قطرة.. - د.صلاح داود

 قطرة.. - د.صلاح داود
فلسفة التغيير
ما أجمل تلك القطرات البسيطة الصغيرة التي تنزلت من السماء بالبركات لتخبرنا عن نفسها عندما نزلت على ورقة الشجر..تلك هي عاداتنا..قطرات من الماء..كل حي منها خُلِق.. وكل حي منها مات في طوفان من العادات التي انغمست فيها فطرتنا وبراءتنا..لنصبح على ما نحن عليه الآن..مخلوق بمكون سري اسمه العادة..
 
ولا بد أن أعترف أنني أرى النفس كالبحر وأرى البحر مجموعة من القطرات وأرى القطرة كالعادة، فإذا وقفت أمام البحر أرى فيه جميع أنواع الأنفس البشرية المجبولة على العادات..ففي كل قطرة عادة تهدم أو تبني تقربنا أو تبعدنا عن النجاة والنجاح.
عاداتنا كالقطرات.. ستخلق إنسانا آخر أزرق كالبحر، ومن البحار ما هو متقلب ففيه رحمة ورزق وقوة وغموض، قطرة قطرة تتساقط تلو الأخرى لتصنع ثقبا آخر في حيواتنا، أو تسقي بذرة فتتشقق الأرض من بينها لتنبت زهرة وتخلق ثمرة.
 
عاداتنا كالقطرات ستخلق بحرا ثائرا وموجا هادرا أو جدول ماء ونهرا جاريا عذبا يروي عطش الأمل وعذوبة الرزق والعمل، منذ بدء البدء والخلق عاداتنا كما هي لم تتغير ففقدنا الإحساس بها لأنها أصبحت كالقطرة لن تشعر بها وحدها ولكننا نراها ولا نستطيع التخلص منها إلا إذا عزلناها، اعتدنا عليها كأنها خطوة أخرى من خطوات الحياة التي لم نعد نستطيع أن نحصيها، تعيش في داخلنا لتحيينا من جديد أو تدمرنا.. هي كالقطرة إن تكررت بنفس المكان فلقته، ولكننا نسيناها تحت دثار اسمه "أنا هيك".
 
قطرات تجمعت فكونت طوفانا أهلك البشرية فلم يذر من خلفه عينا ولا روحا، هذه هي النفس تعيش مغموسة في العادات ومشاكل سابقة ولحظية ومخاوف مستقبلية تستنزفه وتهدره وتتغذى عليه أو ربما يعيش لأجل العادة أو الصدفة في أمل وأحلام وأمنيات يقتات منها ليستمر.. مشكلتنا أننا نظرنا إلى حاجاتنا كمشكلات وحولنا مشكلاتنا إلى عادات.
 
حينما يختزن ذلك الإنسان تلك العادات ويعيد خلقها من جديد على شكل بحر من بركان ويشبثها في روح سلوكه أو يعيد تصويرها كلوحة فنية جميلة أو كتجربة تختلف عن التجربة فإن هذا ما يشيد أويقوض.
 
غريبة تلك العادات والتجارب.. فهي ما يكوّن الروح الجديدة التي نكاد لا نعرف ماهيتها ولا كُنهَ وجودها، ولو سألنا أنفسنا من أين ومتى وكيف ولماذا بدأت تصاحبنا؟ فسوف نتلقى عشرات الأجوبة المغلفة والمحشوة بمفهوم " الأعذار" لكي لا نتخلص منها، وما أحذقنا بإلقاء اللوم على الزمان والظروف والمكان لنجد لأنفسنا مخرجا أو ربما مدخلا ليُقال لنا " صح كلامك الحق مش عليك..الله يكون بعونك".
 
عاداتنا منا..صناعة داخلية ذاتية ليس أكثر.. ستدمرنا أو تحيينا من جديد، تأكيد للوعي الإنساني وإثراء للجمال فيه وزيادة في التحقيق والحقيقة. يمكننا التخلص منها بخلق غيرها فبدل العبوس ابتسامة وبدل البكاء قهقهة وبدل الانسحاب حذر وبدل الانهزام دفاع وبدل الخوف طمأنينة  وبدل القلق انشراح وبدل الوسوسة سكينة وبدل الانزعاج استكانة وبدل الاضطراب هدوء وبدل الهواجس سلام وبدل الضيق انفراج وسعة.
 
النفس والعادات والحقيقة تختلف باختلاف نظرتنا لها فكلما كنت قريبا لخالقك نظرت إلى البحر بقطراته كأنه نفسك..إما بحرا هادئا يخلق ويبث ويبعث الحياة والجمال لمن يعيش فيه، أو بحرا هائجا مائجا غامضا غادرا مخيفا عبوسا.. حياتنا قطرات من ذلك البحر اللامتناهي.. غيثا مغيثا أوماء عذابٍ منهمر التقى على أمر قد قُدِر...