كلنا إعلاميون

كلنا إعلاميون

25-11-2014 09:44 AM

حتى بعد أن أنهيت وظيفتي الأخيرة، في قناة «العربية»، بقيت التساؤلات مفتوحة، هل نحن خبازون نطعم الناس ما يحتاجون إليه، أم أننا غسالون ننظف العقول ونكويها؟ وإلى جانب سؤال الحيادية هذا، هناك سؤال آخر مكمل له يتكرر أكثر، إن كان انتشار الوسائل فوضى إعلامية، أم أنه هدم للجدران ونشر للحرية؟


الحياد تمرين فكري صعب جدا، وأدعي أنني حاولت ألا أقحم عملي في رأيي، وحاولت ألا أقحم رأيي في عملي أيضا. الأولى، كانت مهمة سهلة إلى حد ما. أما الثانية، فلا أدعي أنني نجحت فيها، فآراؤنا بطبيعتها تتسلط علينا، وتسيرنا. عندما انتقلت من هذه الجريدة إلى عملي في قناة «العربية»، قبل عشر سنوات، أول قرار اتخذته كان منع بث مقالاتي ضمن برنامج الصحافة على قناة «العربية»، لأن فيه تعارضا، وكذلك حظرت على نفسي المشاركة في الحوارات التلفزيونية.


كانت تلك خطوات وظيفية سهلة، مثل نزع القشدة عن الحليب، لكن بقي أن أحبس رأيي عند التعامل مع الأحداث، وقد وجدت منعه عاطفيا بلا إنسانية، مثل نزع الدسم من الحليب، يجعله بلا طعم أو رائحة!


ولأنني خريج إعلام أكاديميا، وتلميذ الصحافة الميدانية، وعايشت من هم أفضل مني خبرة وتجربة، سعيت لفصل الخبر عن الرأي، ولم أنجح كثيرا. وبعد هذه الفترة الطويلة أعترف، وبضمير مرتاح، أن هندسة «الخبر المجرد» وإنتاج «العمل الإعلامي الحاف» مجرد نظرية فقط.


ولهذا الاستنتاج أسبابه، أولا، تقريبا كلنا أصحاب رأي، ومن لا رأي له فهو إمّعة، وثانيا، صحيح أن من واجبنا عرض الحقائق مجردة، إنما عليكم أن تتذكروا أن للحقيقة أوجها متعددة.


واليوم، من حق الإعلاميين أن يميزوا أنفسهم. ففي الماضي كان يجوز للغير أن يرمينا بالحجارة، عندما لا يعجبه رأينا وأخبارنا، لأننا كنا نحتكر الإعلام، لكن اليوم لم يعد هذا واجبا، ولا علينا أن نشعر بالذنب. فكل الناس صاروا إعلاميين، والملايين من حملة الهواتف الذكية يمارسون مهنتنا، النقل والأخبار والتعليق، ويؤثرون أيضا في مجتمعهم. لم يعد الإعلام خاصا بالقلة من الصحافيين، ولا حكرا على ملاك الإعلام.


وقد زادت معاناة الناس مع زيادة حريتهم، في تناسب عكسي طبيعي. فقد زاد العبء والمسؤولية عليهم نتيجة زيادة تناقلهم المعلومات، عدلت القوانين، وأسست المحاكم، ووسعت السجون. إطلاق تعليقات خاطئة، أو معلومات مضللة، أو انحياز متعجل. وكل شيء تغير، حتى الأدوار تبدلت، كنا المصدر، واليوم عامة الناس صارت المصادر. وكنا نسمي في الماضي من يقرأ الجريدة أو يشاهد التلفزيون: المتلقي، أما اليوم فقد أصبح شريكا لنا: يختار، وينسخ، ويطبع، ويرسل، ويصور، ويضيف، وينقص، ويلون، ويحرر. اليوم كلنا إعلاميون، الفارق فقط بين متفرغ ومتعاون، أو بين محترف وهاو.


ومن تجربتي أتساءل، ماذا حدث للإعلام «المسؤول» هل أفلت من عقاله، نتيجة انخراط ملايين الناس فيه؟


ومع أن «الإعلام المسؤول» عبارة مكروهة في أوساطنا، لأنها كلمة محسنة لـ«الرقابة»، إلا أنها صارت تعني الكثير بسبب انهيار السد، والفيضان الرهيب من المعلومات. ولم تعد الرقابة تصلح مشجبا للشكوى، مع احترامي لنواح المهنة، فما لا تذيعه محطة تستطيع إرساله عبر «اليوتيوب»، وما تمنعه الصحيفة لن تعييك الحيلة بتوزيعه على المواقع المفتوحة ومجاميع البريد الشخصية، وغالبا ستجد جمهورك الذي تريد الوصول إليه.


والقلق مبالغ فيه عند الوسائل التقليدية، من صحف وتلفزيون، من تبدلات المستقبل، وطغيان التقنية البديلة، فهو لن يقتلها، بل أجزم أنه سيزيدها لمعانا طالما أنها تشارك فيه، هذا رأي من تجربة شخصية، حيث وجدت أن أكثر من خدمنا، ودعمنا، ونقلنا إلى مجرات فضائية أبعد، هو الإعلام التواصلي الحديث نفسه، الذي كنا نظن أنه الخنجر المسموم.

 

الشرق الاوسط



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

وزير الثقافة يفتتح فعاليات مهرجان البلقاء الرابع

وزير الأوقاف يتحدث عن شجرة استراح تحتها الرسول .. فيديو

العيسوي ينقل تعازي الملك وولي العهد إلى ذوي المتوفين بحادث سير نويبع المصرية

المومني: جائزة الحسين للإبداع الصحفي تجسد تميز الكفاءات الأردنية

ارتفاع أسعار الأراضي والفوائد يحد من قدرة الأردنيين على امتلاك الشقق

توقع إنجاز مشروع تطوير الأزرق السياحي في شباط 2027

الفيصلي يعلن إصابة الإيفواري إيزار في الرباط الصليبي

حسان يزور مواقع سياحية وبيئية في الصفاوي والأزرق ويوجّه بتطويرها

انتشال رفات 55 شهيدا من تحت الأنقاض في قطاع غزة

المستقلة للانتخاب تختتم برنامج المعهد السياسي الثاني للشباب الحزبي

الجيش الأميركي يقصف 3 ناقلات نفط إيرانية

إبراهيم حمداني مدربا جديدا لمنتخب الجزائر

فريق مدينة الحسين يتوج بلقب كأس الأردن للريشة الطائرة

هل يحل الروبوت محل علماء الآثار؟

أسعار البنزين المرتفعة تُفسد عطلة عيد العمال للأميركيين

لتجنب إشارة التسفير .. تحذير مهم للعمالة غير الأردنية

العثور على جثة مواطن داخل مركبته مقتولا بالرصاص جنوب اربد

من هو اللواء مجدي الحراسيس رئيس هيئة الأركان الجديد ؟

تفاصيل وفاة الطفل إلياس داخل حافلة مغلقة على لسان والده

الحكومة تتحمل أعباء مالية لدعم أسعار المحروقات في آب

بالفيديو .. أمطار غزيرة وعواصف رعدية تفاجئ شمال الأردن في عزّ الصيف

مهم لغير الأردنيين بشأن الاستفادة من الخدمات الحكومية عبر سند

تعيين رؤساء مجالس أمناء الجامعات الحكومية .. أسماء

جامعة تُلزم العاملين بدفع رسوم رغمًا عنهم

بسبب وجود تهديد .. رسائل تحذيرية على هواتف مواطنين بالأردن

توضيح من الملكية بشأن حركة الطيران ومواعيد الرحلات

بالفيديو .. بلدة أيرلندية تحمل «حجر الأردن» في اسمها منذ 800 عام .. ما قصتها؟

تفاصيل جديدة حول حادث سيناء المروع الذي قضى به 10 أردنيين .. صور

من 33 نهاراً إلى 17 ليلاً .. تغير ملموس على أجواء الأردن

الجيش يُسقط 8 صواريخ اخترقت أجواء الأردن