
وجاء عن بلاد (ملكة سبأ). انها (. بلاد wo) ونعثر على المقصود ببلاد wo في مقطع مشابه باسم po – wu – chih ويوافق pi yuan. وبتحليل الاسم يتبين ان المقصود (الجزيرة الصحراوية التي صارت خصبة بفضل الري) وهي العربية السعيدة بلاد السبئيين. وهذا اثبات ان سبأ المشار اليها كانت في شمال جزيرة العرب وليس باليمن في جنوب الجزيرة. كما ان المناطق التي يقال عنها هنا في النص انها صحراء مروية بالري تنطبق على الجوف ودومة الجندل / أدوماتو أي شمال الربع الخالي وهذا برهان على ان موقع سبأ كان في شمال جزيرة العرب وليس في جنوبها، واما كلمة الري فتبين وفرة المياه من الينابيع السطحية او من قدرة اهل سبأ على استخراج المياه الجوفية حيث تتوفر قريبة من السطح بسبب غزارتها في سطح الأرض واعماقها، وهذه تطابق ما عليه حال الجوف ودومة الجندل وشمال الجزيرة.
  ومن خلال وصفها بانها الجزيرة الصحراوية التي صارت خصبة بفضل الري نجد برهانا كبيرا لا يقبل اللبس ان سبأ بلقيس هي دومة الجندل / أدوماتو / الجوف في شمال جزيرة العرب وليس في جنوبها، ويستبعد ان تكون في اليمن. فهي في الصحراء وتشمل واحة، لان كلمة جزيرة تعني واحة في الصحراء وهذا ينطبق تماما على سبأ الشمال الأردنية.
 
.. ولم تكن ملكة سبأ تحكم على ارض قومها السبئيين، اي العربية السعيدة، فحسب، وانما ايضاً كانت تحكم جبال k، un – lun وهي مرتفعات كولو في الحبشة. لقد تمكن السبئيون واقرباؤهم الحميريون منذ أقدم العصور من مدّ سلطتهم على الساحل الافريقي واستعمروا الحبشة. وحيث ان ملكة سبأ حكمت الحبشة أيضاً فربما زارتها مرة، وبذلك صارت ملكة جنوب الجزيرة العربية ومرتفعات الحبشة بالإضافة الى حكمها لشمال جزيرة العرب وبلاد ما بين الرافدين وبلاد فارس والاناضول.
جاء في نصوص زيارة الملك الصيني مو لملكة سبأ ما يلي: “. أستقبل الملك مو، من قبل ملكة سبأ الام. وقد دخل اليها وهو يحمل الصولجان الاسود والابيض في يديه، وقدم اليها كهدية مائة لفافة من الديباج الحريري ومائة اوقية من الذهب والحجارة الكريمة. وقبلت الملكة الهدايا بعد ان انحنت مرات عديده. ومكث الملك مو في العربية السعيدة – ارض ملكة سبأ – فترة ثم عاد الى الصين". وبذلك كانت أدوماتو تسمى بلاد العرب السعيدة وهو اللقب الذيا أطلق على اليمن أيضا فيما بعد باسم اليمن السعيد. نجد الوصف الصيني يقول (العربية السعيدة) ولم يقل (اليمن السعيدة) وبالتالي فان كلمة العربية تعني الأردن التاريخي الجغرافي. وحتى عندما احتل الرومان الأردن سموها المقاطعة العربية، والبتراء العربية. وهذا يبرهن على ان إطلاق العربية على الأردن جاء من الرومان من بعد وكما جاء من الصينيين من قبل 
موونغ وملكة سباء. أ. فورك. برلين 1914م] وكانت زيارته في العام السابع عشر – ربما ليس من حكمه وانما العام السابع عشر – من حكم ملكة سبأ.
– منقول من كتاب "الجديد في تاريخ دولة وحضارة سباء وحمير – للمؤرخ محمد حسين الفرح": ( انتهى المقال ) وللحديث بقية