الانصاب..

الكاتب : صابر العبادي

من غرائب النفس الانسانية أنها تنقاد إذا نُصّب لها من يقودها أيا كان، ويكاد لا يخرج من هذا الحكم إلا القليل، من أصحاب العقول الذين يتعاملون مع الأشياء والأحداث والأشخاص بموضوعية بعيداً عن هذه الميزة الموجودة في النفس الانسانية، والتي تجعل الانسان ينسى عقله ويتصرف بعاطفته التي تتّبع تلقائيا كل ما يرفع وينصب لها.. فتراه الانسان الكامل حتى لو كان كله نقائص.، وطبعاً هذا لا ينفي أن يكون بعض المنصّبين على مستوى المكان الذي وضع فيه، لكن أيضا يكون تعلق بعض النفوس به غير موضوعي!!

في العمل يكون زميلك رجلاً عادياً لا تقيم له وزنا من حيث الإعجاب بفضائله وقدرته.. فإذا نصبته الادارة العليا مديرا عندك اختلف مقامه في نفسك وصارت نفسك تحدثك بفضائله حتى توصله الى حد التقديس -اذا كانت النفس فيها شيء من نقص-...
ويكون الشخص مغمورا في عامة الناس فإذا حصل على منصب حكومي، ارتفع في أعين الناس وصارت العيون تتعلق به، والآذان تصغي له، ويصبح نصف آلهة، فقط لأنه نُصّب للناس، حتى أن النفس بلا سبب معروف، تنفي مساوئه وتعلي فضائله وتنقاد له ما دام في الواجهة أو على الشاشة، أو نصبته وسائل الإعلام للناس..
والأغرب أن هذا الذي كان مُنَصّباً ومنتصباً أمام العامة، إذا سقط أو نزل عن منصة التنصيب، يفقد البريق الذي صنعته له النفس، ويتحول البريق الى آخر كان مغمورا لا يأبه له أحد، ثم نُصّب للناس فهاموا به، وكانوا قبلها يهيمون بغيره..

وقديما كان الناس يأتون بحجر ملقى على الأرض مثله مثل أي حجر، فينصبونه للناس في مكان مرتفع فيعلو قدره في نفوسهم، ويصبح مقدسا تذبح له القرابين وتنحني له الجباه، وتصنع له النفس هالة كبيرة حتى يصبح من الآلهة، وهو جامد في مكانه لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، تراق عليه الدماء، فلا يدفعها، وتبول برأسه الكلاب فلا تهأبه به، إلا الانسان الذي وُهِب العقل، فتركه وتبع النفس التي فلت عقالها فلا هي مضبوطة بعقل وتنزيل، ولا هي مضبوطة بغريزة..