بين قمتين واحدة لمستقبل واعد والأخرى لحاضر مأزوم!

mainThumb

04-08-2022 02:02 PM

قبل وصول الرئيس الأميركي جو بايدن لحضور قمة جدة في 15 يوليو (تموز) الماضي وحتى قبل بدء زيارة الرئيس الأميركي للشرق الأوسط بأسابيع كانت تحليلات الصحافة الغربية والإقليمية والآراء على محطات التلفزيون ووسائل التواصل تتنبأ بمحتوى المفاوضات وطريقة الاستقبال وحفاوته. وفي حين كان التركيز الغربي على شكل الاستقبال والسلام بين الرئيس بايدن وولي العهد الأمير محمد بن سلمان أكثر من محتوى المباحثات، توسعت التحليلات في الشرق، وخاصةً تلك التي تدور في فلك إيران لتتحدث مسبقاً عن النتائج والشكل وإظهار المملكة وكأنها تسعى إلى رضا الولايات المتحدة والأخيرة تُملي شروطاً لا ترد.
وكانت القمة وتألقت المملكة برصانتها وعنفوانها وعظمتها، كان في استقبال الرئيس الأميركي أمير مكة الأمير خالد بن فيصل بن عبد العزيز يرافقه سفيرة المملكة في واشنطن الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان، واتجهوا مباشرة إلى قصر السلام في جدة حيث استقبله عند المدخل ولي العهد الأمير محمد، ودعاه إلى التوجه نحو الصالة الكبرى، حيث كان يجلس الملك سلمان الذي وقف وسلم على بايدن قائلاً: «أهلاً بكم في السعودية ضيفاً عزيزاً علينا وعلى شعبنا»، فرد الرئيس بايدن «يشرفني أن أكون هنا وأن ألقاكم يا جلالة الملك، وقد أسعدني أن أجدكم بخير وفي صحة جيدة». وبعد تناول القهوة العربية والتمر، تقدم الأمير محمد من الرئيس بايدن ودعاه إلى مرافقته مع الوفد الأميركي إلى قاعة الاجتماعات، فودع الملك منحنياً وابتدأت المحادثات، التي كانت كاجتماعات العمل الصرف، فلا هي احتفاليات تكريم ولا هي استعراض للحفاوة المبالغة، كما تنبأ البعض، الذين صمتوا صمت أهل الكهف.
استهل الرئيس بايدن الاجتماع بقوله إنه وعد الكثيرين بأن يسأل عن آخر المستجدات في موضوع مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، فرد الأمير محمد أن القضية أخذت مسارها القضائي، وهناك متهمون بهذه الجريمة سينالون عقابهم حسب الآلية القانونية، تماماً كما حدث في جرائم سجن أبو غريب العراقي الذي اقترفه بعض الجنود الأميركيين وتم اعتماد الآلية القانونية لمعاقبتهم، ثم تابع الأمير قائلا: «وأنا وعدت نفسي قبل أي أحد آخر، وإرضاء لضميري أن أسألكم يا سيادة الرئيس هل حصلتم على نتيجة التحقيق في جريمة مقتل الصحافية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة، على أيدي القوات الإسرائيلية؟»، وهنا ارتبك الرئيس الأميركي الذي تفاجأ بالسؤال، وطلب أن يتم الانتقال إلى ما يجمع بين الدولتين وليس ما يُفرق، ووافق الأمير، مسجلاً أهدافاً عدة في بداية المحادثات.
في مقابلة لوزير الدولة للشؤون الخارجية عادل الجبير مع شبكة سي إن إن الأميركية قال إن الرئيس بايدن طلب زيادة إنتاج المملكة للنفط تعويضاً عن تخفيض استيراد النفط الروسي، ورد الأمير محمد أن مسألة إنتاج النفط تخضع لمعايير وحسابات دولية لا يمكن تجاوزها، وهذا ما تعتبره المملكة مسؤوليتها لاستقرار الأسواق العالمية. وعندما سئل الوزير الجبير عن الدعوة التي وجهها الرئيس بايدن لانضمام السعودية للاتفاقات الإبراهيمية قال إن الأمير محمد كان مرحباً بالسلام في المنطقة، ولكن الأمير على خُطى جده المؤسس قال إن السلام يجب أن يقوم على العدل، وبنظر المملكة هذا يقوم على حل الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية.
في جولة المفاوضات الثنائية بين السعودية والولايات المتحدة كان واضحاً صلابة الأمير الشاب، في دفاعه عن مصالح بلده وأمته. وعند وصول رؤساء الدول المشاركة في القمة وانعقاد الجلسات المشتركة التي حضرتها مصر وقطر والكويت والإمارات والأردن والبحرين، كان واضحاً المركز القيادي للمملكة في المنطقة والعالم. ورأى الرئيس الأميركي بأُم العين محورية السعودية في محيطها، ومقدرة الأمير محمد على جمع الرؤساء حوله في الفكر والموقف.
قمة جدة جمعت إلى جانب الولايات المتحدة دولاً تسعى جاهدة لسعادة شعوبها وتنمية قدراتها وتطوير مجتمعاتها وقوانينها لتصبح في مصاف الدول الراقية الجديرة بالاحترام، رغم اختلاف المعتقدات والتقاليد.
في مقابل قمة جدة انعقدت قمة أخرى في طهران في 20 يوليو بين إيران وروسيا وتركيا. وقد رأت إيران في حرب أوكرانيا وتورط روسيا في مستنقعاتها فرصة لفك عزلتها بالحصول على تكنولوجيا وقطع غيار محظور استيرادها بسبب الحصار الأميركي الغربي. أما روسيا فلقد رأت أن الوضع الإيراني المسدود الأفق بسبب توقف المحادثات مع الولايات المتحدة فرصة مناسبة لطلب إمداد الجيش الروسي بمسيّرات هي بأمسّ الحاجة إليها، في الحرب الدائرة والتي استهلكت فيها معظم مخزونها. أما تركيا فلقد أرادت الاستفادة من أزمات البلدين لحسم الوضع الكردي والمعارك الدائرة في شمال سوريا.
ورغم التحليلات التي انتشرت في الصحف ومواقع التواصل والتي أشارت إلى اتفاق في طهران لموافقة الروس على إطلاق يد إيران في سوريا ولبنان، بسبب إعادة تموضع القوات الروسية وانسحاب العديد من الكتائب لوضعها في الجبهة الأوكرانية، فإن الواقع هو أن الإيراني لا إمكانيات لديه أكثر من الإمكانيات الراهنة ليحل مكان الروسي، وهو يتلقى ضربات الطيران الإسرائيلي يومياً ولا يحرك ساكناً، فكيف إذا تمدد ليحل مكان الروسي. وكذلك في لبنان، فإن ذراع إيران «حزب الله» هي عملياً الحاكم الفعلي للبلد، إن أراد أمراً يكون والعكس صحيح، رئيس الجمهورية ومجلس النواب ينفذان أوامره بلا سؤال أو اعتراض، ولا تؤلف حكومة إذا لم يكن راضياً على وزرائها وقراراتها وبالطبع رئيسها، فأي يد يطلق الروسي لإيران أكثر من هذا؟
على كل، اتخذ الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي نبرة أكثر تحدياً الأسبوع الماضي. ليتحدث باسم الشعب الإيراني ويقول: إن «الشعب يعلن رسمياً أنه بالمقاومة يمكنه تحييد العقوبات الأميركية».
في غضون ذلك، قال وزير الاقتصاد الإيراني إحسان خاندوزي إن هناك زيادة حادة في الإيرادات من صادرات النفط الخام والمكثفات. وقال إنه في الأشهر الأربعة الأولى من العام الإيراني الحالي، زادت هذه الإيرادات بنسبة 580 في المائة مقارنة بالعام الماضي.
وقال خندوزي إن زيادة عائدات النفط سمحت لحكومة رئيسي بمعالجة عجز ميزانيتها «إلى حد جيد».
بغض النظر عما إذا كانت هذه الادعاءات صحيحة أم لا، فإن المسؤولين الإيرانيين يعدون سياسياً، وذلك للقول إنهم يستطيعون العيش من دون الاتفاق النووي، ولا يحتاجون إلى الصفقة. إنهم يشيرون إلى أنهم قادرون على الابتعاد عن المفاوضات. لكن كشفت أحدث توقعات البنك الدولي إلى خفض توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي الإيراني إلى 3.3 في المائة هذا العام، مع نمو فاتر للنفط وغير النفط، وتضخم مرتفع متوقع في المستقبل المنظور في غياب إحياء خطة العمل الشاملة المشتركة.
وقال خندوزي إن زيادة عائدات النفط سمحت لحكومة رئيسي بمعالجة عجز ميزانيتها «إلى حد جيد».
كما يدعي أوجي أن إيران تجتذب الاستثمار الأجنبي في صناعتها النفطية رغم العقوبات الأميركية. وقال في وقت سابق هذا العام إن إيران وقّعت اتفاقات بقيمة 16 مليار دولار لاستثمارات في حقولها النفطية، لكنها لن تكشف عن التفاصيل بسبب العقوبات، تبقى هذه كلمات تسويقية لا تطعم خبزاً ولا تتحول إلى حقيقة. ونبقى في قمة إيران.
ففي دردشة مع صحافي مُقرب من الرئيس التركي رجب طيب إردوغان وكان ضمن الفريق الصحافي الذي رافق الرئيس إلى اجتماعات طهران، قال إن الرئيس التركي لم يكن مرتاحاً بعد اجتماعه مع علي خامنئي المرشد الإيراني رغم لباقة الكلام وفائق الدبلوماسية، إذ كان القائد الأعلى للجمهورية الإسلامية يتحدث مع ضيفه كمرشد وواعظ فقيه. فبعد الحديث عن واجب الوحدة والاعتصام بحبل الله وعدم التفرق، قال خامنئي لإردوغان إن استقرار النظام السوري هو مصلحة عليا وخط أحمر لإيران وللأمة، وكل من هم في الخط المعادي لأميركا وإسرائيل، وقد فهم إردوغان الرسالة الإيرانية التي عبرت عن معارضة للأعمال العسكرية في شمال سوريا. ولم يقاطع الرئيس إردوغان مرشد الجمهورية إلى أن انتهى من الكلام وعندها قال: «سيدي لقد قضيت معظم حياتي أجاهد وأعمل لحماية الأمة والذود عن مصالحها، ودفعت الغالي والنفيس لهذا، ويؤسفني أن أختلف معك في موقفك من النظام السوري الذي لا يمكن لأي إنسان، وبالأخص أي مسلم أن يقبل بوجوده ويتعايش معه». وتبقى إيران في دائرة التخويف، ففي تصريح نادر أكد رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية قدرة بلاده التقنية على صنع قنبلة ذرية، لكنه شدد على أن هذا ليس مدرجا على جدول الأعمال. وجاءت هذه التصريحات في سياق الضغط على الغرب بشأن مفاوضات الملف النووي.
ونقلت وكالة فارس الإيرانية شبه الرسمية للأنباء الاثنين الماضي عن محمد إسلامي رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية قوله إن إيران لديها القدرة التقنية على إنتاج قنبلة ذرية، لكنها لا تنوي القيام بذلك. ويؤكد إسلامي بذلك تصريحات سابقة أدلى بها كمال خرازي، المستشار الأكبر لخامنئي، في يوليو الماضي.
وتُخصّب إيران بالفعل اليورانيوم حتى درجة نقاء 60 في المائة، وهي أعلى بكثير من سقف 3.67 في المائة المحددة بموجب اتفاق طهران النووي المبرم عام 2015 مع القوى العالمية. ويتطلب صنع قنبلة نووية توفر يورانيوم مخصب بنسبة 90 في المائة. وكان يمكن لإيران أن تكون الأكثر راحة اقتصاديا الآن لو لم تدفع إلى انهيار المحادثات بسبب عقبات، من بينها مطالبتها بضرورة أن تقدم واشنطن ضمانات بعدم تخلي أي رئيس أميركي عن الاتفاق، لكن لا يمكن لبايدن أن يتعهد بذلك لأن الاتفاق النووي عبارة عن تفاهم سياسي غير ملزم وليس معاهدة ملزمة قانوناً.
في النهاية إذا كان مؤتمر جدة قد جمع دولاً لها قواسم مشتركة ومخطط متكامل لمستقبل واعد مبني على التعاون الصادق، فإن مؤتمر طهران جمع الدول المأزومة، حيث كل يحاول استغلال الآخر للخروج من أزمته.