عاجل

بعد ارتفاع نسبة الفحوصات الايجابية .. توجيه حكومي صارم وفوري لجميع المواطنين

موقف القانون من إغلاق الحدود في حال تقرر الحظر الشامل

الكاتب : د. محمد حسني معابرة
 "الحظر الشامل يلوح بالأفق، وللقانون موقف واضح من حق المواطن الأردني بالدخول إلى أراضي المملكة"
 
أصبحت الصورة أكثر وضوحاً، الحظر الشامل قادم، الأخبار والمؤشرات كلها تشير إلى حظر شامل شبه مؤكد، أخبار عن صرف رواتب القطاع العام مبكراً، أخبار عن نسبة إشغال وصلت (١٠٠٪) في بعض المستشفيات، نقص في الكادر والأجهزة الطبية، دول أوروبية تتحدث عن العودة للحظر الشامل مثل فرنسا)، كلها أخبار تمهد للقرار الأكبر (الحظر الشامل).
 
ما يهمنا في هذا المقال هو مسألة إغلاق المعابر الحدودية في وجه المواطن الأردني المغترب في حال تقرر ذلك الحظر الشامل، فما هو موقف النظام القانوني الأردني من هذا الإغلاق، أو بعبارة أخرى ما هو موقف النظام القانوني الأردني من منع المواطن الأردني من الدخول إلى وطنه في حال قررت الدولة حظر شامل وإغلاق لمعابرها الحدودية بحجة السيطرة على وباء كورونا؟
 
في الحقيقة، كان لنا السبق في كتابة مقالات وأبحاث قانونية مقارنة عديدة في هذا الشأن نشرت أرقى المحلات العلمية القانونية في بداية أزمة كورونا في العام الماضي عندما أغلقت الحدود بوجه الأجنبي والأردني على حد سواء.
 
بعد النقاش مع بعض المهتمين في مجال القانون نجدهم يطرحون فكرة "حق" الدولة بإغلاق معابره الحدودية كلياً، ويستندون في ذلك القول إلى حجة " أن الظرف استثنائي (كورونا) وأن حاجة ملحة دفعت إدارة الدولة لإجراءات استثنائية (الإغلاق) للسيطرة على الفايروس"، بالمقابل فإنني كباحث قانوني واكاديمي في مجال القانون المقارن أرى خلاف ذلك، حيث أرى بأن الظرف الاستثنائي لا يبرر ولا يجيز للدولة منع "المواطن" الأردني من دخول أراضي المملكة ولا تحت أي ظرف من الظروف ولي في ذلك أسانيد قانونية واضحة، وعلى النحو الآتي:
 
"في علم القانون: الظرف الاستثنائي لا يبيح كل شيء" 
 
- أولاً: إن إعمال نظرية الظروف الطارئة والتي تخول الإدارة اتخاذ قرارات استثنائية هو أمر غير عشوائي، بل لهذه النظرية شروط وضوابط يجب مراعاتها، ومن أهم هذه الضوابط:
 
١- الاستثناء جائز ولكن لا يجوز التوسع فيه، حيث استقرت التشريعات العالمية على أن بعض من حقوق الانسان تقبل التقييد والمساس بها في الظروف الاستثنائية (droits tangibles) (مثل حرية التعبير، الحرية الشخصية، ممارسة العبادة، الحق بالتنقل، الحق في اختيار مكان الإقامة، وغيرها)، في حين أن بعض من حقوق الإنسان لا تقبل التقييد ولا المساس بها أبداً لا في الظروف العادية ولا الاستثنائية (droits intangibles)، مثل الحقوق الأساسية (الحق بالحياة، الحق بعدم التعرض للتعذيب، الحق بالعودة للوطن والدخول إليه للمواطن، الحق بعدم النفي)، وغيرها. إذا الاستثناء لا يبيح كل شيء.
 
"فرق كبير وواضح بين الحق بالتنقل والحق بالعودة والدخول للوطن" 
 
٢- هناك فرق قانوني كبير بين مفهوم الحق بالتنقل، والحق بالدخول (العودة) إلى الوطن، وهنا اتكلم عن عودة المواطن الذي يحمل جنسية البلد إلى بلده (وطنه)، حيث أن الحق بالتنقل يشمل التنقل داخل الدولة وهو حق يقبل التقييد في الظروف الاستثنائية، بحيث يجوز للدولة أن تفرض حظر تجول مثلاً فيكون الفرد ممنوعاً من التنقل داخل المدينة أو من مدينة إلى أخرى لفترات زمنية معينة، وهذا مستقر عليه في أحكام الدستور (المادة ٩ \ فقرة ٢) وجميع الاتفاقيات الدولية الصادق عليها من قبل الأردن.
 
في حين أن الحق بالعودة والدخول إلى الوطن فإنه ينصرف إلى تلك الحالة عندما يكون شخص (مواطن يحمل الجنسية) في سفر أو مقيم خارج البلد (وبغض النظر عن سبب سفره أو إقامته في الخارج) انتقل  (سافر) من مكان إقامته في "الغربة" ليعود إلى بلده ويطلب الدخول إلى أراضيه (أراضي بلده/ الدولة التي يحمل جنسيتها)، أي أننا نتحدث هنا عن تنقل من الخارج إلى الداخل. وفي الحقيقة إن لهذا الحق أحكام قانونية مختلفة عن الحق بالتنقل السابق تناولته، فإذا كان الحق بالتنقل يقبل التقييد، فإن الحق بالعودة والدخول إلى الوطن لا يقبل التقييد أبداً ولا حتى في الظروف الاستثنائية مثل جائحة كورونا، فلا تملك الدولة دستورياً وقانوناً أن تمنع مواطنيها من الدخول إلى أراضي بلدهم، بل عليها حتى وإن كان الظرف استثنائي أن تسمح لهم بالدخول ثم بعد أن يدخلوا تقيد حقهم بالتنقل أو حقهم بإختيار مكان الإقامة بحيث تلزمهم بالحجر والإقامة في مكان معين لحين التأكد من أوضاعهم الصحية.
 
"النص الدستوري الأردني يسعفنا، ولكنه يبقى نص غير واضح ويحتاج إلى إعادة صياغة" 
 
ولعل موقف الدستور الأردني في هذا الشأن غير واضح، حيث أنه - وبخلاف الدساتير العربية المقارنة- لم ينص صراحة على عدم جواز تقييد حق العودة إلى أراضي الوطن، بل إنه لم يتناول هذا الحق كحق مستقل، فنجد المادة (٩/ فقرة ١) من الدستور الأردني تنص على (عدم جواز إبعاد أردني عن ديار المملكة)، وفي تفسير مفهوم الإبعاد فإنني أرى بأن المنع من الدخول هو من قبيل الإبعاد. فالإبعاد قد يكون إيجابي (نفي شخص وإجبار على الخروج خارج المملكة)، او أبعاد سلبي (انتظارخروج الشخص بإرادته ثم منعه من الدخول إن عاد). وفي الحقيقة أنني وجدت قرارات سابقة لمحكمة العدل العليا كانت قد ذهبت فيها ابعد من ذلك عندما اجتهدت وقررت أن رفض السلطات الأردنية تزويد مواطن فقد وثائق الشخصية أثناء سفره بوثيقة سفر مؤقته هو من قبيل الإبعاد الذي حظره الدستور الأردني ولم يجيز تقييده أبداً.
 
وبقراءة الفقرات (١-٢) من المادة (٩) من الدستور الأردني نجد الفرق واضحاً في عباراتها، حيث أن الفقرة (٢) التي تناولت الحق بالتتقل على الصعيد الداخلي تنص على أن هذا الحق يمارس ضمن حدود القانون، وقالت: (لا يجوز أن يمنع من التنقل إلا في الأحوال المبينة في القانون)، وهذا يعني أن النص الدستوري هذا يسمح للقوانين العادية الأدنى من الدستور (مثل قانون الدفاع) أن  حيث أن الاستخدام اللغوي لأداة (لا + إلا) يفيد الاستثناء، تتدخل وتبين حدود ممارسة وكيفية ممارسة هذا الحق، بالمقابل نجد الفقرة (١) والتي تتناول مسألة (حظر أبعاد الأردني/ الحق بعدم الإبعاد) فإنها لا تنص على جواز تتدخل القانون في تنظيم هذا الحق، بل نجدها تكفل الحق (تحظر الإبعاد) ثم تختم بنقطة ودون إيراد عبارة (إلا بالأحوال التي يبينها القانون)، وهذا يعني في لغة القانون أن الاستثناء غير جائز هنا.
 
"حكم الاتفاقيات الدولية يسمو على القوانين العادية الداخلية وقرارات السلطة التنفيذية" 
 
من ناحية أخرى، هناك سند قانوني آخر يؤكد عدم جواز منع المواطن من دخول وطنه، وهو الاتفاقيات الدولية التي التزمت بها الدولة الأردنية (صادقت عليه) فأصبحت جزء لا يتجزأ من النظام القانوني الداخلي الساري في المملكة. ومن أهم هذه الاتفاقيات الدولية (وأحدثها): الميثاق العربي لحقوق الإنسان، حيث أن موقف هذا الميثاق والذي درجت المحاكم الأردنية على تطبيق أحكامه هو موقف واضح، وعلى النحو الآتي:
 
- هذا الميثاق يفرق بين الحق بالتتقل والحق بالعودة والدخول للوطن، ويعطي لكل منهما حكم مختلف، وذلك في المواد:
 
٢٦/ فقرة ١ والتي تنص على ما يلي: "لكل شخص يوجد بشكل قانوني على اقليم دولة طرف حرية التنقل واختيار مكان الاقامة في اية جهة من هذا الاقليم في 
حدود التشريعات النافذة".
 
٢٧/ فقرة ٢ والتي تنص على ما يلي: "لا يجوز نفي أي شخص من بلده او منعه من العودة اليه".
 
ولا حاجة للتوضيح وشرح النصوص مرة أخرى، نظراً لصراحة عباراتها، فلا اجتهاد في معرض النص.
 
من ناحية أخرى نؤكد على أن المادة (٤) من هذا الميثاق وإن كانت قد اجازت للدولة تقييد بعض الحقوق والحريات في الظروف الاستثنائية إلا أنها قامت بحصر هذه الحقوق والحريات القابلة لتقيد، فذكرت الحق بالتقل من ضمنها، ولكنها لم  تذكر (حظر المنع من الدخول / حق المواطن بالدخول والعودة إلى وطنه من ضمن هذه الحقوق الجائز تقييدها، وعدم ذكره يعني عدم جواز تقييده لأنه حق من الحقوق الأساسية للمواطن. 
 
وأخيراً نؤكد مرة أخرى على أن ما ذكر أعلاه "حول حق المواطن بالدخول والعودة إلى بلده دون قيد أو شرط وفي جميع الظروف" هو حق حصري "للمواطن" الذي يحمل جنسية الدولة، أما وبالنسبة للأجنبي الذي لا يحمل الجنسية الأردنية فلا خلاف على جواز منعه من الدخول. وفي الحقيقة نجد أن أغلب دول العالم ومنها (الكويت - فرنسا - المغرب) كانت منذ بداية الأزمة قد منعت الأجانب من دخول البلاد (أغلقت الحدود أمامهم) ولكنها لم تمنع مواطنيها من الدخول وسمحت لهم بالدخول من كافة المعابر الحدودية بحرية.
 
أخيراً، وفي حال قررت الحكومة الأردنية العودة للحظر الشامل، فنتمنى عليها أن تلتزم بأحكام الدستور والاتفاقيات الدولية، بحيث تغلق الحدود بمواجهة الأجانب وفتحها أمام المواطن، بحيث تسمح للمواطن (من يحمل الجنسية الأردنية) بالدخول إلى أراضي المملكة، ثم يكون مقبولاً أن تلزمه بإجراءات وقيود معينة بعد دخوله كما بينت أعلاه، فنحن أولاً وأخيراً نعيش في دولة قانون يسمو ويعلو فيها حكم الدستور والاتفاقيات الدولية على أحكام القوانين العادية والقرارات الإدارية. 
 
وأما من ناحية الأثر القانوني المترتب على منع المواطن من الدخول إلى وطنه، فإننا في هذه الحالة نتكلم عن انتهاك لحق، وهذا يعني ثبوت الحق للمعتدى على حقه بالمطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت به جراء منعه من الدخول والعودة إلى وطنه/بلده التي يحمل جنسيتها، ويكون ذلك من خلال اتباع الإجراءات القانونية والقضائية ورفع دعوى.
 
 
* د. محمد حسني معابرة
مساعد عميد كلية القانون – جامعة اليرموك وعضو هيئة تدريس في قسم القانون العام،
باحث في معهد القانون المقارن – جامعة السوربون (باريس الأولى).