المصانع: تحدي الصمود واستمرارية الإنتاج في زمن الجائحة - م. أحمد جمال

استشعرنا خطورة الجائحة عندما بدأنا بخطوات التحدي الأولى في استمرارية الإنتاج في المصانع والشركات باتخاذ تدابير التباعد الجسدي للموظفين في أماكن العمل، مع إنشاء ممرات للتعقيم الذاتي لوقاية الموظفين قبل الدخول للمصانع، إلى جانب تفعيل آلية العمل عن بُعد في بعض الأقسام، من خلال الأنظمة التكنولوجية، فضلاً عن التدابير الإحترازية والوقائية الأخرى، والتي جاءت بهدف ضمان صحة وسلامة الكادر الوظيفي واستدامة الأعمال الحيوية، والمحافظة على مستويات الإنتاج.


وهنا تبرز المعادلة الأهم والأكثر تحدياً وتعقيداً "الصحة أم الإنتاج؟"، ... أرى أنه من الصعب بل من المستحيل أن تتوقف الحياة انتظارا لرحيل عدو ما زال يوما بعد يوم يكشف لنا عن سر من أسراره…فلا أحد يملك فعليا الإجابة، لأنها أصلا غير قائمة على معطيات علمية، بل هي بناء على افتراضات هي أقرب للأماني والطموحات منها إلى الواقعية، لأن الواقع يفرض البناء على معطيات راسخة، لكن ما نراه يحصل في كثير من الدول، بالأخص الأوروبية، من رفع للقيود، وعودة المسابقات الرياضية، والآن فتح الخطوط الجوية ترويجا للسياحة، وكذلك الإعلان عن التفكير جدياً في تواريخ لاستئناف الدراسة، كلها أمور تدفعنا للتفكير بأننا الآن أصبحنا أمام مدونة ضخمة من الرؤى المستقبلية المتفائلة لـ"عالم ما بعد كورونا"، والحقيقة أنه لا دليل على تلك التوقعات، وأنها جميعا قد لا تصمد أمام المُساءلة المنطقية الجادة، وأن الصورة الأقرب للعقل - ولو كانت صادمة أو غير مرغوب فيها، الآن على الأقل - هى أن عالم ما بعد الوباء لن يكون مختلفا بصورة كبيرة عن عالمنا الذى صنعناه وعشناه قبل الأزمة.


فالأرجح أن وتيرة الإنتاج ستتسارع لتغطى طلبا محموما على السلع والخدمات عقب انتهاء الأزمة. سيزداد الإنفاق الاستهلاكى وتتراجع معدلات الادخار فى المرحلة الأولى، أي أن قطاعات التصنيع البسيط والتحويلى والسلع الاستهلاكية والترفيه ستكون أكثر استفادة من الصناعات الثقيلة.
لذلك فإن الأزمة الحالية تتطلب على ما يبدو اتخاذ التدابير التي تطبق عادة في أزمنة الحروب، بدءا من تعزيز الإنتاج الصناعي، مرورا بالإسراع بإعادة توزيع الموارد ووضع خطط التحفيز، وصولا إلى التفكير الجدي والعملي من قبل أصحاب المصانع والشركات إلى تبني نظرية التحول الإنتاجي... بمعنى... إقامة مصانع جديدة وتجهيزها بالآلات والمعدات اللازمة لها، ولكن كي تنتج هذه المرة أجهزة تنفس صناعي ومعدات طبية والتركيز أيضاً على الصناعات الغذائية.


إذاً يجب على أصحاب المصانع وإداراتها تغيير النمط التقليدي لإدارة الأعمال والتوجه نحو استراتيجية جديدة تعتمد على الإبتعاد عن كافة أشكال الهدر التي تؤدي إلى ضعف الإنتاجية كالإفراط في عمليات التصنيع والإنتاج، ووجود موارد بشرية غير فعّالة، ووجود المنتج المعيب، فالإنتاجية المطلوب تحسينها في المصانع يجب أن تكون المقياس الدقيق لكفاءة الأشخاص والالات والأنظمة الذكية والبرمجيات الخاصة بالمصانع وغيرها من هذه الأمور التي تؤدي إلى تحويل مدخلات الصناعة إلى مخرجات الإنتاج المفيدة ذات الجودة العالية.


وأختم بالقول من وجهة نظري المتفائلة: بأن الأزمة- مهما كانت قاسية - ستمضي، والعالم سينتصر على الوباء، والعلم سيصل للعلاج، سيكون الثمن فادحاً بلا شك، وسيكون على العالم أن يواجه الآثار الخطيرة التي سيتركها الوباء اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، وكل التقديرات تقول: إن الخسائر ستكون هائلة، وإن الجهود المطلوبة لتجاوز هذه الآثار سوف تستغرق سنوات تتغير فيها الموازين، ويعاد النظر في السياسات والاستراتيجيات، وينفتح الطريق لعالم سيكون مختلفاً لحد كبير مع ما كان قبل «كورونا»، وعلى هذا الطريق تبدو الحرب الحالية ضد الوباء مثلاً كانت الحرب العالمية الثانية مؤشراً لنظام عالمي جديد ربما تتحدد معالمه الآن، سيعبر
العالم هذه الفترة الصعبة وسيتجاوز آثارها السلبية الخطيرة، حتى وإن طالت فترة التعافي.