لماذا بيروت بيت القصيد ؟

الكاتب : رابعة أبوسنينة

أتساءل دائماً لماذا حين يُطعن جمال بيروت لا يخرج من مدار بكائها أحد!! عين تبكي وزائرها يبكي ومن لم يطأها يبكي وأغنية تبكي وشعر يبكي وزجل يبكي :
الصيف عم يودع لا ضجيج ولا حكي
وتشرين حيشرّف والغصون ملبكي
والغيم جايي وفود عدروب السما
يعزي برحيل الصيف ومبلش بكي

مناديل الدموع ترفرف في كل مكان،الجميع يؤدي فرض الحب ونفله...قبل أن يزورها وبعد:
زرت بيروت لمرة واحدة ولا زلت على قيد الشوق
بيروت أجمل مما نظن صعبة الكسر مختلفة، أرض صالحة لزراعة الحب العميم الكبير ويوم فيها هو حفلة للحياة، فيها تفهم كذبة الحدود وفلسفة الوطن، يختلف وجهك في مرآتها في الحقيقة لا في المجاز فما شكلك سوى فيض حسّك ، تتقاطع في عُرض بحرها بكل ما ضاع منك...تسلّم عليه وتقبّله.
تحتفي هناك بجهلك ، بسحر الطبيعة للمكان والإنسان
وتدرك لماذا تحارَب بيروت ولِمَ يُنازعُك فيها الأعداء القناصون ، فأنت صيادها الوحيد وما لديك عنها لا يمكن أن يؤول إليهم، وما في أحلامك لا يمكن أن يفسر إلا برموزها من بحور ومغارات وكنائس ومساجد وريف ومدينة.وقلوب حب ترتسم على كل فم
بيروت تخوض حرباً كونية من أجل حياة بلورية، لديها أدوات الغوص والقوارب والزوارق والمحارات وكل المهارات..ولديها الخيال، وما الخيال إلا واقع سابق تقول أغنية البحارة : أنت سعيد إذا أردت .
بيروت إذا ضمت في حناياها أحد ؛فلا يموت إلا مطمئنا:
شهيد وطن أو شهيد عشق.

الجميع يحب أن تكون له حبيبة اسمها بيروت ، يحجّ إلى ذاته ويدور حول نفسه بها وذلك حتى يستفيق عطرها في مسام جراحه أو يستفيق جرحها على مسام يراعه،وقتها كانت بيروت تمد لك روحها فتكون نفسك بلا أي أحد...حتى لو لم تزرها فإنك في الرؤيا زرتها..
هنالك في الأزل ..قبل الهبوط زرتها

الجمال الخطير دوماً محفوف بالخطر ،بيروت تكمل شيئاً ماعنك؛ بدأتَ به وعجزت إكماله بيروت سيرة القلب ، الضحكات الرنانة هي الموسيقى، والمال لا قيمة له إلا وهو يسيل :ترفاً أو عَرَقا أو دماً تدخلها شائكاً وتخرج منها شاعرا وشاحٌ في بيروت يكفي لترتدي قطعة من ثياب الجنة، كما عليك أن تكون بلاقسوة كي تفوز برقتها. واعياً لتدركها

المدينة المكتئبة الآن بوجوه ليست مقنّعة؛؛؛؛ كأن هواء الله هناك، يفتح كل الأقفاص لتندفع طيورك للسماء كأنك مخلوق من خوابي نبيذها فمنها تنبلج ، وبها تزهر...وإليها تطمح أن تعود مرة أخرى.

إذ ليس لك حضور إلا على الشواطئ فلا لون ولا رائحة للماء إلا هناك..حيث لك الأرض ومن عليها ؛فالشمس صبغت كل شيئ بالأشقر الشفيف..ولازورد البحر متواطئ مع اخضرار الأرز...والليل ليس مكحّلا بل مُحَلّى بالأضواء والأوهام الضرورية والرمادية العذبة
سيعيل صبرك في انتظار سفر آخر إليها
فانتظر فإِنّ غَداً لنَاظِرِهِ قَرِيبُ.