عاجل

ماذا تعرف عن الزواج ... الرباط المقدس ؟؟


الكاتب : المحامية روحية قدرة
 يعصف في ذهن الكثير من شبابنا في وقتنا الحاضر العديد من الأسئلة حول الزواج ، فتراهم تائهين في بحر الحياة ، تتخبط بهم الافكار والظنون ،  منهم من يظن أنه متجهٌ نحو المجهول ، ومنهم من يظن انه داخلٌ في ملحمة مدوية ، ومنهم من ينظرإلى الزواج بعيون سوداء بعيدة عن الأمل ، ومنهم من يدمن القصص الخيالية فيرى نفسه يدورفي قصة خيالية هو بطلها ، ومنهم من يغط في سباتٍ عميقٍ ، هائم واهم بلا فكر، يأمل أن تأتيه الحياة طائعة ..فمن أنت من أولئك ..؟.
 
      إننا نضع في اليوم الواحد مئات القرارات والخطط التي تؤثر على مستقبلنا ، الزواج أولى تلك القرارات بل و أهمها...!
لذلك لابد أن نتساءل ...ما التغيرات التي طرأت وغيرت نظرتنا عن الزواج ؟ هل الزواج مجرد عرض الارتباط ؟ أم هل هو تجربة نخوضها بتوفيق من الحظ ؟ ماهي المفاهيم الصحيحة للوصول إلى حياة زوجية ايجابية ؟
لأهمية ذلك لابد من تسليط الضوء لمعرفة المفاهيم الصحيحة حول الزواج و والمشاكل التي تدور حوله مع محاولة إيجاد بعض الحلول الفعالة لها .
 
        الزواج هو اتفاق بين رجل وامرأة على نية الاستمرار والدوام ،غايته الإحصان والعفاف وإنشاء أسرة مستقرة . 
عرفه قانون الأحوال الشخصية الأردني ، في المادة (5) : ( عقد بين رجل وامرأة تحل له شرعاً لتكوين أسرة وإيجاد نسل )
 فقد وصفه الله عزوجل بالميثاق الغليظ  لأهميته وعظيم شأنه، وتعني العهد القوي المتين الذي تأخذه الزوجة من الزوج عند عقد الزواج ، وفي ذلك إشارة لقوة هذا العقد ومتانته ،فهو كالثوب المتين الذي يعسر تمزيقه.
 النساء :21{وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا} قال تعالى في كتابه العزيز :
وبالتالي فإن الميثاق الغليظ آية من آيات الله عزوجل تقتضي حسن المعاشرة، والمودة، والرحمة ،والوفاء ،والتفاهم ، والستر، كما ورد في محكم التنزيل حيث قال تعالى : 
{ وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا لِّتَسْكُنُوٓاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لآيَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُون  }
وفي قانون الأحوال الشخصية الاردني نصت المادة (77) :
( على كل واحد من الزوجين أن يحسن معاشرة الآخر ومعاملته بالمعروف وإحصان كل منهما للآخر وتبادل الاحترام والمودة والرحمة والحفاظ على مصلحة الأسرة ) .
 
        كان الزواج قديماً يحمل معاني الألفة والصبر والوفاء والتضحية ، كان يحقق الديمومة والاستقرار، وحسن المعاشرة، ويحظى بسمة القدسية ..   
   فهل ما زال الزواج في وقتنا الحاضر يحقق معنى الميثاق الغليظ و يحظى بسمة القدسية التي وجد من أجلها ؟
 
      لقد شهدنا في وقتنا الحالي تغيرات بالقيم والعادات، ولم تكن جميع هذه التغيرات إيجابية ، فمنها ما هو متناسق مع تغيرات العصر سواء قبلنا أو رفضنا ، ومنها ما هو غير متناسق ......!!!   
      مما لاشك فيه أننا نلاحظ طروء التغيير على المفاهيم والمعايير والنظرة للزواج بسبب تغير نمطية الفكر والقيم والعادات في المجتمع التي تؤدي إلى فرض شروط قاسية لقبول الشريك وبالتالي تأخرسن الزواج فينتج عن ذلك العديد من الظواهر منها : ظهور ألقاب مجتمعية كالعنوسة ، العزوف عن الزواج  ، الانحراف، الزواج من جنسيات أخرى تختلف بالعادات والتقاليد . 
         بالإضافة إلى تغير نمط تربية الآباء لأبنائهم التي تحول دون وعي لتحمل المسؤولية ؛ مما جعل الفرد يتمسك ببعض المفاهيم الخاطئة حول الزواج ،كمفهوم أن الزواج ارتباط ومسؤولية تحد من الحرية والاستقلالية . أما من يرى الزواج بعيون سوداء نراه يهتف ( شهادتي هي سلاحي ) إشاره إلى أن العلم والشهادة سلاح يحمي به نفسه من عواقب فشل الزواج .    
      
        ولا ننكر تغير الأوضاع الاقتصادية  التي تتمحور حول غلاء المعيشة ، وتدني الأجور  ،وغلاء المهور وكذلك تفشي  فنون التباهي بالمظاهر والماديات التي تتطلب تكاليف باهظة لإقامة حفل الزفاف، وتجهيز بيت الزوجية ...إلخ 
 في حين لا يقتصر الزواج على تلك التجهيزات فحسب بل يتعدى إلى نفقات ومصاريف الحياة الزوجية  وما ينشأ عنها       كتكوين الأسرة وإنجاب الأطفال الذين هم ثمرة هذا الزواج وما يتطلبه ذلك من نفقات .
 والحقيقة أن ذلك لايتناسب مع قدرة الشاب المقبل على الزواج ؛ مما يضطره للاقتراض ،فيترتب على ذلك كثرة الطلبات    والمسؤوليات والضغوطات ، ويرهن عمره ومستقبله لقضاء الديون ، فيجد نفسه غير قادرعلى الالتزام فتتفاقم المشاكل    وتصعب الحياة الزوجية  . 
 ناهيك عن الانفتاح التكنولوجي الذي وفر البيئة المناسبة للتواصل مع الجنس الآخر من خلال الشات مما أدى إلى الاكتفاء والعزوف عن الزواج لغير المتزوجين ، بل وأكثر من ذلك حيث مسّ المتزوجين فقطع شريان الحياة الزوجية !!
 
 فلماذا يدخل الشباب في دائرة هذه المشكلات طواعية ..؟؟
 
        لقد حان الوقت لتجاوز هذه الظواهر فقد ضجت المحاكم الشرعية بالقضايا المتعلقة بالأسرة ، فهذه فتاة في مقتبل العمر ترتاد المحكمة لطلب نفقة زوجة ، وتلك تطالب بنفقة صغار، وأخرى تطالب بأجرة حضانة ومسكن ، وأولئك أزواج تجاوزوا الخمسين من عمرهم يطلبون الطلاق .. !!!
 
      أي شيء تريد أكثر من هذا ؟؟
 
       هناك من يرى شبه انعدام للحلول في ظل واقع الحال الذي نعيشه  ...!!!
ولكني أقول : الحل الأساسي يبدأ بتكاثف الجهود والتعاون من قبل الجهات المسؤولة  لتحقيق التوازن لمواجهة هذه االظواهر 
فالأسرة لها دور فاعل في التربية الصالحة القائمة على تحمل المسؤولية والصبرومعرفة الحقوق والواجبات علاوة على دورها في تخفيض المهوروالمتطلبات اللازمة للزواج .
ويعزز ذلك دور الإعلام في توعية الشباب بأهمية الزواج وتكوين أسرة متماسكة وأثر ذلك في نهضة المجتمع وتطوره .
بالإضافة إلى دور التربية والتعليم في نشر الوعي حول موضوع الزواج من خلال المناهج التعليمية والندوات التثقيفية للمراحل الجامعية .
وللدولة الدور الأكبر في دعم الشباب المقبلين على الزواج من خلال إيجاد فرص عمل للعاطلين، وإنشاء صناديق دعم للمقبلين على الزواج ، وتوفير القروض الحسنة ، وتوفير متطلبات الزواج بأسعار مخفّضة بالتعاون مع الجمعيات التعاونية .
 
نعم ،هذا ما نشهده في وقتنا الحالي حيث لم تعد مشكلة الزواج في وقتنا الحاضر تقتصر على تكاليف إقامة حفل الزفاف وتأمين متطلبات الزواج ، بل تعدت فأصبحت المشكلة الحقيقية تكمن في إمكانية إطالة أمد الزواج وتحقيق الغاية من إيجاده ،حيث  اختل التوازن بين المسؤوليات والتكاليف والأهداف، و لم يعد الزواج يتسم بالقدسية التي كنا نشهدها قديماً ، بالرغم من التطور الهائل الذي شهدته البلاد .
نستنتج مما سبق أن الزواج ليس بالأمر اليسير الذي يستهان به  فهو بداية لمرحلة جديدة من حياتنا ، يجب أن تحمل في طياتها قدسية العلاقة الزوجية على أسس متينة  تراعي الالتزام بالحقوق والواجبات  في ظل بيئة تسودها الرحمة والمودة والمعاشرة بالمعروف ؛ للحفاظ على مصلحة الاسرة التي تعد اللبنة الأساسية للمجتمع ؛ وتكاثف الجهود لتحقيق الأمن و الاستقرار لها ؛ لإعادة القدسية للحياة الزوجية ..