موقع العراق في ظل اتفاقيات السلام الخليجية – الإسرائيلية

الكاتب : د. فواز موفق ذنون جاسم

يعد عام 2002 من اكثر الأعوام التي حملت معها تغييرات جذرية سواء على مستوى النظام الصحي العالمي او على مستوى السياسات الدولية والإقليمية والعلاقات بين الدول . ففي الوقت الذي مازالت فيه جائحة كورونا المصنعة مختبريا تواصل فتكها ببني البشر موقعة َ العديد من الإصابات والوفيات في معظم انحاء العالم ، تتحرك دول عظمى لاعادة ترتيب النظام السياسي الدولي والإقليمي والسعي للاستمرار في اختراق المنطقة العربية الهشة ومنها منطقة الخليج العربي من خلال قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على فرض اتفاقيات سلام مع كل من الامارات والبحرين ودول أخرى في المستقبل القريب مما يشكل انتصارا سياسيا لإسرائيل وتحقيق حلمها القديم الجديد في رفع علمها الذي يرمز الى توسعها من النيل الى الفرات في معظم الدول العربية والإسلامية .
ولعل الاستراتيجية الامريكية والإسرائيلية قد نجحتا في تقديم الخطر الإيراني في المنطقة على انه الخطر الوحيد الذي يهدد دول المنطقة ويسعى الى قلب أنظمتها السياسية وإقامة أنظمة قريبة من الايدلوجية الإيرانية ومبادئ ثورتها في إعادة سابقة الى الاستراتيجية الامريكية في عقد التسعينيات من القرن الماضي عندما استطاعت واشنطن توريط العراق في الفخ الكويتي مما دفع العديد من دول المنطقة الى التحالف مع الولايات المتحدة التي استطاعت إقامة العديد من القواعد العسكرية فضلا عن بيعها أطنان من الأسلحة بملايين الدولارات الى دول الخليج التي كان همها الوحيد ابعاد الخطر العراقي ووقف مغامرات صدام حسين تجاه منطقة الخليج العربي .
على ان العامل الإيراني ليس السبب الوحيد في فهم الاستراتيجية الامريكية- الإسرائيلية نحو اختراق دول المنطقة وانما هناك سبب أخر تتمثل في رغبة الرئيس الأمريكي ترامب في استثمار تلك الاتفاقيات، وتقديم نفسه على انه راعي للسلام في العالم وإمكانية ان تشفع له الاتفاقيات في إعادة انتخابه لولاية ثانية في الانتخابات الامريكية التي سوف تجري في تشرين الثاني /نوفمبر القادم..
يبقى السؤال المهم والذي ينطلق من عنوان المقال ماهو موقف العراق وموقعه من هذه الاتفاقيــات ؟
بداية ان العراق الذي نتحدث عنه اليوم ليس عراق موحدا لنقول بان يرفض بكل كتله واحزابه اتفاقيات السلام الخليجية- الإسرائيلية بل ان المواقف تباينت بين كتلة وأخرى فما تراه الكتل السياسية الشيعية في الرفض المطلق لتلك الاتفاقيات ومنها رفض الكتل والأحزاب السياسية القريبة من ايران وهو جزء من رفض محور المقاومة (العراق/ سوريا لبنان) ليس بالضرورة مطابقا لموقف الكتل والأحزاب الكوردية التي لديها علاقات قديمة مع تل ابيب وهي لاترى بان هناك موانع لاقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل خاصة وان الأخيرة وقفت مؤخرا مع الرغبة الكوردية في الانفصال عن العراق وتكوين دولة مستقلة وليس بالضرورة مطابقا مع موقف الكتل والأحزاب السنية التي ربما تشعر بثقل السلوك والنفوذ الإيرانيين والأحزاب القريبة منها فتسعى الى فتح قنوات حوار مع تل ابيب لايجاد نوع من التوازن السياسي في الداخل العراقي من خلال دعم الولايات المتحدة وإسرائيل لها في مواجهة النفوذ الإيراني المتمدد داخل الساحة السياسية العراقية .
والسؤال الاخر الذي يدور في اذهاننا واذهان المتابعين والمهتمين بشؤون المنطقة هل ثمة اختراق إسرائيلي للعراق وإمكانية عقد اتفاق سلام وماينجم عنه فتح سفارات وعلاقات دبلوماسية بين البلدين ؟
الحديث عن أي تقارب عراقي- إسرائيلي في المرحلة الراهنة يعد من المستحيلات خاصة في ظل وجود منظومة محور المقاومة من خلال فصائله السياسية والعسكرية وتبقى هذه الخطوة فردية من خلال بعض الشخصيات ولعل زيارات مثال الالوسي زعيم حزب الامة العراقي شاهد على مانقول إضافة الى زيارات أخرى لبعض الشخصيات بقيت متوارية عن الأنظار غير معروفة التاريخ والتوقيت كانت بحثا عن مكاسب شخصية مادية او سياسية لاتعبر عن توجهات الدولة العراقية وعلاقاتها الإقليمية .
على ان توقيع الدول الخليجية لاتفاقيات سلام مع إسرائيل دون تحفظ ومعارضة شعبية ومباركة من جامعة الدول العربية سوف يدفع دول أخرى لتوقيع ذات الاتفاقيات ومنها السودان وعمان والسعودية ودول المغرب العربي وسوف تشكل هذه الاتفاقيات عامل ضغط على محور المقاومة ومنها العراق وسوريا ولبنان فتسعى الولايات المتحدة الى العمل على تفكيك هذا المحور بدوله واحزابه وفصائله من اجل خلق الأرضية المناسبة للتطبيع مع إسرائيل ، وبالنسبة الى العراق فان أي هزات سياسية او تغير في الخارطة السياسية العراقية باتجاه الابتعاد عن المحور الإيراني واقترابا من المحور العربي الذي تقف على راسه السعودية ومصر فان ذلك يعني من جملة مايعنيه الاقتراب من إسرائيل وابعاد كل الحواجز والموانع التي كانت تقف حائلا امام تلك الحواجز التي ستقلى ترحيبا كبيرا من الدول العبرية التي تنظر بشغف كبير لاختراق اهم دولة في المنطقة العربية كانت تناصب العداء لإسرائيل لحقب طويلة ، والشغف الإسرائيلي لاقامة علاقات مع بغداد يأتي من أهمية العراق في الشرق الأوسط فهو يمثل حلقة الوصل في التفكيك الأمريكي – الإسرائيلي لمحور المقاومة ، كما ان الحضور الإسرائيلي في المشهد السياسي العراقي سيمنحها قدرة التاثير على ذلك المشهد وإعادة ترتيبه وفقا لرؤيتها وللرؤية الأمريكية ويتيح لها ابعاد التاثير الإيراني على ذات المشهد ، اقتصاديا مايملكه العراق من إمكانيات نفطيه والتي يسيل اللعاب الإسرائيلي في سبيل الحصول عليه ، إضافة الى كون العراق بلد استهلاكي غير مصدر وان ذلك يدفع إسرائيل الدولة الصناعية الأولى في المنطقة الى محاولة اختراق السوق العراقية ومنافسة وطرد بضائع دول أخرى .هذا إضافة يملكه اليهود داخل إسرائيل من ارث ثقافي ديني اجتماعي في العراق مازال اليهود العراقيون يحنون الى الرجوع والعودة اليه .
ان ماتقوم به الدول الخليجية والعربية من التسابق نحو الصلح مع تل ابيب يمثل ضربة للنظام الإقليمي العربي وتعري لهذا النظام امام الاستراتيجيات الامريكية والإسرائيلية ، لذلك على الدول العربية العمل على استدراك المواقف والسياسات والعمل على بناء منظومة عربية – شرق أوسطية تكون نواته الدول العربية والدول المحيط به ، تقوم على أساس رؤية وطنية وإقليمية شاملة تعمل على إعادة تعريف دور الدول العربية والشرق أوسطية شريطة ان ينطلق من المصالح المشتركة وعدم جواز التدخل في الشؤون الداخلية للدول ، وان من شأن إقامة هذا التعاون قد يمهد الظروف مستقبلا للتطور السياسي والاقتصادي والأمني للدول العربية ويعزز قناعة السلوك التعاوني مما يعمل على الدفع أكثر بجدوى العمل العربي المشترك.وهذا كله يحصن النظام الإقليمي العربي من أي محاولات للاختراق الأمريكي والإسرائيلي الهادفة الى الدخول الى الدول العربية مستهدفة تدميرها واضعافها وصولا الى بناء دولتها المزعومة من النيل الى الفرات ...