حرية الرأي والتعبير .. نصوص حمالة وجوه .. وصلاحيات واسعة

mainThumb

09-08-2022 01:41 PM

إن التحدي الذي يواجه المدافعون عن حقوق الإنسان في الحقبة الراهنة هو إقناع الجماهير أنه لا يمكن أن يكون للحرية وجود دون فضاء رحب للخطاب السياسي والقانوني أو حتى الإجتماعي ،،،
ولأن حرية التعبير مهمة للغاية ، لا بد وأن يكون أي قيد يفرض عليها إستثنائياً ومحددا بشكل واضح ومسوغاً بدقة ، إذ لم يكتف القانون الدولي لحقوق الإنسان بوضع محاذير عدة بشأن ما يمكن التعبير عنه وما لا يمكن التعبير عنه كذالك ، بل وأفرد معاييرا صارمة وواضحة يجب على الدول أن تلتزم بها لتوضيح وتبرير أية قرارات تتخذها لفرض قيود على حق حرية التعبير.
ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والذي تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة باريس في 10 دسيمبر 1948 ، على أن " لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير ، ويشمل هذا الحق حريته في إعتناق الآراء دون أي تدخل ، وفي إستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين ، بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية ". المادة 19 من الإعلان.
فعلى المستوى الفردي تعد حرية التعبير عن الآراء مفتاحا لإحترام وجود وكرامة كل شخص ، كما تعزز لدى الأفراد الشعور بمزيد من الإحترام والأمان بمجرد قدرتهم على التعبير عن آرائهم .
و على مستوى الدولة تعد حرية التعبير ضرورة بل وأداة من أدوات الحكم الرشيد ، لضمان التقدم والنمو الإقتصادي والإجتماعي كنتيجة طبيعية لتمكين الأفراد من مناقشة كافة القضايا بمنتهى الحرية كأساس من الثقة المتبادلة لتعزيز لحقوقهم الأخرى.
أضحت حرية التعبير اليوم مهددة وبصورة متزايدة في الآونة الأخيرة ، فمن ناحية يزداد الإستبداد في جميع أنحاء العالم ، خاصة في ظل قبول الشعوب بالقيادات والحكومات الشعبوية ، ومن ناحية أخرى تزداد الإعتقالات والملاحقات القضائية لوسائل الإعلام المستقلة والناشطين السياسيين والإجتماعيين.
وتثور التساؤلات حول حق حرية التعبير والرأي في الأردن ، خصوصا أن الدستور الأردني يكفل في المادة 15 منه حرية الرأي والتعبير ، وحرية الصحافة والطباعة والنشر ووسائل الإعلام ضمن حدود القانون ، وتحديدا في المادة 7 منه يعتبر الدستور الأردني أن " كل إعتداء على الحقوق والحريات العامة أو حرمة الحياة الخاصة للأردنيين جريمة يعاقب عليها القانون " .
ولا يخفى على أحد أن القوانين التي تنظم حق حرية الرأي والتعبير في الأردن فضفاضة بل وحمالة وجوه ، وتقدم صلاحيات كثير وواسعة للمدعي العام الذي يقرر بدوره متى وعلى من يتم تطبيق قانون الجرائم الإلكترونية.
ففي حين يكفل الدستور الأردني حرية الرأي والتعبير ، تقيد المادة 11 من قانون الجرائم الإلكترونية هذا الحق كمسوغ قانوني لهدر الحق الدستوري بل وتستغل لغايات تقييد حرية أصحاب الرأي والصحافيين ، وهو ما يخالف تحديدا قانون المطبوعات والنشر المعني بتنظيم العمل الصحفي والذي ينص صراحة على عدم حرمان الصحفي من أداء عمله أو التدخل فيه أو تعرضه للتوقيف بسبب أداء عمله الصحفي.
وفي حين إنفرد نص حرية التعبير بكلمة " تكفل " في الدستور الأردني وعلى خلاف باقي النصوص دلالة على إلتزام الدولة بكفالة هذا الحق ، تخالف القوانين الفضفاضة نص المادة 128 من الدستور الأردني والتي تنص على أنه " لا يجوز أن تؤثر القوانين التي تصدر بموجب هذا الدستور لتنظيم الحقوق والحريات على جوهر هذه الحقوق أو تمس أساسياتها "
والقول بمسؤولية رئيس تحرير الصحيفة أو مالكها – سواءا كانت ورقية أم إلكترونية – عن أي مقال يتم نشره عليها ، والتي تتساوى مع مسؤولية كاتب المنشور عن عن التعليقات الواردة على منشوراته ، وعلى قدر وجاهته يخالف المبدأ القانوني العام ( شخصية المسؤولية الجنائية ) والتي تعني أن الشخص لا يعاقب إلا على فعل إقترفه هو بذاته ، وهو ما يخالف جوهر الأصول الجنائية العامة والتي تقتضي نهوض أدلة الجريمة وأركانها بشكل جلي لا يخامره الشك .
بالإضافة إلى أن رئيس تحرير الصحيفة أو مالكها وإن كان يتحمل مسؤولية الإشراف على جميع ما يتم نشره في الصحيفة – وفق ما صدر من قرارات وآراء فقهية تبنتها محكمة النقض المصرية – إلا أنه عمليا لا يمكن أن يحيط بكافة المقالات التي تنشر في صحيفته ، خاصة إن كانت صحيفة إلكترونية ، وكذلك الأمر بالنسبة لصاحب المنشور الذي وإن كان مسؤلا عما ينشر على صفحته من منشورات إلا أنه وعمليا لا يمكن أن يحيط بكافة التعليقات على منشوراته الخاصة ، خاصة في حال كان شخصية مؤثرة أو كانت صفحته متاحة للجميع .
وعلى كافة الأصعدة لا يمكن القول بفكرة " إفتراض القصد الجنائي " وعليه فإن النص الوارد في قانون الجرائم الإلكترونية الأردني يرجع في أصله إلى مبدأ تحميل رئيس التحرير المسؤولية الجنائية عما ينشر في صحيفته ، وكافة النصوص السابقة مستقاة وتعود تاريخيا إلى القانون الفرنسي الذي صدر في عهد نابليون سنة 1848 والذي عرف بمعاداته للصحافة ، وعليه فإن النصوص سابقة الذكر قد شابها عوار دستوري ، فلا هي منسجمة مع نصوص الدستور ولا حتى مع المبادئ القانونية العامة.