ركوب البحر بظلماته واسراره


الكاتب : أ.د.فايز ابو عريضة

في صيف 1985 ركبنا البحر في باخرة ركاب  تدعى بيلاروسيا (اسم احدى جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق)، وتعبر من اكبر سفن الركاب في العالم وتجوب البحر الاسود والابيض المتوسط في جولة متواصلة ،وتتوقف صباحا في مدن ساحلية على محطات متتالية، ولها تقاليد بحيث تتنوع اطباق الطعام تبعا  للمنطقة التي تمر فيها ،وكنت برفقة الصديق والاخ الرفيق الدكتور  عماد عبد الحق ،وللامانة والتاريخ كان الفضل له في تشجيعي على تلك الرحلة التي تعرفت فيها على الكثير من عادات الشعوب المتنوعة التي كانت تركب الباخرة وتنزل في المحطة التي ترغب في التوجه اليها ،وكانت البداية من ميناء اوديسا على البحر الاسود وبعد ان تتسلم ادارة الباخرة جوازات سفر الركاب والاجراءات الروتينية بدات الرحلة الى المحطة الاولى في ميناء نارفا في شواطئ بلغاريا على البحر الاسود ولم تدم الا لساعات محدودة، لانها كانت ضمن المنظومة الاشتراكية والتي كانت تدور في فلك حلف وارسو ومتاحة  دون عناء للوصول اليها من دول الحلف، والذي كانوا يشكلون معظم ركاب السفينة قبل التحاق القوميات الاخرى في محطة إستانبول وغيرها من الجنوب والغرب الأوروبي، والتي وصلنا اليها صباح اليوم التالي، وكالعادة المتبعة في مثل هذه الرحلات يغادر الركاب  السفينة الى البلد التي تصل اليها، وباشهار قطعة من البلاستيك تحمل شعار الباخرة مع رقم كرمز لصاحبها وتعتبر هوية تميز ركاب البحر،  وهي هوية للعبور الى المدن لمدة متفق عليها لا تتجاوز اليوم الواحد، وكانت المحطة الثانية في ميناء بيريه باثينا باليونان، وكان  يوما ممتعا برؤية الاثار وخاصة الاولمبية منها، والتي تدخل في صلب اهتماماتنا، ومنها الى مدينتي جنوه ونابولي في ايطاليا والتي تحكي تاريخ مدن المتوسط في العادات والتقاليد الايطالية والتراث المعماري للمدن الايطالية، وكانت محطة مرسيليا الفرنسية غير سارة لصعود رجل امن فرنسي وسمح لكل الركاب النزول ما عدا العرب وبعض القوميات من اوروبا الشرقية، ومع هذا لم نلتزم بل غادرنا إلى مدينة مرسيليا بعد اختفاء رجل الامن الفرنسي، وقضينا يوما في المدينة  والتي تعج بالعرب من شمال افريقيا، وشأنها شان مدن المتوسط في العمارة والثقافة، واما الاختلاف الذي شهدناه في برشلونة والذي يميز مدن اسبانيا الكتالونية عن المتوسطية، وعثرنا فيها على باخرة كولمبس ترسو على شاطئ برشلونة، والذي اكتشف بها قارة اميركا بالصدفة، وشهدنا الكنيسة التاريخية في وسط المدينة والتي استغرق تشييدها قرنا من الزمان من الاب الى الابن والحفيد، ولا زال البناء مستمرا، بعد ان تناوبوا على بناءها، واستمعنا الى التشوية المتعمد للصورة العربية في تاريخ الاندلس وتلميع الرواية الصهيونية من المترجمة الاسبانية والتي تصدى لها بعض الطلبة العرب من بلدان متعددة بالرد عليها، وكانت فاليتا  عاصمة جزيرة مالطا في جنوب المتوسط والذي بدانا بمجرد خروحنا من الميناء بمشاهدة فاكهة الصبر والتين  يباع على الطرقات وكاننا في احدى المدن العربية، وبلهجة ولكنة تحسبها عربية ولكنها الاقرب للغتهم، وفي رحلة العودة الى استانبول شعرت بظلمات البحر السبع لطول المسافة دون توقف والجلوس الطويل على ظهر السفينة والتفكر في الكون والخالق( سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وانا إلى ربنا لمنقلبون) ، وكانت تقام حفلات ليلية للمسافرين تبعا لقومياتهم،  وخاصة انهم كانوا يتغيرون من محطة لاخرى حيث يصعد اقوام وتنزل اخرى، وكانت نهاية الرحلة التي استغرقت اسبوعين بالعبور مرة اخرى بممر البسفور الاجباري والنزول ثانية باستانبول والتي قيل  فيها :لو كان للعالم عاصمة لكانت استانبول:، وعرجنا لساعات الى يالطا في زاوية القرم في البحر لاسود والتي شهدت تقسيم العالم بين الحلفاء بعد الحرب العالمية الثانية في ربيع 1945 بعد ان رسمها ستالين وتشريشل وروزفلت في ذلك الموتمر ، وكانت اوديسا البداية والنهاية ولا ننسى انه من تعليمات الركوب ان تشارك في تدريب وهمي على الهبوط الاضطراري من السفينة  الى قوارب النجاة التي تلتف حول السفينة وبلباس الغطس في حال التعرض للخطر لا سمح الله ولنا في قوله  تعالى في محكم تنزيلة الايات والحكمة: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ،) . صدق الله العظيم