البلديات كمحركات للتنمية/ قراءة في قانون البلديات رقم (41) لعام 2015

البلديات كمحركات للتنمية/  قراءة في قانون البلديات رقم (41) لعام 2015
الكاتب : م. أشرف طواها

   البلديات مؤسسات أهلية ذات استقلالية مالية وإدارية تتمتع بالشخصية المعنوية تلغي وتوسع حدودها ويضطلع فيها المجلس البلدي بثلاثين صلاحية مختلفة تمثل جوهر العمل البلدي تلبي من خلالها احتياجات المجتمع المحلي وطموحاته. هذا ما يؤكد عليه قانون البلديات رقم (41) لعام 2015 الذي يلقي الضوء على دور تنموي مرن ينطلق من قاعدة شعبية تشاورية في حالة تستحق الوقوف عليها بالتحليل لماهية هذا الدور ومبرراته وأدواته.

  يمتاز الجسم البلدي عن باقي الكيانات الحكومية بالتنوع في المهام والاستقلالية  في اتخاذ القرار وتنفيذه، مما يعطيه القدرة على التكيف مع الظروف المختلفة بسرعة أكبر والتعاون مع كافة أطياف المجتمع ومؤسسات المجتمع المدني والمنظمات الدولية وأجهزة الدولة المختلفة بكفاءة أعلى، وفي كثير من الحالات تشكل البلدية  محور التشبيك بين هذه الجهات المختلفة تحت مظلتها الحيوية التي تمتاز بإطار تشريعي مرن.
 
  يسمح القانون للبلديات بأن تمارس أدوارا متعددة تتراوح بين تنظيم البنيان وتوجيهه من خلال عملية التنظيم وتحديد استعمالات الأراضي و الحفاظ على الصحة العامة من خلال متابعة الأسواق التجارية وجمع النفايات ونقلها إلى المكبات المخصصة لهذه الغاية  وتدوير النفايات وتنظيم الحرف والصناعات وتحديد مواقعها من خلال إصدار رخص المهن وتعبيد الشوارع وإنارتها وصيانتها وإنشاء الحدائق العامة والمتنزهات والساحات العامة وإنشاء المتاحف والمكتبات العامة والنوادي الثقافية والرياضية والاجتماعية والفنية. كما يقع على عاتق البلديات إنشاء المسالخ وأسواق بيع الحيوانات وفحص المعد منها للذبح. واتخاذ الاحتياطات اللازمة لمنع أضرار السيول والفيضانات والحرائق، وتعيين مواقع المقابر ومواصفاتها وإنشاؤها. وكذلك هدم الأبنية المتداعية وإزالة المكاره الصحية حفاظا على السلامة العامة، وتنظيم المطاعم والمقاهي والنوادي والمساهمة في رعاية المرافق السياحية والتراثية الواقعة ضمن منطقة البلدية وكيفية إدارتها واستغلالها واستثمارها. هذه الأدوار المتنوعة  متكاملة مع عمل العديد من المؤسسات والدوائر الحكومية الأمر الذي يعكس شمولية الدور البلدي وارتباطه بحياة المواطنين اليومية. 
 
   غير أن هذه الأدوار والواجبات جاءت مسبوقة بأدوار أخرى تصدرت قائمة أدوار المجلس البلدي للدلالة على محوريتها في عمل البلدية فقد نصت المادة 5 من قانون البلديات رقم 41 لعام 2015  على ما يلي: 
 
(أ- مع مراعاة أحكام التشريعات النافذة، تناط بالمجلس ضمن حدود منطقة البلدية الوظائف والسلطات والصلاحيات التالية:-
 
 1- إقرار الميزانية العمومية والموازنة السنوية للبلدية وتصديقها من الوزير.
 
2- إعداد الخطط الإستراتيجية والتنموية وإعداد دليل احتياجات منطقة البلدية وأولوياته منها ورفعها للمجلس التنفيذي.
 
3- اعداد البرامج ومتابعة تنفيذها لتحقيق التنمية المستدامة بمشاركة المجتمعات المحلية وادارة جميع الخدمات والمرافق والمشاريع المحلية المناطة بها من خلال موظفيه ومستخدميه او بالتشارك مع بلديات أخرى أو أي جهة أخرى ذات اختصاص او
من خلال تأسيس شركات تملكها البلديات سواء لوحدها او بالتعاون مع القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المحلي شريطة موافقة الوزير المسبقة على ذلك.
 
4- اقرار مشاريع تنموية وانشاؤها تعود بالنفع على سكان منطقة البلدية، ورفعها للمجلس التنفيذي.) 
 
 فقد ورد في مقدمة مهام البلدية  ممثلة بمجلسها البلدي وبعد إقرار الميزانية العمومية والموازنة السنوية: 
 
إعداد الخطط الإستراتيجية والتنموية وإعداد دليل احتياجات منطقة البلدية (وهو الجزء الذي يتداخل بشكل مباشر مع عمل مجلس المحافظة ضمن منظومة اللامركزية). 
 
كما ورد في البند الثالث من نفس المادة: إعداد البرامج ومتابعة تنفيذها لتحقيق التنمية المستدامة بمشاركة المجتمعات المحلية حيث كرس القانون مهمة التخطيط الاستراتيجي والتنموي وإعداد البرامج ومتابعة تنفيذها لتحقيق التنمية المستدامة بالتشارك مع المجتمع المحلي كأساس للعمل البلدي وكدور محوري تلتف من حوله باقي المهام كأدوار مساندة تدعم قيام هذا الدور المركزي، وتؤكد عليه بوصفها أذرعا خدمية لا بد من الإحاطة بها وتوظيفها للقيام بالدور التنموي للبلدية.
 
   إذ يقع على عاتق البلدية التنسيق مع الجهات المعنية فيما يتعلق بتحديد مواقع المدارس ودور العبادة  وإدارة توزيع المياه بين السكان وإدارة تزويد السكان بالكهرباء والغاز والتنسيق مع الجهات المعنية لإنشاء شبكات الصرف الصحي، وهي أدوار تتكامل فيما بينها لتمكن البلديات من تنفيذ خططها وبرامجها التنموية من خلال الإحاطة بكافة عناصر الخدمة والبنية التحتية إما مباشرة أو بالتنسيق مع الدوائر الخدمية الأخرى.إلى جانب ذلك فالبلدية معنية  بالشق الثقافي والاجتماعي المتمثل بإنشاء المتاحف والنوادي الثقافية والاجتماعية والرياضية والعناية بإدارة المواقع التراثية والسياحية، في تكامل مقصود للإحاطة بعناصر البنية التحتية والفوقية.
 
  يتضح للقارئ مما سبق بأنه لا توجد مؤسسة بين المؤسسات الحكومية اليوم تتمتع بالدور الشمولي والقاعدة الشعبية التي تتمتع بها البلديات الأمر الذي يمكنها من لعب دور حقيقي في قيادة التنمية المحلية من خلال تكريس مواردها وأذرعها الخدمية والثقافية ضمن خطة واضحة لتنفيذ برامجها التنموية المستدامة. 
 
  كما مكن القانون البلديات من تأسيس شركات مملوكة لها بالكامل أو بالتشارك مع القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المحلي، الأمر الذي يتيح للبلديات نفي جمود الإدارة الحكومية عن مشاريعها التنموية من خلال تكوين شراكات مع القطاع الخاص تزيد من فرص النجاح وتعزز من التنافسية والإنتاجية بعيدا عن إنشاء مشاريع تعجز البلديات في الوقت الراهن عن إدارتها لتتبنى نمطا متبعا في العديد من دول العالم بإنشاء شركات مملوكة للبلدية تتسم بالفاعلية والتنافسية في مقاربة حقيقية لدولة الإنتاج التي تسعى لسد احتياجاتها من كسب يدها.
 
  إن هذه المرونة التي يمنحها القانون تتسع لعدد لا نهائي من التفاعلات الإيجابية مع مختلف الجهات ومؤهلة لإفراز نشاطات غاية في التنوع تعبر عن احتياجات المجتمع وتلبي طموحاته.
 
  وغاية ما تقدم هو إثارة النقاش حول فكرة إعادة قراءة قانون البلديات بعين الباحث عن تكامل الأدوار وانسجامها في السعي للوصول إلى هدف واضح يتمثل في تعزيز التنمية المحلية وتطوير البيئة الاستثمارية من خلال الاستثمار الأمثل للموارد
المتاحة والميزة النسبية الأصيلة! أما حقيقة عدم استفادة العديد من البلديات من الميزات أعلاه فإنها لا تنفي وجودها، بل تؤكد على ضرورة التوعية بهذا الدور المحوري، والحاجة لقيادات ذات رؤية متجددة قادرة على ترجمة احتياجات المجتمع المحلي إلى أهداف تنموية واضحة وتسخير كافة الأدوات المتاحة لتحقيق هذه الأهداف بعيدا عن النموذج النمطي والشعبوي.
 
  وبالعودة إلى نشأة بلديات المملكة في نهاية القرن التاسع عشر نجد أن البلديات مثلت حالة من الحكم المحلي الذي يضطلع بكافة احتياجات المواطنين من بنية تحتية وتعليم وخدمات عامة، إضافة إلى كل ما يهم المواطنين في حياتهم اليومية. والأهم من ذلك كله هو حاجتنا في هذا التوقيت بالذات إلى تفعيل دور البلديات كمحركات للتنمية بشكل ينسجم تماما مع توجه اللامركزية التي تعد البلدية مكونا أساسيا لها من خلال مجالسها المحلية والبلدية.
 
  تمر البلديات اليوم -بحكم التطور المتسارع  حولنا- بتحول في الأدوار والأفكار صارت مجبرة بموجبه على الانتقال من الدور التقليدي المعتمد على الغير لتغطية التزاماتها إلى المنتج والمحرك أضف إلى ذلك أن متلقي الخدمة على درجة عالية من الوعي والقدرة على تقييم الخدمات والمساءلة، في زمن أصبحت فيه سرعة الاستجابة للمتغيرات المحيطة عاملا مهما للبقاء.
 
وقد سطرت العديد من البلديات قصص نجاح في كثير من المجالات مثل جذب الاستثمارات وإنشاء المصانع الإنتاجية وإقامة المشاريع الاستثمارية بالشراكة مع القطاع الخاص، ضمن نهج للتحول تدعمه وزارة الإدارة المحلية للخروج من الإطار التقليدي للعمل البلدي إلى أفق جديد منفتح على كافة أطراف المعادلة التنموية تكون فيها البلدية هي القائد للعمل التنموي على المستوى المحلي بنهج تشاركي يضمن أن يستهدف أي مشروع جديد الحاجات الحقيقية للمواطنين.
 
وعليه وجب علينا إعادة قراءة قانون البلديات والذي يعتبر استمرارا للقوانين السابقة مع حزمة من الإضافات  الهامة التي تمنح البلديات مرونة تواكب العصر وأدوات تشريعية وتنفيذية تمكن البلديات من تنفيذ خططها المستدامة التي لابد أن يتم تطويرها بنهج تشاركي مع المجتمعات المحلية بوصفها الشريك والمتأثر الأول بتنفيذ هذه الخطط.
 
وأخيرا فإن أهم خطوة في التحول المنشود والذي بات استحقاقا تحتمه المرحلة، هي تشكيل الوعي لدى القائمين على إدارة البلديات بأهمية دورها المحوري وانعكاسه المباشر على التنمية المحلية والوطنية، كما يتحتم على وزارة الإدارة المحلية الاستمرار في النهج الحالي لدعم البلديات ورفدها بالكوادر الفنية والعمل على تأهيلها نحو تمكين البلديات لأداء دورها الوطني بكفاءة وفاعلية وترسيخ هذا الدور المحوري في قانون الإدارة المحلية، الذي سيمثل الوريث الشرعي لقانون البلديات. 
 
  ويصب في نفس الاتجاه ما يقوم به بنك تنمية المدن والقرى (الذراع المالي لوزارة الإدارة المحلية) من إعادة هيكلة داخلية وتطوير إستراتيجية عمل جديدة تهدف إلى تحفيز  البلديات  لإقامة مشاريع نوعية  تقوم على الاستثمار الأمثل للموارد المحلية،
وتعمل على تنمية المجتمعات المحلية وتوفير فرص العمل  لها وذلك من خلال حزمة الدعم المعدة لهذه الغاية والتي تتراوح بين تأمين القروض الميسرة والمنح، استنادا إلى دراسات الجدوى لهذه المشاريع. 
 
   ويبقى  أن نقول بأن جميع الجهود التي بذلت في مضمار دعم وتمكين البلديات هي أحوج ما تكون اليوم لدعم استمراريتها من خلال تضافر الجهود من الجميع ابتداء من المواطن الذي يدلي بصوته ليختار الأفضل والأقدر والأكثر وعيا بمسؤوليته وانتهاء بتعاون المؤسسات ذات العلاقة بالعمل البلدي لتشكل بمجملها الضامن لإنجاح نموذج العمل البلدي المحرك للتنمية الذي نطمح له.