المتقاعدون العسكريون : الدرع الذي لا يصدأ

المتقاعدون العسكريون : الدرع الذي لا يصدأ

15-02-2026 01:03 PM

في الخامس عشر من شباط، يقف الوطن وقفة تأملٍ وامتنان، كأنّه يسترجع سيرة مجده في عيون رجاله الذين حملوا على أكتافهم عبء الحكاية، وسقوا تراب الأردن من عرقهم ودمهم، فأنبت أمناً واستقراراً وعزاً لا يذبل، إنّه يوم الوفاء للمتقاعدين العسكريين والمحاربين القدامى؛ يومٌ ليس كسائر الأيام، بل هو صفحة مضيئة من كتاب الوطن، وعهدٌ متجدّد بأن البذل لا يضيع، وأن التضحية لا تُنسى، وأن الرجال الذين صنعوا الفجر يظلون شمساً في ذاكرة الأمة وضميرها.
في هذا اليوم الوطني الذي أُقرّ بمكرمةٍ سامية من لدن جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين عام 2012، تتجلى فلسفة الوفاء بوصفها قيمةً عليا في مدرسة الهاشميين؛ مدرسةٍ تعلّم أبناءها أن ردّ الجميل ليس ترفاً أخلاقياً، بل هو دينٌ في أعناق الأحياء لمن حموا الحياة، وقد اختير هذا التاريخ استحضاراً لبطولاتٍ سطّرتها وحدات من قواتنا المسلحة قبيل معركة الكرامة عام 1968؛ تلك المعركة التي أعادت تعريف الكرامة في قاموس الأمة، وأثبتت أن الإرادة إذا اقترنت بالإيمان صارت قدراً لا يُغلب.
المتقاعدون العسكريون والمحاربون القدامى ليسوا مجرد أرقام في سجلات الخدمة، بل هم خلاصة تجربة وطنٍ تعمّد بالانضباط والشرف، هم خرّيجو المدرسة الهاشمية التي صاغت الرجولة سلوكاً، والشجاعة عقيدة، والالتزام ميثاقاً، عاشوا في ثكنات الوطن كما يعيش العابد في محرابه؛ يتدرّبون على الصبر كما يتدرّبون على السلاح، ويجعلون من الطاعة الواعية جسراً بين القيادة والواجب، وحين أنهوا خدمتهم الرسمية، لم ينهوا خدمتهم للوطن؛ فظلّوا رديفاً صادقاً لقواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية، وخزّان خبرةٍ وحكمةٍ وعطاء، يهبّون إذا نادى الواجب، ويثبتون إذا ادلهمّت الخطوب.
إنهم ذاكرة الميدان وروح المعسكر، وحراس المعنى قبل حراس الحدود، في وجوههم تقرأ خرائط التضحية، وفي صمتهم تسمع صهيل العزيمة، هم الذين تعلّموا أن الوطن ليس قطعة أرض فحسب، بل فكرةٌ سامية تستحق أن تُصان، وأن الأمن ليس شعاراً يُرفع، بل مسؤولية تُحمل، لذلك بقوا على العهد؛ عهد الوفاء للعرش الهاشمي، وعهد الإخلاص للراية، وعهد الذود عن الثرى الطهور، رهن إشارة قائدهم، أوفياء كما كانوا، أقوياء كما عهدناهم.
وفي هذه المناسبة العزيزة، نرفع أسمى آيات التهنئة والولاء إلى مقام جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وولي عهده الأمين، مؤكدين أن التفاف الشعب حول قيادته هو سرّ صلابة هذا الوطن، وأن تكريم المتقاعدين العسكريين إنما هو تكريم لقيم الشجاعة والالتزام والوفاء التي قامت عليها الدولة، كما نحيّي رفقاء السلاح من المتقاعدين والعاملين في قواتنا المسلحة الباسلة وأجهزتنا الأمنية، أولئك الذين ما تزال عيونهم ساهرة كي ينام الوطن مطمئناً، ونقف إجلالاً لأرواح الشهداء الذين ارتقوا وهم يكتبون بدمهم سفر الخلود؛ نسأل الله أن يتغمّدهم بواسع رحمته، وأن يسكنهم عليين مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً، فهم الأحياء عند ربهم، وهم الأحياء في ضمير وطنهم.
حفظ الله الأردن عزيزاً شامخاً، وحفظ قائده وولي عهده الأمين، وأدام على وطننا نعمة الأمن والأمان في ظل القيادة الهاشمية الحكيمة، وسيبقى المتقاعدون العسكريون، كما كانوا دوماً، أوتاد الخيمة، وسياج الدار، ونبض الوفاء الذي لا يخبو… نعم على العهد باقون.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد