اَلْعَقْلُ أَمْ اَلْجَمَالُ فِي إِخْتِيَارِ اَلْزَوْجَةِ؟!

الكاتب : أ.د. بلال أنس أبوالهدى خماش

يبحثون كثيراً من الشباب وحتى الشياب إذا لم يكن معظمهم منذ بدء الخليقة عن الجمال (لا ننسى قصة إبني آدم قابيل وهابيل عندما إختلفا على من سيحظى بالزواج من أخته الجميلة... وقتل قابيل هابيل لأنه فاز بها بعد أن تقبل الله قربانه ولم يتقبل قربان قابيل كحل للخلاف الذي نشب بينهما بإقتراح سيدنا آدم وزوجه عليهما (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (المائدة: 30)) عند الفتاه التي ستصبح زوجة المستقبل وربة البيت ومربية الأولاد، ويتركون أهم شيء أعطاه الله للإنسان وهو العقل. نعم الجمال مطلوب في الفتاة وأمور أخرى مثل المال والنسب والجاه ولكن ليست هذه هي المعايير التي يعتمد عليها إستمرار الحياة الزوجية من عدمها في المستقبل، لأن الجمال بعد مرور الوقت يصبح شيء عادي بين الزوجين حتى المال ممكن أن لا يدوم. ولكن الذي يؤرق الحياة الزوجية والتي يجب أن تكون سكناً و مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً بين الزوجين كما قال الله عنها في القرآن الكريم (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (الروم: 21))، هو عدم التفاهم بين الزوجين بإستمرار بحيث تصبح حياتهما جحيماً ومشاكلاً وإختلافاتاً ومشاجراتاً مستمرةً ... إلخ. ويزداد الخلاف صعوبة وتعقيداً إذا كان العقل صعب التعامل معه أو صعب أن يستوعب الأشياء المنطقية ويميز بين الصح والخطأ ويتصف في العناد عند الطرفين أو عند أحدهما. هنا تكون المشكلة كبيرة وستستمر على طول حياة الزوجين، لأن عقل الإنسان هو المخطط والمنظم والمدير والمنفذ لجميع أمور حياته، وكما يقال بالعامية: العقل زينة واللي بلاه حزينة. والمشكلة لا تتوقف أو تنتهي عند الزوجين بل ستؤثر على نشأة وتربية الأطفال إذا أنجب الزوجين أطفالاً بشكل سريع وتصبح حياة العائلة جميعها جحيماً. وهذا ينعكس على نفسية الأطفال، وبالتالي يعكسون نفسياتهم السلبية على من يتعاملون معهم من أقارب وأقران في المدارس والجيران والمجتمع فيما بعد.

تتشكل البؤر السلبية في المجتمعات من مثل هذه الزيجات غير الموفقة وغير السوية ويكون تأثيرها على المجتمع متفاوت معتمداً عدد أفراد الأسرة المتأثره بمشاكل وخلافات الأم والأب. والمجتمع فيه عدد كبير من هذه الزيجات التي لم يحسن الزوجين الإختيار لإعتمادهما على معيار الجمال أو غيره أكثر من الإعتماد على معيار العقل، وكثيراً من هذه الزيجات آلت وتؤول إلى الطلاق الذي لا يرجوه والدي الطرفين والمجتمع السوي. والسبب في ذلك هو أنه يستحيل تغيير عقل الإنسان الذي نشأ وتربى وكبر وترعرع على عادات وتقاليد غير سوية وبالأخص إذا كان هناك مشكلة فسيولوجية عند أحد الطرفين لا يمكن علاجها أو إصلاحها وتكون في كثير من الحالات وراثية. فنتساءل: ما ذنب الأطفال الذين خرجوا إلى المجتمع غير سويين وربما معقدين نفسياً؟ وما ذنب أفراد المجتمع السويين المجبرين على التعامل مع مثل هؤلاء؟. ولهذا ننصح إذا سُمِحَ لنا من قبل أفراد مجتمعنا الطيب فيما يلي: أولاً: أن لا يكون مقياس الجمال أو غيره مثل المال هو المعيار الغالب على إختيار الزوجة بل أن يكون العقل المعيار الأرجح ومن ثم الجمال والأمور الأخرى تليه في الأهمية، ثانياً: عدم التسرع في إنجاب الأطفال حتى يتأكد الطرفان أنهما منسجمين ومتفاهمين تماماً ولهما الرغبة الشديدة في تشكيل أسرة سوية، لأن الأطفال لا ذنب لهم في أن يقعوا ضحايا الخلافات والطلاق فيما بعد. ثالثاً: إن تم الإنجاب فعلى الطرفين أن يتحملا مسؤولياتهما نحو اطفالهما حتى يكبروا ويعتمدوا على أنفسهم قبل أن يقع بينهما الطلاق أو الإنفصال، رابعاً: أن لا يتسرع الزوج في الزواج الثاني ويأخذ خبره من زواجه الأول حتى لا تتكرر المأساة بطريقة أو أخرى. ولماذا لا نأخذها من قصيرها ونتبع حديث الرسول عليه الصلاة والسلام، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: تُنْكَحُ المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك. فإن كانت صاحبة دين لا تَغْلَبَ معها فالدينُ يُقَوِمَ أي إعوجاج في عقلها ويعرفها حقوق زوجها عليها وكذلك الزوج. ولكن الأهم في الطرفين هي الزوجة لأنها هي التي تحمل وهي التي ترضع وتربي وتنشيء الأطفال وهي التي ترفد المجتمع بالأجيال الصالحة أو الفاسدة (أرجو المعذره على إستخدام هذه الكلمة). وكم هناك إنسان منطقي تزوج من إنسانة بسبب الجمال أو أهله إختاروها له أو قرابته وصبر سنين طويلة بسبب الأطفال وما زال يعاني مع زوجته. فنسأل الله لهؤلاء أن يكرمهم الله ولو في آخر أعمارهم بالأنثى التي تعوضهم عما فاتهم مع زوجاتهم أضعاف مضاعفة من السعادة والهناء السرور والمال والجاه وعلو المرتبة والمكانه والمنزلة على صبرهم السنوات الطويلة.