أزْمة كُورونا دُروسٌ مُسْتفَادة وَفُرصٌ ضَائعَة

الكاتب : م. عادل مساعدة

لقدْ بذلت الدولة الأردنية جهودا غير مسبوقة وسخّرت كل امكانياتها من أجل احتواء ارتدادات أزمة كورونا وَبتوجيهٍ مُباشرٍ وَمتابعةٍ مُسْتمرةٍ من لَدُن سيّدي صَاحبِ الجَلالةِ الهاَشمّيةِ المَلكِ المُفدّى عبد الله الثاني حَفظه اللهُ واعزَّ مُلكَه، كما اتَخذتْ الحكومة خطواتِ النَجاحِ في مُواجهةِ الفيروس وذلك من خلالِ التَحركِ السريعِ من جانبِ الجهاتِ المعنيةِ وعلى رأسِها الكَوادرِ الطبّيةِ وقواتِنا المسّلحةِ البَاسِلةِ والأجهزةِ الأمنيةِ والمُتطَوعين من القِطاعِ الطِبي الذينَ قَدمّوا جُهوداً كبيرةً جنباً الى جنبٍ مع إخوانِهم وزملائِهم العاملينَ في وزارةِ الصّحةِ والخدَماتِ الطبّيةِ المَلكّيةِ وكلُّها مجتمعةً شكَّلتْ مَشهداً وَطنياً بامتيازٍ لإحتواءِ الأزمةِ، والسَعي الى تخفيفِ التداعياتِ الناجمة عنها، وأظْهَرتْ الصُورةَ الايجابيةَ المُشرقةَ والمُتأصلةَ في أبْناءِ الوًطنِ، وقدْ برزَ ذلك جَلياً من خلالِ التفاعلِ والتكافل بين أبناءِ شَعبِنا الواحدِ وكَافةِ الجهاتِ التي كانت تتعاملُ مُباشرةً مع الأزمة.
وممّا لا شكَّ فيه أنَّ من اهمِّ خطوطِ الدّفاعِ الأولى في زَمنِ الأوبئةِ هي المجتمعُ الذي يحتلّ المساحةَ الأكبرَ من المُعادلةِ في احتواءِ الوباءِ ومنعِ انتشارِه، ورغم أنّ هناك بعضَ الخروقاتِ القليلةِ والتي كنّا لا نتمنى حُصولها فقد لعبَ التكاتفُ الوَطني دوراً بارزاً في النجاحِ للتصَدي لهذه الأزمةِ من خلالِ الوَعي وروحِ المَسؤوليةِ والإلتزامِ بالتعليماتِ ، والتي يحتاج الى المزيدِ منها مع بدءِ عَودةِ الحَياةِ الى طَبيعتها تدريجياً لإيمانِه بأنّه لا يوجدُ مَن هو أحرصُ من الإنسانِ على نَفسِه مما جعَله يتخذُ قراراتِه بعنايةٍ كبيرةٍ مُنطلِقا بأنّ الوقايةَ خيرٌ من العلاجِ ولا سيَّما أنَّ الجميعَ أصبحَ على درايةٍ كاملةٍ بالاجراءاتِ والتدابيرِ البسيطةِ للوقايةِ من المَرض.
إنّ التكاتفَ غيرَ المسبوقِ بينَ كَافةِ شَرائحِ المُجتمعِ والحُكومةِ في مُكافحةِ الوَباءِ خَلقَ قِصةَ نجاحٍ أبهَرتْ العَالمَ وادَّى الى إختيارِ الأردنِّ كَنموجٍ ناجحٍ من بينِ خمسِ دِولٍ في إدارةِ الأزمة، وكان من المُمكن الإسْتفادةُ من هَذه الإنجازاتِ واقْتناصِ الفُرصِ الضَائعةِ والتي كان سَببُ ضياعِها قُصورُ وعدمُ فاعِليةِ الاعْلامِ بما يُشكلُه من أهَميةٍ كَبيرةٍ بإعْتبارِه من الرَكائزِ المُهمةِ في إدْارةِ الأزمَات .
لقدْ كانَ من الواجبِ على الحكومةِ تشكيل خليةٍ اعْلاميةٍ مَدعومةٍ بأصحابِ الاختصاصِ والمفكرين والخبراءِ وفي كافة المَجالاتِ للحديثِ الشاملِ عن الأزمةِ وأبعادِها وتداعيتِها وعَكْسِ صُورةِ ما يجري بما يخدمُ مصلحةَ الوطنِ محليّاً وعالمياً ، حيثُ ركزَتْ التغطيةُ الإعلاميةُ في مُعظمِ أوقاتِ الأزمةِ على بَيانٍ يَشرحُ المَعلوماتِ ويوضحُ طبيعةَ الإجراءاتِ مركزةً على الجانبِ الصحي فقط وأغفلتْ إنعكاساتِ الأزمةِ والتي كان من المفروضِ أن تكون جزءً أصيلاً من الاحاطةِ الاعلامية، لأنّ الوباءَ سَينتهي حَتماً، ومثلما إستطاعَ البشرُ النجاةَ في الماضي والعَودةَ إلى حياتِهم الطَبيعيةِ سَيتغلبونِ على هذِه الجائحةِ ، ولكنَّ آثارَها المُختلفةَ لن تنتهي سَريعاً وستؤثرُ على حياتِنا في الأيّامِ القَادمة.
إنَّ الإعلامَ الرَسمي لم يقمْ بتعظيمِ الانجازاتِ " وهي عظيمةٌ " وكانَ عليه أن يَمتلكَ الأدواتِ والأساليبِ القادرةِ على إيصالِ الرَسائلِ الإعلاميةِ الى كافة انحاء العالم مستندا الى مؤشر تسجيل اقل عدد من الإصابات بين الدول وتحويل المخاطرِ الى فرصٍ وتسويقِ الأردن عالمياً وفي كلِّ المجالاتِ وعلى رأسِها القِطاع الصحّي والسّياحي وبِما تَمتلكُه المَملكةُ من إرثٍ تاريخي وديني مُمَيز .
كمَا أنَّ الغيابَ الكاملَ لدورِ المَسؤولين السّابقين المُختصين والمُؤثرين والمُفكرين المُنتَقين عن المَشهد شيءٌ مثيرٌ للتساؤلِ حيث أنَّ اللقاءاتِ على وسائلِ الاعلامِ معِ الذين يتَمتعونَ بالمِصداقيةِ ومَحبةِ النّاسِ تُعتبرُ ضَرورةً لنَشرِ الطُمأنينةِ ورفْع المَعنوياتِ في الظُروف الإسْتثنائيةِ وكانَ من المُمكن أنْ يكونَ لهم دورٌ بارزٌ في إظهارِ الجُهودِ التي بذلتها الدّولةُ الأردنيةُ لإحتواءِ الأزمةِ والتغلبِ على آثارِها وتقديمِ التوصياتِ والنُصحِ لتجاوزِ الهَفواتِ والتي لا تخلو منها إجراءاتُ أيةِ دَولةٍ في مثلِ هذا النوعِ من الكَوارث .
انَّ عدمَ ضبْـطِ وسـائلِ التواصـلِ الإجتماعي كان له دورٌ في نشرِ المعلوماتِ المضللةِ وكانت في كثيرٍ من الأحيان تشكلُ جزءً من الأزمةِ مما أثرَ سلباً على جهودِ الحكومةِ وأثارَ كثيراً من التساؤلاتِ داخلَ المجتمعِ الأردني ولم تكنْ الحُكومةُ قادرةً تماماً للردِّ عَليها وتَفنيدها.
وقد كانَ غيابُ الاعلامِ الدّيني غيرِ التقليدي عن مَشهدِ الأحداثِ مُلفتاً رغم ما يشكلُه من أهميةٍ كبيرةٍ في مُجتمعنا الذي يولي أهميةً كبيرةً للجانبِ العقائدي، حيث كانتْ الرِسالةُ الدِينيةُ لا تتعدى حالةَ الوعْظِ والإرشادِ الذي نجلّه ونقدره ، الا أنّ الخطابَ الديني لمْ يكنْ بمستوى قَادرٍ على التَعاملِ مع هذِه الظُروفِ الإستثنائية.
انّ دورَ الصحافةِ في ترسيخَ ثقافةِ تدبيرِ الكوارثِ والأزماتِ وكيفية التعامل معها لم تكن بمستوى الطموح وهذا ما ظهرَ واضحاً خلالِ الأزمةِ برغمِ القَوانينِ الصارمةِ مما يعني ضَرورة إعادةَ النظرِ في أسلوبِ وشَكلِ الطَرحِ بمّا يُحقفُ رفعَ مُستوى المسؤوليةِ المُجتمعيةِ والوَعي يحيث لا تكون العقوباتُ هي العاملُ المؤثرُ في الالتزامِ في التعليماتِ وانّما القناعةُ بالإجراءاتِ وأهميتِها وجعْلِها جزءً من السُلوك الذاتي.

وفي الخِتام ، فانَّ المخاطرَ لن تنتهي وسَتبقى البشريةُ مُهددةٌ بشكلٍ او بآخر ، لذا فانّه ينبغي معالجة مَواطنِ الضَعفِ وتَعزيزِ أماكنِ القوّة لنمتلك القدرة على التنبؤ والتوقعِ والاستجابةِ للمتغيراتِ والتأقْلمِ السّريعِ مَعها وأن نكونَ على أهبةِ الاستعدادِ لمُواجهةِ الأزماتِ بكافةِ انواعِها والإنتصارِ عليها والتقليل من آثارها ما امكن.
حــــفـــظ الله الوطـــــــــن وقائـــــــده وشعبـــــه

 


دبي – دولة الامارات العربية المتحدة
masadeh _1965 @ yahoo.com