ابن الحوشب

mainThumb

05-10-2022 12:47 PM

قال تعالى :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ"(11الحجرات)
الحوشب رجل فقير الحال عفيف النفس يحسبه مًنْ جَهِلَه غنياً من التعفف. لقد عاهد الله ان لا يتزوج عند وفاة زوجه وعاهدها على تربية ابنه "وحيد" وان يرعاه خير رعاية عاهدها على ذلك في لحظات عمرها الاخيرة قبل ان تصعد روحها الى باريها عاهدها الا يتزوج إلا بعد زواج الابن إن كتب الله العمر الطويل!
كان الحوشب بدينا ضخما جلندحا كبير الكرش فلقبه بعض الناس "بطحوش" واخرون اطلقوا عليه لقب الحوشب. فالتنابز بالألقاب ساد في مجتمع تم تجهيله عن قصد في عهد المستعمرين،
بعد رحيل رفيقة عمره زوجته التي احبها وتزوجها على نقاء وطهارة، عاش الحوشب مع ابنه الذي حرص كل الحرص على تربيته ولا يلحقه أي أذى ، وعمل بكل قوة حتى يوفر له حياة كريمة : لقد دأب على حراثة الحقول على حصانه الأبيض مقابل اجرة تدفع له عند انتهاءه من حراثة الحقل! واحيانا كان يشارك أصحاب الحقول اللذين لا يقدرون على دفع تكاليف الحراثة في زمان كان فيه الحصان من اهم الوسائل الزراعية، فالجرارات الزراعية نادرة ، فسنحت الفرصة للحوشب ان يجني مالا وافرا من كده ونَصَبِه، فاهتم بابنه ووفر له كل مقومات الحياة الكريمة.
كلما شقت سكة العود ثلما في الأرض يرى زوجته تنفض عنها التراب وتضع يدها فوق كابوس المحراث وعند نهاية المعاناة تدير له الحصان لحرث الإياب . كان يغني العتابا والميجنا التي تشده الى ذكرى أعز الاحباب... ويقول لنفسه انها لم تمت فابنها مازال حيا وذكراها ما زالت حية كذلك ، ويتوسل الى الله بقدرته وحوله ان يهيئ له من امره رشدا كي ينشئ ابنه تنشئة حسنه فيحقق الامل المرجو فيه!
كان الحوشب لا يملك أرضاً واسعة فكان يلجأ في مواسم الشتاء الى سفوح الجبال المجاورة لمجاري الأودية فيبذرها قمحاً وشعيرا ثم يحصدها في موسم الحصاد فيجني محصولا اكبر بكثير مما يجمعه كثير من اهل القرية!
وبعد ظهر يوم من أيام الشتاء الباردة انقشعت فيه الغيوم وأرسلت الشمس أشعتها تشيع الدفء في انحاء المعمورة عاد الحوشب الى بيته متعبا فارسل ابنه الى البقالة كي يبتاع عبوة شاي وصل الابن البقالة وكان نفر من اهل القرية يجلسون على كراسي امام الدكان في الشمس ، فطلب الابن من صاحب البقالة ان يعطيه الشاي وأعطاه صاحب الدكان عبوة شاي ثمنها دينار لكن الولد كان معه عشرة دنانير قطعة واحدة زرقاء اللون ، فشاهدها باجس الذي يسخر كثيرا من الحوشب فقال : هذا ابن أبو طُحْلِه معه عشرة دنانير قطعة واحدة ، آخ على هكذا زمن!
نظر الولد الى باجس باحتقار ولم يكلمه لكنه مضى وقد امتلأ صدره حنقا وغيظا، فلما وصل البيت أدرك الحوشب ان ابنه قد سمع كلاما لا يسره فقال: "التقيت باجس في الدكان!" فسكت الابن ولم يحب.
وأثناء تناول الحوشب الشاي وابنه وحيد قال له الحوشب لابنه:( هذه الحياة مليئة بالتناقضات وبكثير من الامور التي قد لا تروق لك، فانظر الى الطريق فيها اشواك وفيها حجارة وحفر وعلى جوانبها كلاب تنبح . فلو حاولت التغلب على هذه الاشياء لأضعت ثلاثة ارباع عمرك بلا فائدة، انطلق الى هدفك ولا تأبه بالعوائق فلو توقفت القافلة عند سماعها نباح الكلاب لما وصلت وجهتها،هيا اقبل على مذاكرة دروسك ولا تكترث لصغائر الأمور و يا بني أسال نفسك قبل الاقدام على شيء: لماذا؟ ما الهدف وما النتائج ؟يعني بالعامي الفصيح" قيس قبل تغيص")
بعد ان استراح الحوشب، انطلق الى دكان ابي ابراهيم حيث شاهد نفرا من اهل القرية يجلسون امام الدكان ، فلما اقترب: قال له باجس ساخرا:" يا أبا وحيد ما شاء الله عنك انت بحاجة الى خرزة زرقاء وذان مداس لتحميك من العين!".
ضحك الحوشب وضحك الحاضرون ، فقال الحوشب: " اسمع يا باجس هذا الكلام ليس منك فو الله لو حطوا في قلبك مائة سبع ،لا انت ولا ابوك تجرؤ ان تقول لي هذا الكلام ،لكن كما يقول المثل الشعبي : من وين هالتلم الاعوج ، قالوا .من الثور الكبير، والثور الكبير هنا هو ابن عمي هو الذي قال لك ان توجه لي هذ الكلام!"
نهض باجس منفعلا واراد ان يلكم الحوشب الذي امسك بيد باجس وكاد ان يكسرها ودفعه بعيدا فطاح أرضا فوقع عل جانبه الأيمن ، وشوهد بيض الدجاج يتناثر متكسرا خارجا من جيب جاكيت باجس فقال الحوشب : انت تسخر مني لأني أَكِدُ واكدح واحصّل المال الذي اريد كي أعيش بكرامة أنا وابني ، وانا كل يوم اسابق الشمس فوق حصاني كي احرث الحقول واحصل على الدنانير الخضراء والحمراء والزرقاء!
قل لي من اين حصلت على البيض الذي تكسر في جيبك، هل سرقته من قن دجاجات ام احمد العجوز جارتك كي تشتري به شايا وسكرا... فانا أَكِدُ وأًكْدَح بعرق جبيني فهل اصبح العمل اليدوي عارا ام شرفا؟ وانت جاهل بما كرم به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم العامل بيده إذ قال ” ما أكل العبد طعاماً أحب إلى الله من كدِّ يَدِهِ ومن بات كالاً من عمله بات مغفوراً له".)
قل لي بربك كيف حصلت على البيض ، من سرقه لك ، من المؤكد انه احد ابنائك فانت ربيت بنيك عل السرقة ففي الشتاء يسرقون الحطب من الجيران وفي الصيف يسرقون البيض من الأقنان. انا ربيت ابني على احترام الناس ، ليكن معلوما لديك انه كان سيصفعك على وجهك عندما سخرت اليوم منه بلقبي لكن تربيتي له منعته ان يهبط الى مستواك الهابط !

قام الحاضرون وفضوا الاشتباك وطلبوا من الخصمين مسامحة بعضهما ،وانتهى الامر على خير
وتمضي الأيام بطيئة تلقي بأعبائها الجسام على عاتق الحوشب فلا بدله ان يصارع تكاليف الحياة و من ناحية ولابد أيضا ان يضحي بمصلحته الشخصية في سبيل تحقيق عيش كريم لابنه الذي تفوق في التحصيل الدراسي حتى مرحلة التوجيهي فأرسله في بداية العقد الأول من ستينيات القرن العشرين لدراسة الطب ، وتمضي السينين ويعود الابن بعد ان حصل على بكالوريوس الطب ثم عاد كرة أخرى حيث نال شهادة التخصص في علم الاعصاب وجراحتها .
قال المثل "من شب على شيء شاب عليه": ضاقت حال باجس فاحتاج الى نقود فلم يجد سبيلا للحصول عليها الا بسرقة بقرات العجوز " ام الغضنفر" . تسلل ليلا الى حظيرة البقر في حوش ام الغضنفر. كانت العجوز رادارا بشريا تحس الافعى إذا انسابت فوق الأرض وبالعقرب اذا دبت قريبا منها، احست في الليل بحركة شخص يطوف حول بيتها، كان بحوزتها بندقية منذ عهد الانتداب البريطاني من نوع 303م لونغ فيلد- حشتها بالرصاص واتجهت نحو حظيرة البقر بكل خفة وهي ترتدي فروا أبيض فبدت كنعجة في الظلام.
تسلل باجس بين الاسلاك الشوكية واقترب من اول بقرة فمد يده لمربطها محاولا فكها لكن العجوز كانت ماركسمان من الطراز الأول أي قنّاصة من الطراز الأول فصوبت فوهة بندقيها نحو الصائل وضغطت على الزناد فرأى برقا بمر من فوق حاجبه ويلذع جلدة راسه فوق أذنه اليمنى فطاح ارضا يصيح ، هرعت اليه العجوز ام الغضنفر وارادت أن تلحق رصاصة أخرى لتفجر بها دماغه، لكنه توسل اليها ان تعتقه لله. فأخذت تطلق ام الغضنفر الرصاص في الهواء فهرع اليها اهل القرية شاهدوا باجسا مجندلا على الأرض في ضي القناديل فاحضروا شاحنة -السيارة الوحيد المتوفرة في القرية -واخذوه الى مشفى اللواء.
قرر الأطباء انه لابد من نقله الى العاصمة واذا لم يتم ذلك فهم قد يقدموا له الإسعاف ويوقفوا النزيف لكنه ان لم يتم علاجه علاجا ناجعا فانه سيصاب بمرض الرعاش او الباركنسون ديزيز.
نقل باجس الى مشفى العاصمة وهناك أجريت له عملية ناجحة ونقل الى سرير الشفاء،
وفي ضحى اليوم التالي مر عليه فريق من الأطباء المتدربين والمشرف عليهم الطبيب وحيد الذي اجرى العملية لباجس هو وحيد ابن الحوشب فبهت باجس لكنه أصيب بمرض عصبي فأحيل على فريق من الأطباء النفسيين فشخصوا انه يعاني من حقد مزمن وانه لابد من ان يعيش باقي حياته يتناول عقاقير GHP وأنواع أخرى من مهدئات الاعصاب!