الرقم في حياتنا

mainThumb

19-11-2022 06:05 PM

تقول كيث أَلْيس في خاتمة كتابها " قوة الرقم في الطبيعة والفن والحياة اليومية" :
من أقاصي القفار في الفضاء الخارجي الى أعماق تجاويف الذرة يتذبذب الرقم عبر الكون بتموجات دقيقة في طبقة متعددة الأصوات. واقد اكتسبت ذلك الاهتزاز الخفافيشُ والنُحل والاقحوانُ واشجارُ الأناناس، والشمسُ والقمرُ والنجوم ُوديدان البالولو والبطاطا والانسان صانع الاساطير والشعراء والمهندسون والمقامرون والعلماء. ونستجيب لتلك الانغام لا شعوريا مستمتعين بمنحنيات لوحة "لينوس لبوتي سيلي" و زخارف الهندسة الإسلامية. ويحدث ذلك في كثير من الأحيان ونحن غير مدركين للعلاقات الرقمية التي تجسدها. فمشاعرنا مشغولة الى حد لا يزداد ابدا عند اشغالنا بالاستماع الى الموسيقى التي وصفها الفيلسوف لايبنتز " ممارسة خفية للروح التي لا ندرك انها تتعامل بالأرقام."”
وقد يكون الرقم فقط اشباعا ذهنيا، فعندما نحاول فك تعقيدات مربع سحري او نكتشف نمطا سلوكيا غير متوقع لحشرة لا نعرف عنها الكثير فإنا نكتشف اننا نشعر بالانسجام مع العالم فنحن وجميع من حولنا نرقص على ايقاع واحد.
فهناك سبب يجعلنا نحسب ان الرقص يأتي قبل الراقصين، ومكان الرقص والآلات الموسيقيين. فالشكل يسبق المحتوى وقد عبر عن هذا البروفيسور "ويرنر هيازنبيرغ " في خطابه البليغ
" خطاب اثينا” الذي القاه في "هيل بينكس" عام 1964.فقد استهل خطابه بمقابلة وجهتي نظر متعارضتين حول الحقيقة ، وجهة نظر افلاطون ومثاليين آخرين الذين يعتقدون ان الحقيقة تكمن في الافكاٍر او الاشكال ، منها الاشكال الحسابية مثل المكعب ورباعي السطوح . ووجهة نظر ديمقريطوس وغيره من الذرّيين الذين يرون ان المادة يمكن تفتيتها الى كتل صغيرة صلبة لا تنقسم تشبه كرة البلياردو ، كذرات فيزياء نيوتن وهذه الجزئيات هي الحقيقة النهائية. وفي الفترة ما بين القرن السادس عشر والتاسع عشر جعل النجاح التكنولوجي اليد العليا لأصحاب وجهة النظر الذرية. وكان الاعتقاد السائد ان الذرة لا يمكن تجزئتـها لكن عندما تمت تجزئتها الى نواة والكترونات أُعْتِقد انهما المكونين النهائيين للمادة لكن أمكن فيما بعد تقسيم النواة الى بروتونات والكترونات، واتضح ان هذين أيضا يمكن تقسيمهما اذا استخدمت قوة كافية. ٍ. وإن سَلّمْنا بوجود أصغر وحدة نهائي أو انه من الممكن تجزئة الوحدات الأصغر في سلسلة من الانقسامات المتتابعة الى وحدات أصغر وإعادة التجزئة الى مالا نهاية. وان كان الامر كذلك فهل يكون هذا حقيقية؟
لكن تناقضا يبرز هنا فالوحدات الناتجة عن الانقسام تساوي الجزيئات الاصلية. وقد فسر البروفيسور "هيازنبيرغٍ استحالة ذلك كما يلي:
ان افضل وصف لتلك التصادمات هو عدم القول ان الجزئيات قد انقسمت ، لكن الأفضل ان نتحدث عن خلق جزيئات الطاقة حسب قوانين النسبية. وبوسعنا القول ان جميع الجزيئات تتكون من المادة الأساسية ذاتها. التي قد نسميها طاقة أو مادة . فنقول : " المادة الاصلية " طاقة" تصبح " مادة" باتخاذها شكل جزيء أصلي . وبهذه الطريقة علمتنا التجارب التي أجريت في عهد قريب ان بوسعنا ان نجمع العبارتين المتناقضتين: -يمكن تجزئة المادة الى مالا نهاية-"
وعبارة " للمادة وحدات أصغر " وهذا يجنبنا الوقوع في تناقض حقيقي!
ويضيف:
لقد حكمت الفيزياء الحديثة حكما مؤكدا لصالح افلاطون. وفي الحقيقة، الجزئيات الصغرى ليست أشياء مادية بالمعنى المعهود؛ بل هي أشكال وأفكار بوسعنا التعبير عنها تعبيرا واضحا بلغة الحساب فحسب .

ومشكلة الفيزياء الحديثة هي إيجاد مبدأ يقبله الجميع يتيح لنا التعبير حسابيا عن النظائر التي تقوم عليها الطبيعة.
هذا الوضع يذكرنا بنظائر افلاطون التي طرحها لترمز الى التركيب الأصلي للمادة.
ولم تك نظائره التي طرحها النماذج الصحيحة. لكنه كان محقا في اعتقاده اننا في النهاية ، في مركز الطبيعة، نجد نظائر حسابية . ووجهة نظر كتلك التي طرحها عالم من ابرز الفيزيائيين في القرن العشرين قد تعزز الشك لدى الكثيرين ان العلماء لهم وجهة نظر اختزالية فهم يختزلون ارتجالا الخبرة الإنسانية في سلسلة من الأرقام .
وهذا صحيح بالتأكيد في كثير من الفكر العقلاني، نزعة فكرية تعود من عصرنا الحاضر الى أيام غاليليو الذي كتب:
لقد خُطَ كتابُ الطبيعة برموز حسابية . وهذه العبارة بحد ذاتها لا تقلل من شأن حياة الانسان لكن الأسلوب الذي صاغ به غاليليو الفكرة تقلل حقا من حياة الانسان. وكما قال عضو اتحاد التجارة البريطاني روجر بول: يَجْتَزُ غاليليو عالمَ الانطباعات المباشرة والعواطف والخصائص التي تُكّوِن عالمنا اليومي .ثم يبدل كل ذلك بمعرفة ذات خصائص حسابية للعالم -عالم الانسان بأسره الذي عرفناه من قبل ويحسب نفسه اصبح اكثر غنى بالبديل. ... لكن
ماذا عن العالم كما خَبِرْناه العالمَ الذي تدرك فيه الاجسام ملونة صمغية رملية ذات رائحة جافة جذابة وغير ذلك.
و يشير محقا إلى ان ازدراء غاليليو الخصائص الثانوية يؤدي الى انسحاب مزدوج من المجموع الكلي: الأول الانسحاب من التجربة المُعَاشة والثاني الانسحاب من كل المعرفة.
وبوسع المرء التعاطف مع تلك المشاعر التي تنطبق دون شك على غاليليو نفسه واولئك الذين يؤيدون فلسفته. لكن كثير من العلماء الحاليين ،بما فيهم ابرز العلماء، لا يُعَقلنون الاشياء بسذاجة. لكنهم ببساطة يقبلون ان الرقم هو طريقة واحدة - واحدة فقط لكنها تكون افضل طريقة مناسبة للتعبير عن الأحدية وتجريبها عميقا في مركز الحقيقة .لكنهم لا ينكرون وجود طرائق أخرى للتعبير او التجربة فهم لديهم الحق في تركها الى الذين يتعاملون مع الاساطير والرموز والصور والاستعارة ، و قد يشكل هذا منهجا أوسع ، ويقر هايزنبيرغ ، على الأٌقل، ان لغتهم قد تكون اكثر أهمية من لغة العلماء!
إذن القضية تشبه كعكة لذيذة . فالوصفة توجد قبل الكعكة وتحديد نِسَبَ مكوناتها. لكن معرفتنا الوصفة لا تنفي تقديرنا لمذاق الكعكة وشكلها ورائحتها وقوامها وحبنا لها و التفنن في إعدادها والتداعيات غير المتناهية التي قد تستحضرها الكعكة. ومن ناحية أخرى كما تبين مبيعات كتب الطهي فان كثيرا من الناس يجدون سعادة عميقه عند تأملهم الوصفات دون ان يحاولوا فعلا ان يجربوها تمام كما يستمتع المختصون بحساب الرياضيات البحتة غير التطبيقية
وهكذا نشهد انبثاق فلسفة جديدة او أن فلسفة قديمة تعاود انبثاقها. فالرقم يتخلل الكون كما يسود طعم الملح البحر. وبوسعنا الاستمتاع بالرقم بوعي او لاوعي من خلال الفن !فنحن لا نقدر على تجاهل الرقم لكن بوسعنا ان نحاول فقط الاستمتاع به وبوسعنا ان نثري حياتنا ومداركنا ونطمح الى تحقيق الكمال بإضافة اصواتنا فقط الى انسجام المجالات في الكون !