يصلحه الله في ليلة


الكاتب : صابر العبادي

 هذه الجملة وردت في بعض الأحاديث، ولكني لن أتعرض للحديث لا إثباتاً ولا نفياً، لكن سأناقش فكرة مهمة تتعلق بالانسان عند ايمانه بالخالق، وما الذي يريده الخالق من هذا المخلوق العاقل حتى تستقيم الحياة على الأرض المستخلف عليها، ويفوز بالجنة في آخر المطاف، والأهم هل يمكن لشخص وحيد أن يقلب المجتمع رأسا على عقب في وقت قصير دون الأخذ بالأسباب التي اتبعها الرسل؟..

أراد الله سبحانه وتعالى من الانسان صاحب العقل أن يكون حراً في اختياره الايمان أو الكفر وعليه أن يتحمل نتائج قراره الحر..
والارادة الحرة التي منحها الله سبحانه وتعالى للانسان لا يتدخل بها أحد حتى الأنبياء حُصرت مهمتهم في دعوة الناس الى الايمان، وهم أحرار يقبلون أو يرفضون ويتحملون قرارهم أمام الله، وكان هذا دأب الانبياء يدعون الناس الى الله ويتركون لهم ممارسة ارادتهم التي منحها الله لهم، وأكثر الأنبياء كُذبوا، لكن بقيت ارادة الانسان في ايمانه هي خياره، ولذلك كل المعجزات التي جاء بها الأنبياء لم يكن منها معجزة واحدة تتسلط على هذه الارادة الحرة للانسان.. حتى إن أقوى المعجزات التي أجراها الله على أيدي أنبياء بني اسرائيل كانت لإقناع الناس بأنهم مرسلون يتلقون عن الله فقط، فسيدنا موسى كانت له العصا التي تصير حية تسعى وتبتلع حبال السحرة وتفلق البحر، لكنه لم يلوّح بها لفرعون وملئه وإذا هم مؤمنون برسالته، لأن الايمان يحتاج حرية لا إجباراً، وكذلك سيدنا عيسى عليه السلام، أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى بإذن الله، ولم يُعط معجزة التدخل في الارادة الحرة للإنسان، فلم يعط معجزة أن يمسح بيده على المنكر فيصبح مؤمناً..
كل الانبياء المسلحين بالوحي، خاطبوا عقل الإنسان ودعوا بالطريقة نفسها البشر الى الايمان بالله وإقامة حكمه في الأرض دون قصره على ذلك.. فكان الخطاب الرباني لسيدنا محمد.. ليس عليك هداهم.. الآية   
وقال تعالى (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)..
القصد من كل ما سبق هو أن أي دعوة تقول أن التغيير يأتي من الله دون أن يبذل الإنسان الجهد (والله سبحانه قادر على جعل الانسان مبرمج كسائر المخلوقات)، ولكنها ارادته سبحانه أن يبذل الانسان وسعه ويؤمن بارادته الحرة ثم يعمل ويصل الى ما أراده الله منه وهو إعمار الأرض.. 
وأي دعوة ترجئك الى نبوءات مستقبلية تجيء بالتغيير القصري من الله هي دعوات تثبيط، ولم يعطها الله لأنبيائه.. وإرادة الله نافذة على الانسان بأن يصدع هو بأمر الله ويقيم حكمه في الأرض..
الإنسان هو المعني وعليه أن يأخذ بالأسباب كما أخذ الانبياء بالأسباب ولم يستعملوا معجزاتهم لتغيير ارادته الحرة بل كانت المعجزات لإقناعه فقط لا السيطرة عليه، سيدنا محمد  جهر بالدعوة وتلقى الأذى وكون جماعة وتابع عمله بلا معجزات تغير حرية الناس في الاختيار، حتى كون الدولة ولم ينتظر أن يقلب الله قلوب البشر ويقصرهم على الايمان، بل حتى كان خيار انهاء حياتهم واستبدالهم أولى من تغيير قناعاتهم بأمر إلهي.. 
واذا لم يؤمن الناس أو فهموا المعجزات خطأ كأن ألهوا النبي ورفعوه فوق البشر فهذا شأنهم وسيحاسبون على خطئهم..
لذلك فكرة "يصلحه الله في ليلة"، لا تنسجم مع سنن الله في خلقه، والشخص إذا كان صالحا ومصلحا، لا يعني أنه يملك قلوب الناس ويغيرها كيف يشاء، والله سبحانه قرر هذه الحقيقة وقص علينا في كتابه العزيز قصص الكثير من الأنبياء الصالحين الذين بذلوا الجهد في الدعوة ومنهم من قضى ألف عام، ولم يستجب له قومه، وقدم لهم المعجزات فأبوا الا نفورا.. وانتهت دعوته! ولم يفشل الرسل ولكن الناس الذين أعطوا حرية الاختيار فشلوا في التلقي عنه وكان لهم كامل الحرية لتقام الحجة عليهم..
أما في زمننا فهناك قوى استعمارية ودول مارقة تريد من الدين أن يصب في مصلحتهم.. فشجعوا انتظار المستقبل العقيم، والتواكل على الله والتخلي عن حريتهم بافترائهم على الله أنه هو من أراد ويريد هذا الواقع البئيس الذي نعيشه.. وتخلوا عن نصوص القرآن التي تدفعهم لمحاربة الظلم وإقامة الدين في أنفسهم وفي المجتمع..
ثم التعلق بشخص وننتظر أن يغير واقع الناس في ليلة فهذا أيضاً نوع من انواع التثبيط، فالشخص وحده لا يغير حتى لو امتلك المعجزات، ولا يستطيع أن يغير الا من خلال الناس، بالطرق المعروفة، ومهما كان مؤيداً لا يستطيع أن يقود مجتمعاً من المتواكلين والمحبطين والكسالى، فالمعجزات لا تقصر الناس على الايمان ولا تبني دولاً، فهي متعلقة بإثبات أن الرسول مرسل من الله فقط..