معلم .. من .. إلى


04/09/2018 18:26

صابر العبادي

 لم يَدُر في خلده يوما أن يدخل التربية والتعليم معلماً، ولم تتح له الحياة اختيار طريقه، بل تدافع مع المئات فاندفع صدفة في طريق التعليم! حاول أن يتفاءل ويرسم في خياله صورة عظيمة لبطل مناضل يحارب الجهل والانحراف والظلام.. مرتكزا الى موروث ثقافي غزير يعلي من قدر المعلم ويجعله في مقدمة المجتمع!

 
كانت الصور التي يرسمها لواقعه الجديد سوداوية، رغم تفاؤله، لم ينم تلك الليلة التي ستنبلج عن أول يوم له في الوظيفة، تقلب طويلا على فراشه، مرت في سمائه إغفاءات تحمل كوابيس مخيفة.. أبرز صورها المتحركة رجل يمتطي غيمة ممسكاً بأعنتها وهي جامحة تصهل، وفجأة يغيّر مخرج الكابوس المشهد ويُظهرُ وجه الفارس على كامل الشاشة، وإذ هو مدير مدرسته عندما دخل الصف الأول، وجه متجهمٌ نزق، عينان حمراوان أدمتها هزائم العرب المتكررة في العقود الماضية..
 
لم تنته كوابيسه عند هذا الحد، كان العقل الباطن الموكّل بالكوابيس، يلملم كل مشاهد حياته النكدة من أن دخل المدرسة حتى خرج منها في كيس ثم يفرغها فوق رأسه وهو نائم، صورٌ تتساقط ومقاطع متحركة تتهاوى الى جاني أذنيه، ومقاطع "تقرقع" هاوية الى الأرض، أرهقته هذه الليلة فقرر أن يصحو الى الصباح، فالأفكار أهون من الكوابيس..
 
أسرع الى المدرسة المحددة له، كانت صغيرة ونائية، الطلبة وادعون، وهو معلم وحيد، شعر لوهلة أنه محظوظ رغم بعض المنغصات التي كانت تتعلق بالطريق والوحدة وتعليمات الوزارة والراتب الهزيل، اعتبرها سنة تمهيدية وانتهت، فألقي به بعدها الى المدينة، يعاضل كل شيء يقابله.
 
توالت السنون، وكل سنة تمر تُلقي صخرة فوق روحه.. كان ينظر اليها وهي تدفن سنة بعد سنة تحت هرم من الصخور، صارت حياتة بلا كوابيس ولا أفكار سوداوية، أصبحت شريطا متصلا من الهلوسات والنزق!! إذا مشى يحدث نفسه عن واقع حقير يظل يلعنه حتى يتعب، يرى الطلبة شياطين حقيرة يصرف لهم: "يحرق أبو اللي خلفهم" أما المديرون فيرى أن الخيانة عنوانهم والجبن والخسة شعارهم، والزملاء في عينيه ما هم الا خراف لا تستطيع أن تدافع عن نفسها أمام هذا التغول الحكومي والمجتمعي على مهنة الأصل أن يعلوا من شأنها، شعر أنه دخل في "زعرورة" كل حركة تعني له طعنة.
 
في اليوم الأخير بعد أن أكمل مدته وحصل على التقاعد، كان يجلس على طرف الكرسي في غرفة المعلمين، كان يشعر بحركة زملائه ووشوشات تخشخش بين الفينة والأخرى، أخذ نفسا مسح رأسه الذي لم يبق به شعرة سوداء، وسأل عن هذه الحركة، قال أقربهم: نجمع من الزملاء حتى نكرمك في آخر يوم لك، حك صدره الشعور، وحلف أن يشاركهم في التكلفة.. أكرموه واحتفى به المدير، وعندما هم بالخروج، أدرك أنه بحاجة ليقول كلمة أخيرة، فاستدار واقفا على باب الإدارة وقال قولته الأخيرة  دوت في جموع زملائه الى آخر معلم: "كل شعرة في جسمي تكرة التربية والتعليم" ثم غادر مشيا الى وجهته.. تابعته بعض عيون الطلبة حتى اختفى وراء أكمة السنديان، .. وصارت تنمو شجيرات الحكايات عنه...