طريق الحياة

الكاتب : فاتن سكرية

حافلة نقل لم تكن سبباً لأول سطر كتبه القدر في صفحات تلك الفتاة وإنما مصير يصعب الهروب منه أو التغلب عليه، ولا مفر سوى المواجهة لأول موقف حقيقي في الحياة، اما أن يترك أثراً جميلاً واما ان يترك بصمة مؤسفة، في اول صفحات حياة الفتاة وربما موقفاً قد يخفي أسوأ مالم تكن تتوقعه يوماً .

بينما كانت واقفة وسط الزحام داخل حافلة نقل ، ويبدو الجو حار جدا ولم تكن تعي من كان حولها ، ومن الذي ينظر اليها تمسكت بيدها اليسرى عامود يحميها من التأرجح حسب تمايل الحافلة اثناء قيادة السائ، وبينما الباقون يدفع بعضهم البعض ليأخذ كل منهم مكانه والبعض الاخر يكادون ان يفقدوا توازنهم وصوابهم من شدة الحر، ذلك اليوم واثناء وقوف الحافلة عبر المواقف المخصصة يزداد عدد الصاعدين وتعج الحافلة بالركاب، بينما هي تفتح يدها اليمنى وتلوح بها نحو وجهها لتلقي نسمة هواء تاخذ منها قليل من الاكسجين، واذا بأحد يقترب منها قليلا ويضع في بطن كفها شيء ما، تصاب بالذهول ويعم الظلام لبرهة في عيونها، وقبل ان تنفض ما في باطن يدها التفتت نحو ذلك الرجل الذي اقتحم صفو وحدتها ورغم اكتظاظ الناس حولها، نظرت اليه وهي تفتح عيناها بذهول، واذا به يبتسم يموء لها بعينه ان تنظر ما وضع لها في كفها.

لم تكن تعي انها قطعة من السكر وما ان مضى الوقت وتوقف السائق عن قيادة الحافلة معلنا عن انتهاء رحلته، واذا بها تكتشف بان قطعة السكر ماهي الا طعم يخال له الايقاع بقلبها وتطويق عنقها الذي لطالما حلمت ان تطوقه بعقد لؤلؤ تتزين به كسائر الفتيات الاميرات ، ولم تكن تعي بأنه تطوق بسلسة تقيد حراكها كيفما تحركت وربما غلطة واحدة اسقطتها أرضا فاقدة الحراك، صمدت وهي تنظر الى ذلك الرجل، يبدو بنظرها كسجان عيناه كبيرتان مفتوحتان أشبه بعينان وحش سارعة بأقتحام الازدحام الى ان فرت هاربة من نظر عيون ذلك الرجل واذا به يعترض طريقها الذي لم يبدأ بعد، ليلبسها ثوباً ابيضاً تزينه فرحة كاذبة وقلب يحترق لمصير غير معلوم لم تشعر الا بالقدر الذي كبل يديها مرسوم على وجهها ابتسامتها البريئة التي لم تفارق وجهها رغم شعورها بشيء لازالت تجهله ، الى ان وجدت نفسها بين الناس يضحكون فرحين يصفقون لها ويرشونها بالازهار العطرة ويقوموا بالتقاط الصور الفوتغرافية والفرح يعم الأجواء حولها ولكن قلبها يبدو متسائلا لما كل هذا الفرح، ولما أكون أنا ملكة هذه الفرحة، وتابعت تتراقص وتتنقل بين الحضور الى ان سمعت صوت اقدام ذلك الرجل وهو ات نحوها منضما الى فرحتها المجهولة، وبدا ينظر اليها بنظراته الوحشية الأنانية وقام بأمساكها بقوة وقاضها الى حيث لا يوجد احد لتتحول ابتسامتها الى بكاء وخوف وكأن صوت من بعيد يقول لها حان وقت افتراسك وأخذت تصرخ مستنجدة ولا من أحد يسمعها، فهناك أصوات وزغاريد وضحكات عالية، يكتموا صوت إستنجادها بالعالم الخارجي المشارك مع القدر في جريمة لا تغتفر ولاقت مصيرها بين يدي ذلك الوحش، انه المصير الأول لبداية جراح لا تنتهي، فرح يسكن خلفه ظلم وحزن يعنونه دماء تلك الفتاة، دماء سفكت على اسفلت أول طريق الحياة .