وقفةٌ مع ( وهل يُصْلِحُ العطَّارُ ما أَفْسَدَ الدَّهْرُ )

وقفةٌ مع ( وهل يُصْلِحُ العطَّارُ ما أَفْسَدَ الدَّهْرُ  )

13-04-2015 02:56 PM

لقد فَطَرَ اللهُ بني البشر على حُبِّ مَيْعَةَ الشباب ، وَشَرْخِهِ ، لأنَّها خيرُ فترات العمرِ ، فيها القوةُ ، والجمالُ ...

وبالاستقراء لم تَبْكِ العربُ شيئاً أكثرَ من الشباب ، فتجِدُ ذلكَ زاخراً في أشعارهم ، ونثرهم ، ومما يَحْضُرُني ، قول منصور النَّمَري في حَضْرَةِ الرَّشيد :

ما تَنْقَضي حَسْرَةٌ مني ، ولا جَزَعٌ
..... إذا ذَكَرْتُ شَبَاباً ليس يُرْتَجَعُ

بَانَ الشَّبابُ ، وفاتَتْني بِلِذَّتِهِ
..... صُرُوْفُ دَهْرٍ ، وأيامٌ لها خُدَعُ

ما كُنْتُ أُوْفي شبابي كُنْهَ غِرَّتِهِ
..... حتَّى انقَضَى ؛ فإذا الدُّنيا لَهُ تَبَعُ !

فَعقَّب الرشيدُ على هذه الأبيات ، قائلاً :

( لا يَتَهَنَّأُ أَحَدٌ بعيشٍ حتَّى يَخْطُرَ في رِدَاءِ الشَّباب ) .

فأبياتُ النَّمَري تنبعِثُ منها حرارةُ الحسرةِ والزَّفرات على شبابٍ انصرمَ ومضى ، ورحل ، مُعْقِباً دموعا على تلكَ الليالي والأيام !

وهذه زفرات وحسرات أبي العتاهية على الشباب :

بكيْتُ على الشّبابِ بدمعِ عيني   
...... فلم يُغنِ البُكاءُ ولا النّحيبُ

فَيا أسَفاً أسِفْتُ على شَبابٍ
..... نَعاهُ الشّيبُ والرّأسُ الخَضِيبُ

عريتُ منَ الشّبابِ وكنتُ غضَّاً
...... كمَا يَعرَى منَ الوَرَقِ القَضيبُ

فيَا لَيتَ الشّبابَ يَعُودُ يَوْماً
..... فأُخبرَهُ بمَا فَعَلَ المَشيبُ !

وبعد هذا الفرش لقصة العجوز التي نريد تَنَاوُلَها ، نَتَسَلَّلُ لِقِصَّتها ، حَذَرا ، وَشَفَقَةً أن تُلاحِظنا أو تَدْري بنا !

عجوزُ رحلَ شبابُها ، وأبقى لها التَّجاعيدَ ، وانحناءَ الظَّهْرِ ، وَغورَ العينينِ ، فأصبَحَتْ كأنَّها شَنٌّ يُقَعْقِعُ ، أو ثوبٌ بالٍ ذهبتْ رسومُهُ ، وانمَحا نَسْجُهُ !

هذه العجوزُ تريد أن تناطِحَ الدَّهْرَ ، وأنْ تَمْنَعَهُ عن سيرِهِ وخُطاه ، تُرَجِّي الشبابَ ، وَعَوْدَتَهُ ! لكنْ هيهات هيهات ، فكم أذهب الشبابَ ، وأبلى الجمال !

قال زوجُ العجوزِ لما رأى محاولاتِها الفاشلةَ في ايقاف الزمان ، ومنعه من السير :

عجوزٌ تُرَجِّيْ أن تكونَ فَتِيَّةً
..... وقد غارتْ العينانِ ، واحدودبَ الظَّهْرُ

تَدُسُّ إلى العطَّارِ سِلْعَةَ بَيْتِها
.....وهل يُصْلِحُ العَطَّارُ ما أَفْسَدَ الدَّهْرُ ؟!

تُمَنِّيْ نفسَها بأن تعودَ فُتُوَّتُها كما كانت ؛ لِكَي تتمايل أمام الزوجِ ، وَتُدِلُّ عليه بالشباب ونضارتِهِ ، فقامتْ بما تملي عليها حيلَتُها ، من المُبادلة والمُقايضة مع عَطَّارٍ يحملُ المسكَ ، ومكمِّلات الشباب من حِنَّاء ، وكُحْلٍ ، تعطيه خُبْزَ بيتِها مُقابلَ تلك الأشياء !

وما دَرَتْ أن سلاحَ الدَّهْرِ غالبٌ سلاحَ العَطَّار لا محالةَ !



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الانتخابات البلدية متوقعة في ربيع العام المقبل

رئيس الفيفا يوجه رسالة لمنتخب العراق بعد تأهله لكأس العالم

ولي العهد: مبارك للمنتخب العراقي التأهل لنهائيات كأس العالم

فيديو بالذكاء الاصطناعي لأحمد موسى يحقق مشاهدات واسعة

استقرار توفر الزيوت واستمرار الإمدادات رغم الظروف الإقليمية

تفعيل الدفع الإلكتروني في مركز جرش الشامل وتعزيز خدماته الصحية

حصيلة الغارات الإسرائيلية على لبنان تتجاوز 1300 قتيل منذ بدء الحرب

نمو صادرات صناعة إربد 10.5% خلال 3 أشهر

موجات قصف صاروخي إيراني متتالية تضرب وسط إسرائيل

الإمارات تعترض 5 صواريخ باليستية إيرانية

إيران: تصريحات ترامب حول طلب طهران وقف إطلاق النار كاذبة

تنمية أموال الأوقاف تطرح 900 قطعة وقفية للاستثمار

بدء سلسلة حوارات حول مشروع قانون الإدارة المحليَّة في رئاسة الوزراء

إيران: قرار إسرائيل إعدام الأسرى ضربة غير مسبوقة للقانون الدولي

إغلاق سوبر ماركت لضبط منتج حلوى على شكل سجائر