اسم الله الْبَرُّ

mainThumb

17-11-2021 10:45 PM

( إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ)
 سبحانك برّ أنت : بعبادك الضعفاء، وإن بدت منهم القـسوة والجفـاء،٤ تُطعمهم وتسقيهم، وتُمهلهم وتبقيهم، وتمـنحهم  وتؤويهم ، و يكافئونك بمعاصيهم .
سبحانك، يغضبونك وترضـيهم، ويمنعونـك وتُعطـيهم، ويقطعونـك
وتأتيهم، ألم يعلموا أنك باريهم، وبائعهم وشاريهم .
  سبحانك معلم البِرِّ الأبرار، ألمَانُّ به على المصطفين الأخيار والضانُّ  به على الظلمة والفجار والكفار .
 لا تخلو من لطائف بِرك، سابحة في بحـرك، ولا سـائحة في برك ،ولا ظاهرة في جهرك ، ولا باطنة في سرك 1
إذا ما تأملنا في التسبيح السابق نجد أنه قد اشتمل على أهم مقاصد هذا الاسم الإلهي العظيم ودلالاته الذي نود الإشارة إليها بخصوصها وعموها :
 ،ولأن الضعفاء هم أشد الناس حاجة إلى البر والله سبحانه هو البر الرحيم ،يحب البِر وأمر عباده الأبرار أن ينفقوا من محبوب أموالهم على ذوي القربى والمساكين والسائلين وفي الرقاب ،فتفجرت طبائعهم بأنهار من محاسن الأخلاق  قال تعالى (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا (9) الإنسان.) فكان سبحانه هو وتعالى هو الذي وفقهم لطاعته وهداهم إلى محاسن الأفعال وهو البر بهم وبجميع خلقه ، وهو المبتدئ عباده بعظيم بره وإحسانه والأولى بالبر منهم ، قال تعالى على لسان اهل الجنة  : ( إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم ) الطور ) وقال تعالى : (أمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (62)النمل ) وقال تعالى  ( قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14) الانعام) فبر الله بعباده لا يقتصر على الرزق فقط  ولكنه يتعدى ذلك ،يمهلهم إذا عصوه ،ويقبل توبتهم إذا تابوا ،ويرحمهم إذا عصوا ، عم ببره واسباغ نعمائه جميع عباده طائعهم وعاصيهم في الدنيا فلا يقطع ببِره وكرمَه على الكافرين والعاصين ،ما أنعم به على الشاكرين انتظارا لتوبتهم وإمهالا لأوبتهم ،وفي الأخرة يختص الأبرار بنعيم جنته ،فلو ادرك العبد أن الله أقرب إليه مما سواه وأنه البر الرحيم به دون سائر المخلوقات ،لأنتقل من معصيته إلى طاعته ، ولوثق بكفالة رزق الله له وأكل من موائد رزقه الخاصة بأهل كرامته وولايته ،فما أنت أيها الإنسان إلا نعم ، ألم يناديه بلذيذ خطابه فقال : ( يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (6) لانشقاق) المعنى العميق للبر أنه لا يقتصر على العطاء الذي يسد الحاجة فحسب ،ولكن يبلغ  مبلغ الود والمحبة والقربى ،فبر الله للعبد يستطيع كل منا أن يتعرف عليه ،وسيكشف أن الله تعرف إليه بأزمات مختلفة وأوصل إليه بره وإحسانه في مواقف شتى ،وتقرب إليه بفضائله وإحسانه ، ما يوجب من العبد المحبة والشكر للبار المنعم ،محبتة الله  ومودته وعنايته بعباده لا تحصى ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) ، وهذ المعنى ينسحب أيضا إلى الأبرار من عباده ،ولذلك كان أولى الناس بالبر الوالدين وذوي القربى إذ هو عطاء خاص دائم وواصل وواسع متصل غير منقطع لا يهدف لسد الحاجة فقط وإنما إلى الود والمحبة والقربى  .
 وهناك خصوصية أخرى مَنَّ الله بها على المصطفين الأخيار ،ومن تبعهم بإحسان ،في الدنيا قبل الأخرة فحبب إليهم البر وعلمهم كيف يكونون أبرارا ،بأن أنزل عليهم كتبه موعظة للمتقين وتذكرة للمؤمنين الأبرار ،وقد من الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بعظيم بره وجزيل فضله وإحسانه ،فأنزل الله عليه القرآن الكريم تنزيلا ورتله على قلبه ترتيلا  وفصله في لسانه تفصيلا ،فكان صلى الله عليه وسلم إمام الأبرار و قدوتهم  ولولا ذلك ما عرف ما الكتاب وما الحكمة قال تعالى (( كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ(11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ(12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ(13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ(14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ(15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ(16)عبس)وقال تعالى :(إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ(77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ(78)لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ(79) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ(80)الواقعة ) فكان هداية ومنهجا ودستورا للدعاة المصلحين فهو كتاب الأبرار يعلمهم البر ويحببه إليهم ،فلما وجدوا من صفات بره ما فقدوا ،خروا للأذقان باكين  ( رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193)آل عمران )
وأما المعنى العام لتجليات اسم الله البَر  الذي عم الخلائق به على  جنه وإنسه وسماواته وأرضه  ،فإنه لا تخلو من لطائف بره مثقال ذرة  في السماوات ولا في الأرض ،ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ،يستوي بذلك السر بالعلن والظاهر بالباطن  ،  فبره بعباده معروف ،وإحسانه إليهم  موصوف ،ولأنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء  ،فيتواصل مع مخلوقاته بطريقته وبلطيف علمه ،لم يسه عن خلقه لحظة ولم ينم ،فلا تخلو من لطائف بره نملة في جنح الليل البهيم ،ولا في الصخرة الصماء ،ولا نملة في أرض عشوائية في الفلاة ،ألا ترى كيف أفهم سليمان منطق نملة إذ ( قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18 ) النمل ) وما ذلك إلا ليعلمه البِر ، قدر فهدى ،هدى الأنفس إلى مساعيها وألهمها الفرق بين محاسنها ومساويها ،وهدى البهائم إلى مراعيها ، والطير في عشه كيف أطعمه وهداه !
،و الوحش في قفره كيف أوصله بقوته وإليه هداه ،ومن مائه أسقاه !
،والحوت في البحر كيف يسبحه ويشكره !
،أحاط بكل شيء علما  وغفر ذنوب المؤمنين الأبرار تكرما منه وحلما ليس كمثله شيء وهو السميع العليم .
صحيح إن هذ الاسم الإلهي الكريم - وكل أسمائه سبحانه حسنى - ذكر مرة  وحدة في القرآن الآية( 28) من سورة الطور في قوله تعالى (إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (28) ومع ذلك فمعانيه الداخلة في أفعاله وكرم بره وإفضاله أجل ان تحصى ،فجميع الخلائق يتفيؤون تحت ظلال بره ،وينعمون بكريم فضله وإحسانه ، فطوبى لمن تفيأ في الدنيا تحت ظل بره الخاص بعباده الأبرار ، وشرب من أنهار تسنيمه وما أعذب ما وصف ربنا وأحلاه  ((إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا (9) إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً (10)الإنسان.)
ثم آل في الآخرة إلى تناهى كرم البر الرحيم عليه ودخل في زمرة الأبرار ،وأوى    إلى دار النعيم  ،وتمتع  بالنظر إلى وجهه الكريم ،ووصل إلى ما وعد به الله من الملك الكبير ،والعطاء الذي لا يحصيه التقدير ذلك ما وعدهم به في كتابه الكريم  
{ فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ اليوم وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً (11) (وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً ( 12) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (13) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (14) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (15) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (17) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (18) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (19) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (22) ﴾الأنسان } ومثل ذلك  جاء في سورة المطففين .
نسأل الله بكريم فضله وبره ومنه أن يجعلنا من عباده الأبرار وأن يلحقنا بهم في دار القرار ( رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193)آل عمران )
  
........
1 – التسبيح في أول الموضوع من كتاب التوحيد الأعظم المبلغ من لا يعلم إلى رتبة من يعلم للشيخ أحمد ابن علوان رضوان الله عليه ص 109 .