أنقذوا آثار حلب

mainThumb

04-10-2012 10:47 AM

 من ينحر مدينة ويرقص على أشلائها بداعي التحرير أو التطهير، ينحر بلدا ويقتل شعبا ولا يرتوي.

 
الجريمة التي ترتكب بحق مدينة حلب، العريقة بتاريخها وآثارها وقلعتها وأسواقها، عرت النظام السوري، وعرت الثوار أيضا، ولا تبرير لأي طرف. كشفت عن جهلهم العميق، وعن أن مفهومهم للتحرير والدين خطأ مضاعف. غارقون في الجهل عن تراث بلدهم وأهميته وتاريخه وعراقته. الجهل الثقافي والجهل الديني يدمران المستقبل. الجريمة التي ترتكب بحق حلب منذ أشهر، تكشف عن أن الطرفين «المستقتلين» لإلغاء بعضهما البعض على استعداد أن يفعلا كل شيء، من دمار وارتكاب جرائم، ومن ثم غسل الأيدي، لأنه في هذه الحالة، حالة الحرب حتى النهاية، يسهل دائما اتهام الطرف الآخر. لكن، ليس هناك من بريء. حتى الدول التي تدعم الطرفين تلطخت أيديها وضمائرها بدم المدينة. ودماء التاريخ والتراث والآثار والعراقة دائما ثقيل ومقلق.
 
كشف النظام السوري عن إجرام متأصل فيه، وتبين أن الرئيس بشار الأسد اقتنع أثناء حكمه بإعادة ترميم آثار حلب، من أجل جلب السياح وللعلاقات العامة فقط، وليس انطلاقا من قناعة باحترام تاريخ بلاده، وحملة التدمير المبرمج التي قام بها من دون أي ردع ضد البشر والمدن، لم تتعب ضميره كثيرا، لكن، ماذا كان يفعل المقاتلون في السوق القديمة، ولماذا ذهبوا إلى هناك كما فعلوا؟
 
عندما وصلوا في بداية شهر أغسطس (آب) الماضي إلى القلعة، كانوا السبب في تدمير أحد أبوابها التاريخية من قبل جيش مطلوب منه ألا يترك إنسانا حيا يقف في وجهه، أو مدماكا واقفا، أو شاهدا على تاريخ وحضارة.
 
الجريمة التي ارتكبت بحق آثار وتراث حلب، كشفت وللأسف عن أن هؤلاء ليسوا بمحررين. وإذا كانوا من الريف فهم يؤكدون ما يردده المؤرخون، من أن ثورة تنطلق من الريف لا تؤدي إلى انتصار، إذا لم تسقط العاصمة والمدن.
 
من حرك أبناء الريف لتحويل تذمرهم الاجتماعي إلى ثورة ضد التراث والعراقة والتاريخ، هؤلاء ليسوا على مستوى المطالبة بالتحرير وتغيير النظام إلى نظام أفضل.
 
إذا قارنا ما جرى في حلب، وأيضا في دمشق من نسف وتفجير للأبنية التاريخية، بما جرى في بداية «الربيع العربي» في تونس ومصر، نلاحظ أنه كانت هناك ثقافة وتنوير. وعندما حاولت مجموعة من الغوغائيين الهجوم على المتحف المصري، هب البقية لحماية تاريخهم وآثاره. في البداية، في تونس ومصر، كان الثوار يعرفون من هم، وأي تاريخ عريق يقف وراءهم وماذا يريدون. لذلك وقع العالم كله في حبهم. صارت شعوب كثيرة تقلدهم في مظاهراتهم الاجتماعية، حتى في إسرائيل خرجت مظاهرات تطالب بتحسين ظروف المعيشة.
 
في سوريا بدأت هكذا، لكن تبين لاحقا خصوصا مع انسحاب شخصيات من المجلس الوطني السوري، أن لا سبيل للتواصل مع أطراف لا تتطلع إلا إلى التدمير من أجل الوصول إلى أهدافها.
 
المشكلة لدى الطرفين في سوريا، أن العقيدة ضيقة، إن كانت عقيدة حزب البعث، أو العقيدة الدينية غير الحقيقية لدى أطراف أخرى، عقيدة لا تقبل التمحيص والتحليل والتفكير بما يطرح عليها.
 
يقول عمر الحلاج، المدير التنفيذي للأمانة السورية للتنمية وصيانة المباني الذي عمل في الترميم والمحافظة على الآثار والتراث في سوريا وفي اليمن: عندما ذهبنا لأول مرة إلى مدينة «زابيد» في اليمن للكشف عن الآثار، بدأ الإمام المحلي يذهب إلى المسجد ويحذر الناس قائلا «إن الألمان أتوا إلى هنا، ليحولوا مدننا إلى ملاه وبيوت دعارة». الجيش النظامي السوري يتلقى الأوامر من قيادة تعي جيدا ما تقدم عليه. لكن كلمة «أبو جهل» تنطبق على هذا الجيش وعلى قادته، وكذلك على الثوار. من دفع هؤلاء الثوار للدخول إلى المناطق الأثرية في حلب، من دفع بالانتحاري إلى تفجير نفسه في مبنى الأركان العامة في دمشق، وهو مبنى تاريخي. النظام ارتكب خطأ باستعماله مع ما شهده من تصرفات لجهة التعذيب وما شابه، وكذلك ارتكب من أرسلوا الانتحاري جريمة مزدوجة بحقه.
 
كتب أحدهم، أن الرئيس السوري «قرر تدمير كل المدن السورية قبل انتقاله مع العلويين إلى مناطقهم، حتى يغرق السنة في إعادة بناء ما يقدرون عليه من هذه المدن، ولا ينصرفوا للانتقام من الطائفة العلوية، ويشمل التدمير البنى التحتية والآثار والتراث أيضا».
 
من ناحية أخرى، فإن بعض المتطرفين مهووسون بالماضي البعيد، فهم لا يريدون فقط التخلص من التأثير الغربي، بل أيضا من أربعة قرون من حكم العثمانيين، الفترة التي تكون فيها نسيج المدن العربية، إذ يرون هذا شكلا من أشكال الفساد، وليس التطور والحضارة والانفتاح على العالم الذين هم على عداء معه. وفي مقابلة أجريت مع ماليز روثفين وهي مؤرخة أصدرت كتبا عن الأصولية الإسلامية قالت: إن محمد عطا، أحد مخططي ومنفذي تفجيرات نيويورك في الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، والذي وضع أطروحته عن التخطيط الحضري لمدينة حلب القديمة، ذكر أنه يريد أن يدمر المباني التاريخية التي تحمل قرونا من الزمن فوق جدرانها، كان يحلم بمدينة إسلامية حسب رؤيته، نقية لا يدخلها التغيير.
 
من دروس جداتنا في صغرنا «لا تخافوا من المتدين، فهذا يخاف الله، بل خافوا من المتعصب». ربما تتضح هذه النصيحة اليوم أكثر ونحن نبكي على ما يصيب حلب والآثار في سوريا. فمن يصرون على «قتل» الآثار هذه، لا يدركون قيمة ما يحتويه بلدهم. باختصار، إنهم آل التدمير وليسوا آل التحرير أو آل التطهير.
 
تقع حلب عند تقاطع طرق التجارة القديمة، شهدت صعود وسقوط إمبراطوريات. جيوش الإسكندر الأكبر، هولاكو، جنكيز خان، تيمورلنك، وجيوش صلاح الدين الأيوبي، كلها في وقت أو آخر هاجمت أو دافعت عن حلب.
 
منذ أكثر من عشر سنوات بدأت مؤسسة «الآغاخان للثقافة» بترميم دقيق لكل آثار حلب (هل يكون هذا من أسباب تدمير وتخريب الآثار؟) وفي كلمة ألقاها في حلب بعد شهرين من عمليات الحادي عشر من سبتمبر، وصفت «الآغاخان» مهمته بـ«خلق حديقة فكرية حيث سينبثق الجمال من صياغة الاختلاف».
 
عام 1954، وبسبب التدمير الذي أحدثته الحرب العالمية الثانية، وضعت اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في النزاعات المسلحة تفرض على الدول ضمان سلامة المواقع الثقافية المهمة والآثار والمتاحف والمكتبات. وكانت سوريا بين الموقعين على هذه الاتفاقية. لكن المهتمين بتطبيق الاتفاقية أشاروا إلى أنه في حلب على الحكومة والثوار مسؤولية حماية إرثهم الثقافي. وقال بورغ إيسفلد، أحد مخططي المدن وعمل مع مؤسسة «الآغاخان»: «إن العالم يجب أن يعرف يوما بعد يوم ومرة بعد أخرى، أن هناك تراثا ثقافيا فريدا يتعرض للتخريب والهدم. وهذه ليست فقط مسألة سوريا، إنها تتعلق بالعالم كله».
 
كان الاعتقاد في البداية، أنه يجب تحييد دمشق وحلب، لأنهما أغنى مدينتين ثقافيتين في الشرق الأوسط. الآن هناك الكثير مما سيخسره العالم الإسلامي والعالم العربي من تاريخهما.
 
هل يريد العالم أن تصبح سوريا، تورا بورا العرب؟ نظام الأسد والمعارضة دخلا في حرب تدميرية سيذهب ضحيتها الآلاف من البشر، وكذلك آلاف السنوات من الحضارة العريقة، ولا يهم من ينتصر في النهاية عندما لا يبقى سوى الرماد.
 
الآن، تتعرض حلب وتتعرض الحضارات القديمة ويتعرض التاريخ لمجزرة، وأبناء حلب والسوريون يصرخون ألما، فهل من سامع يسمع؟
 
في مقال نشره يوم الاثنين الماضي في صحيفة «الهيرالد تريبيون»، كتب طارق رمضان: «الانتصار قد يكون بداية الهزيمة (..) والانتفاضات لم تصل بعد إلى الثورة. يجب على العالم العربي مواجهة (شياطينه) التاريخية، ومعالجة عيوبه وتناقضاته. وعندما يبدأ هذه المهمة، عندها تكون الصحوة قد بدأت».
 
إنقاذ حلب يحتاج إلى مثل هذه الصحوة بأسرع وقت ممكن وقبل فوات الأوان!