هل تسير المستقلة للإنتخابات على خُطى التنمية السياسية بافشال الحياة الحزبية؟ (2 – 2)

الكاتب : أ. د. محمد تركي بني سلامة

وتأكيدًا لِما سبق ُيَصعُب تقبلَ الرأي المُنادي بإجراءِ إنتخاباتٍ بلا ناخبين او بنسبة مشاركة 2% ؛ فهذا رأي ٌمغلوطٌ ، ولا يمكن تبريره أو الدفاع عنه. الإنتخاباتُ التي تشاركُ فيها الأغلبية من المجتمع هي الأصلُ الأساسيّ للديمقراطيّة، إذ يُقبِل عليها الناخبونَ بزخم ٍ وحماسٍ ، ويتم القبول بنتائجها ؛ فمشاركة الاغلبية في الانتخابات يضفي عليها قدرا كبيرا من الشرعية، والانتخابات المقصودة في هذا المقام هي التي تتميز بأعلى درجات النزاهة والحرية والشفافية وفقا للمعايير الدولية لسلامة الانتخابات ، وخِلافَ ذلك فإنّ المقاطعةَ لا تتفقُ مع مُتطلبات الحياة الديمقراطيّة و واقِعها ، ويعني عدمَ قبول المُواطنين بالعملية ِالإنتخابيّة، وشُعورهم بالإستياء وعدم الرّضا مما يُؤثر على شرعية النظام، ويُهدد الأمنَ والإستقرار السياسيّ في البلاد . أمرٌ كهذا ينبغي عدمَ السكوت عليه، ولا ينفع معه سياسةَ دفنِ الرؤوس بالرمال؛ لأنه ينطوي على خطورةٍ خاصة في المدى الطويل، إذ أنه مع تَزايد حالة الإغتراب والسلبيّة والعُزوف عن الشأن العام، وانتشار الفساد وزيادة وتعقُد مصاعبَ الحياةِ و وأعبائِها، هذه الظروف المُجتمعةَ تُشكِلُ ضغوطًا لا يستطيع المُواطن العادي تَحمُلها، وفي هذه الحالة يمكن أن يَحدُث انفجارٌ شعبيٌ، أو إحتجاجات عنيفة أو اضطرابات سياسيّة ، وذلك على النحو الذي شهدته الكثير من دول الربيع العربي.


لقد قاطعَ الأردينون الإنتخابات في الماضي، وكان لديهم مُبرراتهم المَشروعة مثل إنتخاباتِ عام 1929 التي كان هدفها المُصادقةَ على المعاهدة الأردنية- البريطانية، أو الإنتخابات التي جرت بعد مرحلة التحوُل الديمقراطي 1989 احتجاجًا على قانون الإنتخاب ، أو عدم نزاهة الإنتخابات . أمّا مُقاطعة الإنتخابات القادمة فإنّها تعكس حالةً من الفوضى السياسيّة، وفُقدان الثقة بالبرلمانِ والتَوجُس من الدور الّذي قد يُمارسه في المُستقبل، والنتيجة ستكون إنتخاباتٌ بلا ديمقراطيّة، ٌوَ برلمانٌ بلا شرعية، وشعب بلا تمثيل ! عندها لا تتفاجأوا إذا لاحَ في الأُفق نذرُ الفوضى السياسية، والإنهيار لا قدرَ الله.


وإننا إذ ندق ناقوس الخطر مبكرا، من اجل المصالح العليا للبلاد ، فإننا نُحذر من وقوع الإحتجاجات والاضطرابات، ونَدعو جادينَ ومُخلِصين، إلى تعزيز قيّم المُشاركة السياسيّة، ونبذ السلبيّة والمُقاطعة والعُزوف ونُؤكد على ضَرورة بَذل الجُهود للتخلُص من القيّم والمُمارسات السلبيّة التي تُضعِف المؤسسات وتُسهِل، وتُشجِع ظُهور الفَساد وانتشاره ِ ؛ وعليه إنّ على الهيئة المستقلة للإنتخابات وكافة مؤسسات الدولة أن تُكرّسَ جُهودها للتخلص من السلبيّة، والعمل على خَلق المُواطن المُنتمي الّذي لديه شعورٌ صادقٌ بالمسؤوليةِ ، وبذلك فإننا نقطعُ شوطًا هامًا على طريق إزالة أهم مُعوقات التنمية السياسيّة في الأردن، بعد سنواتٍ من فشل وزارة التنمية السياسيّة في تحقيق هذا الهدف، وكذلك نستعيدُ الثقةَ بالبرلمان والدولة وكافة مؤسساتها، ونعمل على نقل المجتمع الأردني من مرحلة الشك والخوف والعزوف والسلبيّة، إلى مرحلة الثقة والأمن والمشاركة بفاعليّة ، وتحمُل المسؤولية بأمانةٍ وإخلاصٍ، وما ينتُج عن ذلك من تطورٍ وتنميةٍ وحداثهٍ واستقرارٍ، وتفويتَ الفرصة على الأعداء، والقدرةَ على مُواجهة التحديات الخطيرة التي تواجُهنا كدولةٍ ومجتمعٍ في هذه المرحلة . فنحنُ بِأمسِ الحاجة إلى رؤيةٍ واقعيّةٍ تقرأُ المشهدَ بعناية، بعدَ سنواتٍ من المعاناةِ، وبُؤس الشّعب وخَراب مؤسساته السياسيّة من برلمانٍ وأحزابٍ ونِقاباتٍ وغيرها ؛ ناهيك عن ضَياع مُقدراته الإقتصاديّة ؛ فالخداع والكذب والتضليل قد ينجح في تأجيلِ الفوضى والإضطرابات مُؤقتًا ، وعلى المدى القصير؛ ولكنّ تجاربَ مَنْ حَولِنا أثبتَت أنّ الأمورَ سُرعان ما تنفجر في مرحلةٍ لاحقةٍ بدرجةٍ أكثرَ عُنفًا من ذي قبل. إن ّما تبدو عليه آثارًا إيجابيّة لإجراء إنتخاباتٍ بنسبةِ مشاركةٍ مُتدنيّةٍ إسوة بما يحدث في الديمقراطيات الغربية العريقة، ،هي مقارنة عبثية ولا تستنِد إلى الواقع، فلكل دولة ظروفها الخاصة بها ، وهي دعوةٌ ينبغي الرّد عليها بقوةٍ لأنها في واقعِ الأمر أشبَه بالغطاءِ الخارجي ، أو الضّباب الّذي يَحجِب خلفه التفاعلات والإضطرابات السياسيّة والإجتماعيّة التي تتحَين الفُرصةَ المُناسبةَ للإنفجارِ .


أخيرًا، أَودُ أن أنصحَ المسؤولينَ عن الهيئة المستقلة للإنتخابات باالإطّلاعِ على الأوراق النقاشيّة الملكيّة ، وأخُص بالذّكرِ الورقةَ الثالثةَ بعنوان: أدوارٌ تنتظرُنا لِنجاح ديمقراطيّتنا المُتجددّة ، والّتي جاءت بعد إجراءِ الإنتخابات النيابيّة عام 2012، وفاخر بها الملك عبدالله الثاني حيث تميّزَت بارتفاعِ نسبة المشاركة التي وصلت إلى 57%، وهي من أعلى النِسّب في تاريخ الأردن وعلى مستوى العالم ، إذ أنَ وُجودَ تبايُنٍ بين الرُؤيا الملكيّة والأوراقَ النقاشيّة الملكيّة والإتجاهات والإجراءات التي تَتبِعُها الهيئة المستقلة للإنتخابات استنادًا إلى تصريحاتِ ومَواقف مسؤولي الهيئة ؛ كَفيلٌ بإجهاضِ العمليّة الإنتخابيّة في العاشر من شهر تشرين الثاني القادم، وبذلك تكون الهيئة المستقلة للإنتخابات تَسيرُ على خُطى وِزارة التنميّة السياسيّة التي عَمِلت بنجاحٍ على تدميرِ الحياة الحزبية في البلاد؛ فكانت النتيجةُ كثرة في أعدادِ الأحزاب ،وشللٌ وضعفٌ في أداءها، فأصبحت دكاكينَ لأشخاصٍ مُتكسّبين من َوَراءِ أحزابٍ بلا طعمٍ أو لونٍ أو رائحةٍ أو أيّةِ إنجازاتٍ او مواقف تُذكَر ، فالغالبية الساحقة منها احزاب ميتة وان لم تدفن بعد، رغم ان اكرام الميت دفنه . فكان من ثمارِ هذه التجرُبة المَزيدَ من الحُكم التسلُطي والاستقواء على المواطن وقَمعِ المُعارضة، وفُقدان الثقة بالدولة ومؤسساتها وإزدهار الفساد في البلاد، والتراجع في الخدمات ، وعجز الكثير من القطاعات ، وازدياد فُرص واحتمالات التحوُل مستقبلاً إلى دولةٍ فاشلةٍ لا قدر الله .


نُريد إِنتخابات حرة ونزيهة وبمشاركةٍ واسعةٍ ، ونأمل أن يكونَ البرلمان القادم مُختلفًا عمّا قبله، فما نشهده غير مَسبوق في تاريخ البلاد من تحدياتٍ وصُعوباتٍ وأخطارٍ، والمواطن الأردني ليس لُعبةَ شطرنجٍ أو وسيلةً للتَسلية ،أو حقلًا للتجاربِ ولا يمكن الإستمرار في الإستِخفافِ بعقله ، أو الإصرار على إستفزازهِ وإستغفالهِ وايصال رسالة له بان مشاركته في الانتخابات او عدمها غير مهمة .


وختاما فإننا نامل من كافة القيادات السياسية والاجتماعية وصناع القرار معالجة الاخطاء والمشاكل بموضوعية ، والتكاتف والالتفاف حول الوطن وقيادته ، ودراسة نماذج النجاح بإجراء انتخابات بمشاركة جماهيرية واسعة ، اذ اننا نطمح بالوصول لنسبة مشاركة تتجاوز نسبة ال 2% ، ومقاربة لانتخابات عام 2012 ، تفرز برلمان يرتقي الى مستوى تحديات المرحلة، ويمارس مهامه ومسؤولياته على اكمل وجه وخصوصا في الرقابة على اداء الحكومة وسن تشريعات رشيدة . اننا عاقدوا العزم على القيام بدورنا في الاستمرار في قراءة وتحليل المشهد ، والسعي الى الارتقاء بعمل البرلمان وكافة مؤسسات الدولة ، بما يليق بالأردن ويدفع عنه الاخطار ، املين من الجميع مواطنين ومسؤولين ان يصلوا الى درجة عالية من النضج السياسي، بحيث لا يخذلوا الوطن او المواطن ، ويحافظوا على امنه واستقراره ومنجزاته.
اللّهم إشهَد بأنّي قد حذرتُ ونصَحتُ.


كاتب واكاديمي اردني