صحافة الحكومة .. وصحافة الناس

mainThumb

26-09-2007 12:00 AM

صباح الاثنين الماضي.. خرجت الصحف الحكومية الثلاث في مصر تحمل عنوانا رئيسا واحدا يتحدث عن قيام الرئيس مبارك بتوزيع شقق على محدودي الدخل في منطقة 6 أكتوبر . الخبر طبعا احتل الواجهة الرئيسة للصفحات الأولى من الأهرام والأخبار والجمهورية التي تعتبر نشاط الرئيس هو أحق الأخبار بالتغطية وتحدثت الصحف الحكومية جميعها بنفس اللهجة التي تمجد في الحدث وتجعل من يقرأه يعتقد أن أزمة الإسكان في مصر قد انتهت تماما بعد قيام الرئيس بتوزيع الشقق على المواطنين الغلابة.

ولكن نفس هذا الخبر تمت تغطيته في صحيفة المصري اليوم (المستقلة) الصادرة في نفس الصباح بطريقة أخرى.. فهو لم يحتل واجهة الصحيفة وإنما ثلاثة أعمدة جانبية في الصفحة الأولى.. ولم يتحدث بلغة التمجيد الحكومية وإنما حمل عنوانا يقول: "ذهب الرئيس إلى 6 أكتوبر لتسليم 20 شقة فتعرض مليون مواطن للحصار". وحمل التقرير صورة لآلاف السيارات التي تكدست عند المحاور المرورية المنطلقة من قلب القاهرة إلى 6 أكتوبر والتي تعرضت للشلل التام لساعات طويلة بسبب إجراءات تأمين موكب الرئيس (الذي ذهب إلى المنطقة في طائرة هليكوبتر !!) في نفس الصباح.

كان العنوان الرئيسي لصحيفة الدستور المستقلة (التي يلاحق رئيس تحريرها إبراهيم عيسى قضائيا ) هو إضراب واعتصام 27 ألف عامل في مصانع غزل المحلة.. وهي واحدة من أكبر المعاقل الصناعية في مصر.. وكان هذا هو نفس العنوان الرئيسي لصحيفة المصري اليوم المستقلة والتي نشرت صورة مؤثرة لهؤلاء العمال المعتصمين وعرضت مطالبهم.. هذا الخبر لم تهتم الصحف الحكومية بنشره إلا على عمود في الصفحة الأولى.. ودون ذكر أخبار الاعتصام وإنما بذكر أن الحكومة قررت منح عمال غزل المحلة 40 يوما وأن إدارة الشركة قدمت بلاغا للنيابة ضد بعض العمال الذين يتسببون في إثارة البلبلة داخل الشركة.

هذا الاستعراض السريع لما تحمله صحف الحكومة وما تحمله الصحف المستقلة يحدد على وجه دقيق أسباب الأزمة التي تعيشها الصحافة المصرية هذه الأيام وتهدد رؤساء تحرير الصحف المستقلة بالسجن والبهدلة والملاحقة القضائية.. فليس صحيحا أن المشكلة هي شائعة انتشرت أو خبر نشر هنا أو هناك.. ولكن الصحيح أن السياسة التحريرية للصحف المستقلة خرجت عن القواعد المستقرة في الصحافة الحكومية.. لم يعد صوت الحكومة هو الأساس في صياغة العناوين وإنتقاء الأخبار وتوجيهها.. وإنما أصبح صوت الناس وصورتهم هو الأعلى.. وهذا ما سحب البساط من تحت أقدام الصحافة الحكومية وجعلها تتردى في أرقام التوزيع.

فالقارئ لن يشتري صحيفة تحمل في كل يوم نفس العناوين ونفس التصريحات الحكومية ونفس الصور للرئيس أو حرم الرئيس أو إبن الرئيس أو أي مسؤول حكومي كبير يفتتح مشروعا هنا أو هناك ويقدم تصريحات (وردية) ليس لها أي علاقة بالواقع (غير الوردي) الذي يعيشه الناس.. وإنما يرغب القارئ في أن يتابع الصحف التي تعرض له الأخبار الحقيقية التي تحدث في الشارع وتمسه بشكل مباشر.. الصحافة التي تجعل بطل القصة وبطل الخبر هو المواطن العادي البسيط وليس المسؤول الحكومي الكبير .

هذا هو الصراع الصحفي الحقيقي في مصر.. وهذا هو السبب الذي جعل صحفيين كبار ينتمون للصحافة الحكومية ينضمون إلى الحملة التي ترغب في قص ريش الصحف المستقلة وتحرض على رموزها وتقف موقف المتفرج والشامت في سجن رؤساء تحرير الصحف المستقلة.. فهي الصحافة التي كشفت الزيف والنفاق الحكومي ونجحت في جعل المؤسسات الصحفية الكبرى التي تعاني من مشاكل اقتصادية فادحة بسبب الفساد تعاني أيضا من تدهور متزايد في التوزيع والتأثير في الشارع بعد أن تحولت إلى نشرات رسمية يومية ليس لها لون ولا طعم ولا رائحة.