عاجل

استمرار تعليق الدوام الوجاهي - تفاصيل

كتبنا وما كتبنا


الكاتب : د. محمود العمر العمور

        كلمات أغنية لفيروز؛ كتبنا وما كتبنا، يا خسارة ما كتبنا، رغم أنها تقصد رسائل المحبوب، إلا أن كلمات تلك الأغنية تمثل واقع نعيشه بمختلف صوره وارهاصاته.

       ويكأن الواقع المؤلم أصبح كالسيل العرم، يجرف كل شيء في طريقه، فلا تستطيع الوقوف في وجهه لا العادات والتقاليد، ولا الأعراف، ولا حتى العقائد والمبادئ، فلم يعد يجدي معه قول ولا كتابة، فالخطب والندوات والمحاضرات والدروس؛ اعتادها الناس حتى أصبحت كصافرة القطار، يطلقها ايذانا بوصوله واحيانا تحذيرا لخطر داهم، فعتادها الناس، فلا يدركون خطر التحذير إلا بعد وقوع الكارثة.
 
       أما الكتابة... فأصبحت وكأنها خربشات وطلاسم، فأمة لا تقرأ... كيف ستؤثر فيها الكتابة؟ وإذا قرأت لا تتدبر، وإذا تدبرت لا تعمل، كتبنا وما كتبنا، يا خسارة ما كتبنا.
       الآلاف من المقالات، والتقارير، والقصائد، النثر والشعر، تضع يدها على الجرح، تشخص الواقع المؤلم، تقترح الحلول، تصف الداء والدواء، ولكنها تذهب ادراج الرياح، ويكأنها صيحة في واد، أو نفخة في رماد.
 
       الحكومات لم تعد تسمع إلا لصوتها فقط، وتنظر بعين الفوقية لكل كتابة تحاول أن تنير في النفق شمعة، آلاف الشموع تذوب حتى تنطفئ، فلا يبقى من أثرها سوى بقية دخان تذروه الرياح، بل وتُضيق على حرية الكلمة، قوانين وأنظمة تخنق القلم، فتطفو جثته فوق الورق، فتموت الكلمة في رحمها.
 
       والشعوب القاهرة المقهورة، القاهرة لبعضها، المقهورة لحكوماتها، لا وقت لديها للقراءة، وإن فعل البعض، لا يقدر على تغير واقع، تلتهمه فقاعات فارغة، لا طعم ولا لون ولا رائحة، تأكل بقية وريقات خضراء في وسط بستان شوكي يابس، تشتعل فيه النار من شرارة، فلا تبقي ولا تذر.