كرامة المعلم .. كرامة للوطن - شروق طومار

كرامة المعلم .. كرامة للوطن - شروق طومار
لن يكون من الممكن  تجاوز الآثار الكارثية لأحداث الخميس الماضي المؤسفة التي حفرت جرحاً عميقاً في الوجدان الأردني جراء هذا التعامل غير الحكيم مع احتجاجات المعلمين، ما لم تتدارك الحكومة الأمر بالتوصل إلى تفاهم مرضي مع نقابة المعلمين يعيد لهم شيئاً من الاعتبار.
 
الأمر يجب أن ينظر إليه ابتداءً من الأهمية البالغة لتحسين أحوال المعلمين مادياً لما لذلك من ارتباط مباشر وكبير مع عطاء المعلم وقدرته على أداء دوره العظيم المنتظر منه.
 
نعم علينا أن نكون منصفين وأن نعترف بأن واحداً من أهم أسباب تراجع بل وتدهور العملية التعليمية ومخرجاتها في الأردن، هو تراجع المعلم في تراتبية السلم الاجتماعي لانه لم يتقدم ماديا عبر سنوات طويله حتى صارت وظيفته واحدة من بين أقل الوظائف أجراً ما أدى إلى تراجع قيمته وهيبته وتقديره اجتماعياً، وأفقده أدنى درجات الرضا وأوقعه تحت ضغط اجتماعي كبير أثّر لا محاله على أدائه.
 
الدول التي تسعى بحق إلى نهضة بلدانها وتنمية مجتمعاتها وتطور شعوبها، تولي المعلمين أهمية بالغة في مختلف النواحي، تبدأ بتمكينهم مادياً عبر تحسين رواتبهم ومنحهم ميزات وإعفاءات وتسهيلات عديدة في مجالات العلاج والإسكان والنقل وتعليم الأبناء، وتمتد إلى التمكين الفني والمهني من حيث التأهيل والتدريب وتطوير المهارات وتوفير الأدوات وغيرها.
 
بينما في بلداننا، وللأسف، يفتقر المعلم إلى أدنى مقومات التمكين، فهو إلى جانب ما يعانيه من تردي حالته المادية والاجتماعية، يعاني أيضاً من نصاب الحصص الزائد عن طاقته، ومن أعداد الطلبة المرتفعة في ظل الاكتظاظ الصفي والمدرسي الذين يضطر للتعامل معهم بمختلف أمزجتهم ومستوياتهم العقلية والعلمية والاجتماعية وسط بيئة مدرسية متهالكة تفتقر إلى المرافق والأدوات اللازمة لعملية تعليمية صحية وسليمة.
 
المطالبة بتحسين أوضاع المعلمين المعيشية اليوم، وهي بالأصل متأخرة كون المعلمون منذ سنوات طويله يقفون في ذيل السلم الاجتماعي، يجب أن لا تكون مطلباً للمعلمين وحدهم، وإنما يجب أن تكون مطلباً شعبياً لكافة أبناء المجتمع الأردني، هذا المجتمع الواعي المدرك تماماً لأهمية المعلم ودوره، والذي يفهم حاجة الوطن في هذا التوقيت بالذات للنهوض بالتعليم وأهم أركانه المعلم، خاصة في ظل هذه الهجرة الواسعة غير المسبوقة من المدارس الخاصة إلى الحكومية.
 
وماحدث يوم الخميس الماضي يفاقم مسؤوليتنا الاجتماعية حيال ذلك، فأمراً خطيراً يجب أن نبقيه في حسباننا، وهو الأثر النفسي والتربوي المترتب على رؤية الطلبة لمشاهد التعامل الحاد مع المعلمين في احتجاجهم.
 
ففي مفهوم الطفل هذا التعامل يُستخدم في مواجهة الشخص المخرب أو "الأزعر"، وهذه المشاهد ستشوه لديه المفاهيم والنظرة لمعلمه، وستؤثر بشكل سلبي جداً على شكل العلاقة بينهما، وعلى قدرة الطالب على التلقي من معلمه وعلى قدرة المعلم أيضا على التعاطي مع طالبه.
 
ما حدث وبعيداً عن تبعاته الآنية ذات الأبعاد الإدارية للأزمة من إغراق عمان بازداحامات مرورية وشل الحركة في العاصمة والطرق الرئيسية المؤدية لها، ومن ردود أفعال الناس ومواقفهم تجاه الاحتجاجات، يحمل تبعات تربوية جسيمة ستكون بالغة الأثر ما لم يتم حل الخلاف بحكمة وبدرجة عالية من المسؤولية.
 
التلكؤ بإعادة ما تم تبديده من بقايا هيبة واعتبار المعلم، ستكون له كلفة باهظة، سيدفها الوطن بأكمله لسنوات طويلة قادمة.