مالكُ بن الرَّيْبِ ، وَحَنِيْنُهُ للديار !

مالكُ بن الرَّيْبِ ، وَحَنِيْنُهُ للديار !

13-03-2015 03:44 PM

لقد تَمَيَّزَ العربيُ عن غيرِهِ في زيادةِ حُبِّهِ للديار التي تَرَّبى بها ، وكانتْ دارَ صِباه ، والقَصصُ في ذلكَ كثيرةٌ لا يأتي عليها العدُّ سواء عند الرجال أو النساء ، وحبُّ الأوطان من الغرائز التي يشتركُ فيها الانسانُ والطيرُ والحيوان ، وما يُشاعُ في أوساط العوامِ : ( أنّ حُبَّ الأوطانِ من الإيمان ) ، وينسبونه للرسول – صلى الله عليه وسلم – فلا يَصِحُّ ولا يَثْبُتُ .

وقد قرنَ اللهُ – عزَّ وحلَّ – الخروجَ من الوطن بالقتل ، قال تعالى :

(ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما ).

فتركُ الأوطان شَبيْهُ القتل ، فالجسمُ هو موطنُ الروح ، والوطنُ موطن الانسان ، فوقعُ الخروجِ من الوطن ، كوقعِ خروجِ الروحِ من الجسد !

فلذلك قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – لورقة بن نوفل – رضي الله عنه – في القصة المشهورة : ( أَوَمُخْرِجِيَّ هم ) ؟! أي من مكة .

فلا يَحِنُّ للوطن إلا أصحابُ المُروءات ، والمعادنِ الكريمة ، وقد نصَّ على ذلك غيرُ واحدٍ من الأُدباء ، حتى عَدُّوا ذلك في كرائم الإبل وخاصةً المهريَّة منها ، نسبةً إلى بلاد مهرة  !

فهذه أعرابية تَحِنُّ لموطنها ومواردِ الماء التي كانت تعرفها ، وتَرِدُ عليها :

وما ذنبُ أعرابيَّةٍ قَذَفَتْ بها
..... صروفُ النَّوى من حيثُ لم تَكُ ظَنَّتِ

تَمَنَّتْ أَحَاليبَ الرُّعاةِ ، وخيمةً
.....  بنجدٍ فلم يَقْضِ لها ما تَمَنَّتِ

إذا ذَكَرَتْ ماءَ العُذَيْبِ ، وَطِيْبَهُ
..... وَبَرْدَ حَصَاهُ آخِرَ الليلِ حَنَّتِ

لها أَنَّةٌ عندَ العِشاءِ وَأَنَّةٌ
.....  سُحَيْرًا، ولولا أنَّتاها ؛ لَجُنَّتِ .

فالحنينُ للوطن يُنْبِتُ الأنَّاتِ ، وَيُكْثِرُ الآهاتِ ، فهذه المرأةُ تَحِنُّ لبلادها في نَجْدٍ ، وتتشوَّقُ لماء العُذَيْبِ عسى أن يُطْفِئَ غُلَّةَ التحنانِ والأشواق .

ولا تَغيبُ عنا قصَّةُ ميسون الكلبية زوجِ معاويةَ – رضي الله عنه  - لما سَكَنتْ قُصورَ الشام ، كيف حَنَّتْ لبلادها نجد حنين الواله المُتْعَبِ ، وفضَّلتْ بيتَ الشَّعْرِ على قُصورِ دمشق !

وهذا مالكُ بن الرَّيْبِ المازني التميمي الذي كانَ أوَّلَ أمرِهِ قاطِعَ طريق ، ومن شُطَّار العرب ، فَمَنَّ اللهُ عليه بالهداية ، وأصبح يغزو في سبيل اللهِ مع حفيدِ عثمان – رضي الله عنه – في بلاد خرسان ، وأثناء سيرِهم في غزوة ؛ لَدَغَتْهُ أفعى ، فقال  - قُبَيْلَ موتِهِ  - مُتَشَوِّقاً لديارِه :

أَلا ليتَ شِعْري هل أَبِيْتَنَّ ليلةً
.....  بوادِي الغَضَى أُزْجِي الِقلاصَ النَّواجِيَا

فَليتَ الغَضَى لم يَقْطَعْ الرَّكبُ عَرْضَهُ 
..... وَلَيْتَ الغَضَى مَاْشى الرِّكابَ لياليا

لقد كان في أهلِ الغَضَى لو دَنَا الغَضَى
.....  مَزَارٌ ، ولكنَّ الغَضَى ليس دَانِيَا .

فهذه ثلاثةُ أبيات بدأ مالكُ بن الريب قصيدَتَهُ بِهِنَّ ، وهو يُغادِرُ هذه الدنيا ، فلا ذِكْرَ إلا لوطَنِهِ ، وما فيه من الشُّجيرات ، فقد جاء ذِكْرُ ( الغضى ) – وهو من شجر الصحراء – ستَّ مرَّات ، إزدحامٌ في الذاكرةِ ، وهذا الازدحام في ذِكْرِ الغضى ، لهُ دِلالاتُهُ النَّفْسية ، منها :

1 – أنَّه من مواليد الغضى ، وبلاد الغضى ، فكان ثرى الغضى أوَّلَ  مُلامِسٍ لِجِلْدَتِهِ عند الولادة ، كما كان الغضى آخرَ شيءٍ جاء على لسانه من أشياء الدنيا !!

2 – الغضى من أعظم أنواع الشجر ، نارا ، وجمرًا ، وحرَّا ، فلذلك كَثُرَ ذِكْرُهُ في حُرْقَةِ أفْئِدَةِ المحبين والعاشقين ، فجوفُ مالك بن الريب مُلْتَهِبٌ حنيناً لوطنِهِ ، وملاعِبِ صِبَاه !



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

مونديال 2026 .. استقالة رونالد كومان من تدريب منتخب هولندا

ترامب يبلغ عن دخل تجاوز 1.4 مليار دولار من العملات المشفرة

تصريحات مثيرة للجدل عن أم كلثوم تورّط صحفيًا مصريًا

هيئة البث: إسرائيل تقرر تأخير الانسحاب التجريبي من جنوب لبنان

هل تفجر الأموال المجمدة اتفاق التفاهم الإيراني الأمريكي؟

رئيس وزراء قطر خلال اجتماع مع ويتكوف وكوشنر: جهود الوساطة بين طهران وواشنطن مستمرة

إسرائيل .. آيزنكوت رئيس حزب "يشار" يعلن عزمه الترشح لرئاسة الحكومة

غوتيريش: وكالة الأونروا تقترب من نقطة الانهيار

حريق مسجد المدينة في العاصمة الأيرلندية دبلن

زلزال بقوة 6 درجات يضرب جنوب شرقي المكسيك

ريال مدريد يفتتح مشواره مع مورينيو بمواجهة سوسييداد

الحصيني: موجات الحر قصيرة ولا تتجاوز 5 أيام

أطباء السودان: احتجاز 20 طبيبا في الفاشر ومصيرهم مجهول

النقل البري تبحث مع مشغلي خط إربد – الزرقاء إطلاق مشروع النقل المنتظم

النفط يتجه إلى أكبر خسائر ربع سنوية منذ 2020

تراجع سوق الدواجن في الأردن يفتح ملف نظام الطيبات والمخاوف الصحية

لفتة للنشامى نالت إعجاب الجماهير العربية والجزائرية .. صورة

الأردن يقترب من إنتاج 500 طن سنوياً من الكعكة الصفراء

الصحافة الأجنبية تعلق على مباراة الأردن والأرجنتين .. ماذا قالت عن أبو ليلى وهدف ميسي

توقعات الذكاء الاصطناعي لبطل مونديال 2026 .. المرشح الصادم

ماذا حدث لمتّبعي نظام الطيبات؟ أطباء يحسمون الجدل والأرقام تكشف المفاجأة

متورط مع موظفة .. فيديو خادش منسوب لمسؤول معروف يهز العراق

هبوط بأسعار الذهب محلياً اليوم

أسعار الذهب ترتفع محلياً السبت

نهر إسمنتي غامض في غزة .. ما حقيقة استخدامه في ترميم المنازل

توضيح ملابسات حادثة الموظفة التي حاولت اقتحام مكتب وزير السياحة

القبض على مغني مهرجانات مصري شهير بتهمة خطيرة .. صورة

سيادة لبنان حاجة سورية إقليمية

أفضل سيارة كهربائية في الأردن 2026 .. مفاجأة صينية تتفوق على المنافسين بالسعر والمواصفات

إيران تودّع المونديال .. ومصر تحقق تأهلاً تاريخياً للدور الثاني