هيبة الدولة تبدأ من عمان وليس من معان

mainThumb

26-04-2014 06:30 PM

عذراً أيها السادة، لقد أخطأتم العنوان، فهيبة الدولة يجب أن تبدأ من العاصمة عمان، مركز صنع القرار في الدولة، فكل شيء في عمان، وفيها القول والفصل، وليس في الأطراف، سواء معان أو جرش أو المفرق أو أي جزء من تراب هذا الوطن. أخطأتم العنوان، وهذه ليست المرة الأولى أو الأخيرة، فقد مارستم دوماً ألكذب والخداع والتضليل، وجانبكم الصواب، ولازمكم التعثر وضيق الأفق، وسوء الفهم والتقدير في كثير من السياسات والقرارات التي اتخذت وتم تسويقها بهدف خدمة الوطن والمواطن، وإنقاذ البلاد والاقتصاد، وكانت آثارها كارثية ومُدمّرة على البلاد والعباد.

هيبة الدولة تبدأ من عمان، عندما يتم وقف العبث بالدستور، ويتم احترام نصوصه وأحكامه، ويتم الالتزام بها من قبل الجميع، الحاكم والمحكوم على السواء، ويتم وقف هيمنة وتغول السلطة التنفيذية والأجهزة الأمنية على بقية السلطات في البلاد، ويتم وضع حد لحالة الانفراد بالرأي والحكم والقرار، ويتم وقف الإنفاق والتبذير الترفي غير المبرر، وتتوقف سياسة تدوير وتوريث المناصب، ويتم تطبيق أسس الجدارة والاستحقاق في كل المواقع والحالات، فهناك حالة دائمة من التغييب القصدي لمبدأ الاستحقاق والجدارة في الواقع الأردني، بحيث صارت القاعدة هي أن يثب إلى الأمر من ليس أهلاً له، وأن توسيد من يستحق هي مسألة استثنائية، الكثير من الأردنيين زرعوا ولم يحصدوا، وغيرهم لم يزرعوا أو يقدموا شيئاً من أجل الوطن، لكنهم حصدوا الكثير، وجمعوا ثروات طائلة دون وجه حق، وفي المحصلة يتم إعادة النظر بكامل النهج السياسي والاقتصادي والاجتماعي في إدارة شؤون الدولة لبناء نظام سياسي ديمقراطي راسخ، يتم فيه تحقيق الأمن والاستقرار للجميع، وضمان كرامة الإنسان، وإنشاء مجتمع الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية وسيادة القانون، في إطار من الحكم الرشيد.

هيبة الدولة لا تفرض بالقوة واستخدام الحلول الأمنية، وإنما بالعدالة وإعطاء الناس حقوقها، فالعدالة ضرورة من ضرورات الحياة الإنسانية، وليس مجرد حق. هيبة الدولة تتحقق بسيادة حكم القانون على الجميع، وليس بإنفاذ حكم القانون على الفقراء والضعفاء سواء في معان أو ذيبان أو كفرخل أو أي بلدة أردنية، بينما تعجز أذرع القانون الطويلة عن الوصول إلى القطط السمان وحيتان الفساد، المتنفذين وعديمي النزاهة ممن أثروا بطرق غير مشروعة على حساب الوطن، من أصحاب القصور المنيفة، والسيارات الفارهة، والأرصدة الفلكية في دابوق وعبدون ودير غبار وغيرها، وكأن القانون قد فُصّل على مقاس معين فلا يصل إلى هذه الزمرة.

إن الذين يراد فرض هيبة الدولة عليهم، وتتم ملاحقتهم في معان أو غيرها من المناطق الأقل حظاً وعدالة ومساواة، هم ضحايا سياسات وقرارات الحكومات الفاشلة، والمجرمون الحقيقيون، الذين ينبغي أن يكونوا خلف القضبان، هم أحرار وطلقاء في عمان ودبي ولندن، حيث يتنعموا ويبذروا في مقدرات الشعب الأردني. إن قانون يجعل من الضحايا والأبرياء متهمين ويحملهم مسؤولية جرائم لم يرتكبوها على الإطلاق، ويفلت منه المجرمون الحقيقيون، هو قانون يستوجب اللعنة والعصيان.

إن الحملة الأمنية لفرض هيبة الدولة على معان هو عين الكذب والتدجيل وتزييف الحقائق، فتاريخ معان وتراثها وحضارتها، وثيق الصلة بهذا الوطن، وخير شاهد على الحقيقة. فمنذ نشأة الدولة الأردنية قبل ما يقارب قرن من الزمان، كانت معان مسرحاً لمعارك الثورة العربية الكبرى، وبعد نشوء الدولة، كانت معان قاعدة ومنطلق لأكثر من حركة تصحيحية في مسيرة الدولة الأردنية، وهبه نيسان عام 1989 هي المحطة الأبرز في تاريخ هذه المسيرة. لقد كان الأهل في معان ولا يزالوا طليعة في المبادرة والتضحية والوفاء للمبادئ والقيم، مثلما كانوا ولا يزالوا السند والمثل والقدوة، ثابتين على العهد صادقين وملتزمين وما بدلوا، فهم المنتمين للوطن، والغيورين عليه، والحريصين على تجنيبه المخاطر، فلا أحد يستطيع أن يزاود عليهم أو يشكك في وطنيتهم وحسهم بالمسؤولية.

إن وجع معان، هو وجع كل الوطن الذي تعرض لأكبر عملية نهب في تاريخه تحت مسميات الخصخصة، وبذرائع جذب الاستثمارات وغيرها من أكاذيب، فأرض معان شأنها شأن كل أراضي الوطن يعذبها العطش، ويجففها الإهمال والتهميش، فقطار العدالة والتنمية والتمكين لم يغادر العاصمة عمان، ولم يصل يوماً إلى معان وغيرها من المناطق الأقل مساواة وأمن وعدالة في هذا الوطن، فمغانم التنمية لم تتوزع على أسس العدالة والجدارة والاستحقاق، بالرغم من كل هذه البهرجة والتهريج الإعلامي وكتاب التدخل السريع وحوارات التلفزيون الأردني مع حملة المباخر من المنافقين، الذين يسعون لتكريس ثقافة القطيع، بالإشادة بالإنجازات التي تحققت مثل أكذوبة الإصلاح الاقتصادي، وخرافة دولة القانون والمؤسسات، وأوهام الأمن والاستقرار.

عندما تكشر الدولة عن أنيابها تجاه أهل معان، فمن العار أن يستقبلوها بالابتسامة والورود، فالشعور بالظلم والحرمان وعدم المساواة هو التربة الخصبة لنمو الأفكار المتطرفة. إن ما يريده الأهل في معان أو في سائر ربوع الوطن هو حقوقهم وكرامتهم الوطنية فلماذا ترويعهم -وهم قوم مسالمين- بالمطاردات الأمنية والاعتقالات والتعذيب، وتشويه صورة أهل معان باعتبارهم جميعاً خارجين عن القانون ومتطرفين التفكير والسلوك؟ وأخذ كافة أهل معان بجريرة مجموعة صغيرة خارجة عن القانون؟ إن سياسة الترويع للقبض على زمام السلطة، وتسيير دفة الأمور، ومن ثم إطالة عمر الحكومة، هي سياسة عقيمة ثبت فشلها وإفلاسها، فلماذا لا تتعظون ممن سبقكم وهم كثر، بدءاً من حكومة زيد الرفاعي عام 1989 ومروراً بحكومة الكباريتي عام 1996 وحكومات علي أبو الراغب التي أعلنت يوماً ما معان منطقة منزوعة السلاح وكأن معان تقع في جوار الصومال أو جزر الواقواق، وصولاً إلى هذه الحكومة، أو تتعظون ممن الآن حولكم وهم أكثر، فلديكم كافة دول الربيع العربي؟ لماذا المقامرة بالوطن بدعوى هيبة الدولة والحفاظ على الأمن الذي لا يتعدى في حقيقته الاستماتة في الدفاع عن مصالح زمرة متنفذة ومنتفعة من استمرار الأوضاع في البلاد على ما هي عليه من فساد واستبداد واستعباد.

إنني أعلن انحيازي التام لأهل معان ومطالبهم العادلة ونضالهم الوطني لأنني أشعر بعطشهم وآمالهم وآلامهم وبذلهم وتضحياتهم من أجل حياة حرة كريمة.  وربَّ ضارة نافعة، فمراجعة ما حدث وما يحدث في معان وكل ربوع الوطن، فرصة لاستخلاص الدروس والعبر، ومواجهة الحقائق واتخاذ الإجراءات المطلوبة، وأولها إقالة هذه الحكومة وعدم عودة أي من أعضائها، وتشكيل حكومة إنقاذ وطني قادرة على مواجهة استحقاقات المرحلة وتضميد جروح معان والوطن قبل فوات الأوان، وذلك لمصلحة الأردن وخيره ومستقبله، اللهم اشهد أني قد بلغت.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد