التبعات النفسية للزلازل على المواطنين

الكاتب : محمد فندي

نقل عن الحكواتي جوزيف أديسون (1672 – 1719) قولة: أتذكر حينما كانت الجزيرة تهتز بفعل زلزال قبل عدة سنوات. ظهر على أثرها بائع يبيع أدوية يدعي أن من يتناولها لن يصيبه مكروه بفعل الزلازل (Kulhanek, 1990).


لا شك أن الصدمة الأولى (Primal Shock) الناجمة عن الزلازل، تترك أثرا نفسيا عميقا لدى البسطاء من عامة الناس خاصة إذا كانت مصحوبة باصوات وقرقعات ودبدبات آتية من الأعماق. في الزلازل القليلة العمق عادة ما يشعر السكان المتواجدين في مركز الزلزال بأصوات قوية مرعبة لدى البعض تترافق أو تأتي لاحقا بعد الإحساس بالإهتزازات والتموجات كما لو أنها أصوات إنفجارات قوية تشبه الرعد القوي إلى حد كبير. يترتب على ذلك سلوك إنساني متباين لدى جل المواطنين يعتمد بالأساس على تباين درجة الوعي لدى العامة بهذه الظاهرة الطبيعية، كما يعطي الفرصة للإنتهازيين لإستغلالها بأبشع الصور. هاذا ما شاهدناه بالواقع الملموس في أعقاب الزلازل القوية أو الكبيرة التي ضربت مناطق مختلفة من العالم العربي على مدى الثلاثين عاما الماضية.


ما يثير الإستغراب والدهشة حينما نكتشف أن قسما من هؤلاء الإنتهازيين يرى في حدوث الزلازل فرصة لتسويق دجله وشعوذته وكأنه يعتقد أن الناس بلهاء يمكن له أن يمرر عليهم أي شئ، كأن يخرج علينا شخص يدعي أنه المهدي المنتظر أو رسول هبط عليه الوحي. قسم من هؤلاء وفي محاولة إقناع الناس بصحة تنبؤاته وجذبهم لما يرتئيه أخذ يعطي اسبابا للزلازل تارة فضائية وتارة أخرى فلكية أو شحنات أيونية في الفضاء المحيط بالأرض أو أنشطة شمسية في مشهد من الفوضى المعرفية والعلمية حيث تبين أن غالبيتهم لم يدرس الزلازل أو له علاقة بالزلازل على الإطلاق. وصل الأمر في البعض من هؤلاء بالإدعاء قدرته حتى على التنبؤ بالزلازل دونما إعطاء مرجعية علمية منطقية لذلك لدرجة أن المراقبين من العقلاء والمختصين انتابتهم الشكوك في مآرب مثل هذه المصادر التي تفاقم الهلع والرعب بين المواطنين خاصة بعد أن أكتشف أن بعضا من هذه المصادر اسرائيلية وتبث من صفحات من داخل اسرائيل نفسها، وكان الأمر محاولة لإثارة واستدامة حالة من الرعب والهلع في مسعى لخلق حالة من الفوضى المجتمعية وصولا لتنفيذ أجندات مشبوهة.


ما فاقم تردي الحالة النفسية للمواطنين خاصة في مدينة ميلة في الجزائر الشقيق ما ردده ويردده باستمرار أشخاص لا نعرف من أين سقطوا علينا، في أمر يثير الضحك حينما نسمعهم يقولون في أعقاب زلازل ضربت ألاسكا أو تشيلي مؤخرا أن هناك مسارات للطاقة الزلزالية ستصل إلى إحدى البلدان العربية تحديدا في شمال افريقيا. البعض وصل به الأمر للتحذير من زلزال كارثي سيضرب هذه الدولة العربية تلك قبل نهاية عام 2020.


الحدث الزلزالي بحد ذاته والأصوات المرعبة المرافقة له إضافة إلى ما ينجم عنه من دمار، لا شك أنها ستترك أثرا نفسيا عميقا لدى المواطنين. ما يزيد الطين بلة هو مساهمة نفر لا بأس به ممن يدعون المعرفة والعلم بتعميق هاذا الأثر النفسي لدي المواطنين من خلال اشغالهم باستمرار ببث الإشاعات وتحذيرهم من زلازل مدمرة قادمة على الرغم من أن ليس لدى أي من هؤلاء صلة بالزلازل. هاذا الأمر يدفع العديد من المواطنين لدرجة حتى تسول من يبعث في نفوسهم الطمأنينة والأمل. الكثير من المواطنين كانوا يشكون لي عدم قدرتهم على النوم في منازلهم خوفا من زلازل قادمة تأتيهم وهم نيام.


في مشهد يثير الحزن والتعاطف مع بعض الأسر والحنق في نفس الوقت ممن يروجون لزلازل كبيرة قادمة دون إعطاء تفسير علمي منطقي، إتصلت في إحدى النساء بعد منتصف الليل بساعتين تقريبا أثناء مناوبتي ترجوني ماذا تعمل مع أطفالها الثلاثة المتواجدين في العراء في ليلة شتاء باردة على إثر ترويج أحد الهواة بأن زلزالا مدمرا سيضرب المنطقة والمدينة المتواجدة فيها هذه المرأة وعلى المواطنين الخروج من منازلهم لأن الزلزال سيحدث الساعة كذا والدقيقة كذا والثانية كذا. ها قد مر أكثر من 20 عاما ولم يحدث أي زلزال يذكر في هذه المنطقة. أجبت هذه المرأة حينها قائلا إرجعي يا أختي الى بيتك وعلى مسؤوليتي لن يحصل شيء وبأن هذه الأخبار كاذبة صدرت عن أناس هواة لا علاقة لهم بالزلازل.


قبل أكثر من عشرين عاما طلب مني تقييم مقترح مشروع يتكون من صفحة واحدة فقط لا غير للتنبؤ بالزلازل بناء على معطيات فلكية. أثناء قرائتي لمقترح المشروع هاذا لفت انتباهي أن هاذا الشخص يدعي أن التمدد على اليابسة بفعل جذب الكواكب قد يصل إلى 30 سنتيمتر، علما بأن أثر جاذبية الكواكب على الأرض لا يتعدى بضعة ميليغالات قليلة إذا ما أخذنا بعين الإعتبار أن الميليغال الواحد عند تحويلة إلى قياس متري لا يتعدى 1 بالمليون من الميليمتر. عند مفاتحة هاذا الشخص ومسائلته من أين جئت بهذه القيمة وإلى أي مرجع علمي إستندت إليه إنكشف امره بإعطاء بيانات مضلله. على ضوئها طلب مني بنفسه حذف هذه الفقرة التي تقول بأن تمدد اليابسة بفعل جذب الكواكب يصل إلى 30 سنتيمترا مما دفعني لرفض مقترح مشروعه هاذا. الخطورة تكمن في ترويج مثل هاته الإدعائات الغير مستندة على أرضية منطقية علمية يقبلها كل عاقل.


في أعقاب حدوث زلزال ميلة يوم 07/08/2020 في الجزائر اللذي كان بقوة 4.9 وما أعقبه من إرتدادات زلزلية خفيفة قسم منها كان محسوسا نظرا لقربها من مراكز التجمعات السكانية في المنطقة، استعرت منصات التواصل الإجتماعي بالعديد من الصفحات الأليكترونية تفتي وتتنبأ وتحذر من زلازل كبيرة قادمة. قسم من هذه الصفحات على خلفيات ايدلوجية وقسم على خلفيات روحانية وقسم تكفل به عدد من المشعوذين وقسم آخر على خلفية فلكية دون أدنى معرفة بالشروط المكانية التي تحكم حدوث الزلازل من عدمها. لكن الأخطر من ذلك هو تسويق بعض الصفحات الغربية التي يديرها عدد من الأشخاص يمزجون بين علوم الفلك والنشاط الشمسي وحتى الأحوال المناخية بالجيوفيزياء ينشرون يوميا أخبارا عن زلازل قادمة ستضرب خلال فترة زمنية قريبة الجزائر أو المغرب أو اليونان أو أو أو، علما بأن حوض المتوسط يشهد كل اسبوع أو اسبوعين زلازل خفيفة إلى متوسطة القوة منذ ملايين السنين. الغرض من ذلك إعطاء المصداقية لأنفسهم من طرف العامة اللذين لا دراية لهم معرفيا بعلوم الزلازل حتى ولو كان ذلك على حساب تردي الحالة النفسية لدى الموطنين.


هذه الفوضى انعكست سلبا على نفسيات البسطاء من المواطنين اللذين كما قلت لا دراية لهم بعلوم الزلازل وفاقمت إحساسهم بالهلع والرعب لدرجة أن البعض أخذ يفكر بالهجرة، خاصة عندما يخرج علينا أحد الأشخاص يوميا في كل منشور له يتنبأ ويحذر المواطنين بأن يكونو على أهبة الإستعداد لزلازل خلال الأيام القادمة وعليهم أخذ الحيطة والحذر. تمر ألأيام والشهور وتتلاشى الهزات الإرتدادية في ميلة مع الوقت وتستقر جيولوجيا دونما زلازل كبيرة حدثت. فهل يريدون للمواطنين البقاء في العراء أشهر أو عقود أو حتى آلاف السنين على إعتبار أن منطقة ما سيضربها زلزال بقوة ثلاث أو أربع درجات مثلا الأمر اللذي يؤثر سلبا على أرزاقهم ونمط حياتهم. الإستمرار في نشر هذه الأخبار وهي في غالبيتها الساحقة كاذبة أخذ يثير الشبهات حول مآرب وأهداف هذه الصفحات الإليكترونية.
ما حصل في ميلة بالجزائر ترتب عليه حدوث هزات إرتدادية أخذت تتباعد زمنيا في ما بينها وتقل قوتها مع الوقت وهاذا طبيعي في أعقاب كل زلزال. لذا أدعوا الأشقاء الجزائريين أن لا يلتفتوا لأية تحذيرات كاذبة حول زلازل قادمة ويطمئنوا سيما وأن موضوع التنبؤ بالزلازل ثبت فشله رغم كل الملايين من الدولارات التي صرفت عليه بل أن معظم الجهات الرسمية في الدول التي تمول مثل هكذا مشاريع أخذت تشيع ميزانيات التنبؤ بالزلازل في إتجاه الهندسة الزلزالية.