الرسائل بين شقي البرتقالة الفلسطينية

الرسائل بين شقي البرتقالة الفلسطينية

19-09-2014 02:17 PM

لا شك أن وفاة الشاعر الفلسطيني سميح القاسم ومن قبله صنوه ورفيق دربه المبدع محمود درويش يشكل فاجعة ثقافية بل انتكاسة كبرى وخسارة جسيمة بكل المقاييس لحركة الإبداع الفلسطيني المقاوم والملتزم ، وللحركة الثقافية والوطنية الفلسطينية المعاصرة ، لأنهما من أبرز مؤسسيها وروادها ومبدعيها وفرسانها وكواكبها الساطعة والمضيئة ، وتركا بصماتهما الواضحة في فضاءاتها ، وكان لهما الدور الإسهامي النضالي والمقاوم في صيانة وحماية وتعزيز الهوية الفلسطينية والدفاع عن حقوق شعبنا الوطنية ، وكونهما قامتان ثقافيتان وسياسيتان وكفاحيتان متميزتان حلقتا في سماء المعرفة والثقافة الإنسانية الكونية .
وهما يعدان من مؤسسي أدب الرسائل الفلسطيني الحديث من خلال رسائلهما التي تبادلاها منذ فتوتهما الشعرية والزمنية ، ونشرت على صفحات "اليوم السابع" في باريس ، وفي الملحق الثقافي لصحيفة "الاتحاد" العريقة في حيفا ، وصدرت في كتاب "الرسائل" عام 1989 عن دار "عربسك" الحيفاوية ، وأعادت دار "العودة" في بيروت إصدارها عام 1990 . وكان الكاتب القصصي الفلسطيني محمد علي طه أطلق عليها رسائل بين شقي البرتقالة الفلسطينية ، لأن صاحبهما فعلاً وحقاً يشكلان شطري البرتقالة الفلسطينية .
وقدم للرسائل الروائي الفلسطيني الراحل إميل حبيبي تحت عنوان "هيك مشق الزعرورة ، يا يمّة هيك " ، مؤكداً أن هذه الرسائل " لم تكن مجرد قطرات دمع من عيون بخيلة بالدمع بل مشي حجلان كبيرة تسير وراءها أفراخها قاطعة ، بأمان ، عرض شارع معبد بالزفت والقطران "، ويرى في ضجة العصافير شطراً في سمفونية مجانية كمبشر بقدوم الربيع في بلادنا .
 جاءت هذه الرسائل في ثلاث حزم ، الحزمة الأولى وتضم قصيدة "تغريبة إلى محمود درويش " لسميح القاسم ، وقصيدة "أسميك نرجسة حول قلبي " لمحمود درويش ، فيما تحتوي الحزمة الثانية على الرسائل النثرية المتبادلة بين هذين الشاعرين المبدعين الكبيرين .أما الحزمة الثالثة والأخيرة فتشمل الرسائل التي كتبت بعد تفجر الثورة الشعبية الديمقراطية الفلسطينية في المناطق المحتلة ، ثورة الحجارة ، ما عدا رسالة واحدة كتبها درويش بعد إنشاء أول اتحاد للكتاب العرب الفلسطينيين في الداخل ، وهنأ فيها باسم الكتاب الفلسطينيين في المهاجر والمنافي القسرية بانتخاب القاسم أول رئيس للاتحاد بالإجماع ، وانتقد الأصوات التي شككت بشرعية الاتحاد .
وفي هذه الرسائل نلمس المشاعر الحميمة الفياضة والأحاسيس الصادقة بين مبدعين تميزا بالخصوصية الفلسطينية ، وجمعتهما العقيدة والفكر الواحد والإحساس الوطني المشترك والهم الواحد والمعاناة الواحدة والقضايا المشتركة والصداقة العميقة والشاعرية الفذة والخاصة ، وحتى عشق فتاة واحدة – كما صرحا في احد الرسائل .
وتحمل هذه الرسائل في ثناياها وطياتها نبوءات للزمن الآتي ، وأشواق وذكريات الطفولة والشباب والمراهقة ، فضلاً عن أراء وأجندة سياسية وفكرية حول العديد من القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية ، وكذلك أناشيد للمقاتلين الفلسطينيين الذين يذودون وينافحون دفاعاً عن الوطن والمستقبل ، ويعمرون بنيان الدولة الفلسطينية ويؤسسون المجتمع الإنساني الفلسطيني الديمقراطي الجديد . يقول سميح في رسالته "قبلة الحجر" : " وهكذا فأنت ترى اننا دائماً نعود . نقلع في جهات الأرض والجسد ، نغيب في خبايا الروح ، ونعود . دائماً نعود ، إلى ملمس العينين ، إلى بصر القلب وبصيرة الأصابع ـ إلى هنا ، حيث يكمن الحجر النظيف بجوار شجيرة القندول المزدهرة شتاءً في اعقاب شتاء ، نعود إلى الولادات المنتظرة وغير المنتظرة في فوضى هذا الزمن الجارح والمدهش في آن ".
تتسم رسائل سميح القاسم ومحمود درويش بأسلوبها الشائق والممتع وكلماتها الرقيقة ومعانيها الراقية ولغتها العذبة الصافية وصدق توجهها ووضوح رؤيتها . وهي تمثل ثروة لثقافتنا الفلسطينية ولأدب الرسائل بشكل خاص ، وكنا نتلهف لقراءتها في ملحق الجمعة لصحيفة "الاتحاد" .
لقد مات سميح القاسم ومحمود درويش وبقيت رسائلهما للتاريخ والذكرى وللأجيال الفلسطينية الحاضرة والقادمة ، ماتا وهما يمسحان دموعهم التي انهمرت من عينيهما بمناديل الكلمات الشاعرية التي رافقتهما منذ صباهما ومطالع شبابهما حتى اللحظات الأخيرة من عمرهما الطافح بالإبداع والعطاء والنضال والمقاومة والدفاع عن قضية شعبنا الوطنية ، التي كانت محور كل ما كتباه وأبدعاه من نصوص شعرية ونثرية . فلهما البقاء والخلود ، والعظماء مثلهما لا يموتون ، بل يتجددون بعد مماتهم .
 



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

إيران تفقد 230 مليون متر مكعب من الغاز يومياً

الأردن والسعودية يدينان اعتداءات إيران والميليشيات التابعة لها

هل يشمل إعفاء السيارات الأميركية من الضريبة بالأردن المركبات المستعملة

بدء تنفيذ مشروع الربط بين طريق إربد الدائري ومستشفى الأميرة بسمة

كاتس يهدد إيران ولبنان وغزة .. التفاصيل

مهم من الحكومة بشأن الأراضي المجاورة للسكك الحديدية

الحنيطي يستقبل أليس روفو

الاحتلال الإسرائيلي يعلن توسيع عملياته العسكرية في الضفة الغربية

تمويل دولي ضد منتخب بلاده .. الرئيس الأرجنتيني يزعم وجود مؤامرة

بفضل إمبراطوريته التسويقية في ريال مدريد .. فينيسيوس جونيور يدفع راتبه من جيبه

المدن الصناعية: 61 عقدًا استثماريًا جديدًا وخطة لاستقطاب شركات عالمية

كريم أديمي يمضي نحو برشلونة

استبعاد أندريا بيرلو عن تدريب المنتخب الإيطالي

السعايدة: تعديل الملكية العقارية يوحد الاستملاك للطرق والسكك الحديدية

ارتيمس .. مازال يحتضن فرق الجامعات الموسيقية والشعر

منع الشورت في الأردن .. تقرير شامل يرصد الجدل والآراء القانونية والإعلامية والشعبية

جريمة تهز الكرك .. طفلة تفقد حياتها على يد والدها وشقيقها

تطور جديد في قضية جيمي كارني .. محققون إيرلنديون يزورون الأردن

هل نشهد حراكاً غير مسبوق في الجامعات؟ المادة 21 تضع مصدر دخل آلاف العاملين على المحك

‏وفاة أم وأطفالها الثلاث في حادث أليم على الطريق الصحراوي

إرادة ملكية بالموافقة على وكالات عدد من الوزراء .. أسماء

فضل شاكر وجورج وسوف بمجلس النواب الأردني .. ما القصة

انخفاض ملحوظ بأسعار الذهب محلياً اليوم

مهرجان أبوظبي 2026 يواصل فعالياته أكتوبر القادم

الدفاع المدني يتعامل مع حادث شخص محاصر داخل حفرة في منزله

حريق مجمع سفريات عجلون .. تجار يروون للسوسنة كيف فقدوا مصدر رزقهم

إيقاف القسائم البلاستيكية .. مهم بشأن رخص القيادة والمركبات

تدهورت صحته وضعف بصره .. فنان مصري يعتزل التمثيل

إصابة 12 شخصاً بينهم طفل إثر عقر كلب ضال في إربد

اتحاد منتجي الدواجن: نظام "الطيبات" يفاقم خسائر القطاع في مصر