للروائي الامريكي جون شيفر

mainThumb

30-11-2022 02:00 PM

ولدت كلمنتينا في ناسكوستا – ايطاليا ، في زمن العجائب ، - معجزة المجوهرات وشتاء الذئاب . كانت في العاشرة عندما اقتحم اللصوص معبد القديسة العذراء بعد القداس الأخير في -سان جيوڤاني وسرقوا المجوهرات التي وهبتها اميرةٌ لصورة العذراء بعد ان تم شفاؤها هناك من داء في الكبد. في اليوم التالي، عندما كان العم – سيراينو- عائدا من الحقول، شاهد في الكهف الذي اتخذته عائلة -ايتروكان – مدفنا - شاهد شابا يقف في باب الكهف يتوهج توهجا هائلا يلّوح له لكن أصابه الرعب فولى هاربا.
ثم الّمت به حمى فاستدعى كاهنا وأخبره ما رأى ، فذهب الكاهن الى الكهف حيث كان الملاك واقفا فوجد مجوهرات صورة العذراء مدفونة في أوراق شجر يابسة . وفي السنة ذاتها ،في الطريق تحت المزارع، شاهدت ماريا، ابنة عمها ، شيطانا ذا قرنين وذيل منتصب مدبب يرتدي بدلة حمراء ضيقة تماما كما في الصور!
سنة "الثلجة الكبيرة" ، كانت كلمنتينا في الرابعة عشرة إذ ذهبت في تلك الليلة بعد حلول الظلام الى النافورة وفي عودتها الى البرج الذي كانت تسكن فيه ، شاهدت قطيع ذئاب على درج –ڤياكاڤور- المغمور بالثلج، فسقطت منها جرة الماء فركضت نحو البرج ودخلته سريعا وقد تملّكها الذعر لكنها اخذت تبصبص عبر شقوق الباب فرأت الذئاب تكاد تعد ضلوعها تحت جلودها الجرباء وادركت ان الذئاب أشد ضراوة من الكلاب الجائعة فرأت دماء الأغنام التي بقرتها تقطر من افواهها ، فذعرت ذعرا شديدا وغرقت في التفكير كما لوكان قطيع الذئاب فوق الثلج على الدرج أشباح موتى وان جانبا آخر من السر الغامض أدركت انه ملاصق لقلب الحياة. فلو لم تمر الذئاب من ذلك المكان لما صدّقت نفسها انها قد شاهدت الذئاب لولا الأثر الذي تركته الذئاب هناك في الثلج!
وفي السابعة عشرة من عمرها، ذهبت لتعمل خادمة في بيت أحد النبلاء ، ليس له وزن اجتماعي، وكان يقيم في ڤيلا على التلة ، وفي ذلك الصيف أغواها أنطونيو بعد أن سماها وردته الندية. ذهبت الى القس واعترفت له بخطيئتها، لكن بعد أن كرر أنطونيو فعلته ست مرا ت واعترفت امام القس بعد كل مرة بالذي جرى مُنِحَت الغفران وعندما تكررت الخطيئة مرات عديدة طلب القس منهما ان يقترنا فأصبح أنطونيو خطيبها. كانت والدة أنطونيو وَدَودَة ،واستمرت علاقتها بأنطونيو بحجة انها وردته الندية ، وكلما ذكرا لها انهما يريدان لزواج كانت امه تلطم على رأسها صارخة . وفي السابعة عشرة من عمرها عرض عليها البارون أن تخدم في بيته في روما فوافقت . سالت نفسها:" كيف ترفض الذهاب الى روما وهي طول عمرها تحلم أن ترى البابا هناك بأم عينها وان تتمشي في شوارع روما ذات الأنوار الكهربائية الساطعة في ظلام الليل!
وفي روما نامت على التبن واستحمت بسطل ولم يكن لديها وقت للتجول في شوارع روما فساعات عملها لا تتيح لها ذلك! وعدها النبيل ان يدفع لها اثنتي عشرة الف ليرة إيطالية شهريا! لكنه لم يدفع لها شيئا في نهاية الشهر الأول والثاني أيضا، واخبرها الطباخ ان البارون اعتاد ان يشغّل فتيات الريف دون ان يدفع لهن أجرا. وعندما فتحت له الباب ذات ليلة طلبت منه بأدب جم ان يدفع لها اجورها فقال لها: "انا لم اقصّر معك فقد منحتك غرفة واتحت لك ان تتنفسي هواء جديدا وان تزوري روما، و وطلبك اجورك يثبت انك قليلة تربية قد ترببت تربية سيئة!" وأضاف:
" حين قَدِمْتِ الينا كنت حافية شبه عارية، لم يكن لديك معطف ترديه في الشوارع وحذاؤك قديم مليء بالثقوب " لكن كل ما اتيح لها من طعام هو بقايا مائدة البارون! قررت البحث عن عمل آخر فلم يكن لديها أجرة طريق العودة الى بلدتها ناسكوستا .وفي الاسبوع التالي وجد لها ابن اخ الطباخ عملا بمهمتين : خياطة وخادمة في ذات الوقت وهذا العمل كان أصعب وفي نهاية الشهر لم تحصل على اجرها. فرفضت اكمال فستان طلبت منها سيدة المنزل ان تجهزه من اجل استقبال وقالت انها لن تكمل خياطة الفستان الا اذا دفع لها اجرها. ورغم ان السنيورة احتدت غاضبة ومزقت شعرها اضطرت في النهاية الى دفع الأجور لها. في تلك الليلة أخبرها ابن اخ الطباخ ان عائلة أمريكية تريد خادمة. وضعت كل الأطباق المتسخة في الفرن كي تبيّن ان كل شيء نظيف وذهبت الى كنيسة وصلّت هناك ثم انطلقت في شوارع روما إلى حيث يسكن الامريكان. لكنها تصورت وهي في الطريق إليهم ان كل فتاة في روما ترغب في ذلك العمل. كان الامريكان عائلة لديها ولدان - تربيتهما جيدة لكنها ادركت انهما أحمقان حزينان دائما .حصصوا لها اجرها عشرين الف ليرة في الشهر، وغرفة فاخرة جدا لتسكن فيها آملين ان تكون الغرفة مريحة لها. وفي الصباح نقلت امتعتها الى بيت الامريكان!
لقد سمعت الكثير عن الامريكان وكرمهم الوافر حكمت انهم جهلة الى درجة ما، فقد غمروها بكرمهم وعاملوها كضيفة ، وكانوا يسألونها إن كان لديها متسع من الوقت للقيام بمهمة ما! وكان يحضّونها على القيام بجولة في الشوارع يومي الاحد والخميس من كل أسبوع! كان السنيور صغير الحجم موظفا في السفارة الامريكية وكان شعر راسه مجزوزا كان رأس أسير ألماني او مريض يتعافى من عملية في الدماغ! شعره اسودمتين، فلو كان شعره مموجا يهفهف عل راسه لأعجبت به الفتيات عندما يصادفنه في الشارع! لكنه كان يذهب اسبوعيا الى الحلاق ويجعله يشوه راسه هناك. وكان معتدلا في أشياء كثيرة يرتدي ملابس سباحة ساترة عندما يكون في الشاطئ، لكن كان يسير في شوارع روما مكشوف الراس فيراه كل الناس . اما السنيورة زوجته فقد كانت رائعة وبشرتها من المرمر ولديها كثير من الملابس، عاشت العائلة عيشا رغدا مرفها، فدعت كلمنتينا ربها في الكنيسة ان يستمر عملها لدى تلك العائلة ! وكانوا يتركون الانوار مشتعلة كما لو ان الكهرباء لا تكلف شيئا. وكانوا يشعلون نار الخشب في موقد التدفئة فقط للتخلص من برد المساء و يشربون شراب الشعير المثلج عند الغداء وبعض الكحول الأخرى مختلفة الروائح غير الطيبة! فقد كانت الرائحة ممجوجة ضعيفة لها علاقة بدم سكان الشمال او لأنهم يستحمون كثيرا بالماء الساخن لكنها لم تستوعب عدم معاناتهم من وهن الاعصاب. فقد اكلوا أطعمة إيطالية وشربوا النبيذ وكانوا اذا اكلو المعكرونة وشربوا النبيذ يصدر عنهم رائحة قوية ، وفي بعض الأحيان عندما كانت تباشر المائدة كان تشم رائحتهم لكن كانت الرائحة ضعيفة واحيانا معدومة! لقد أفسدا ولديهما فتكلما احيانا بأصوات حادة وانفعال شديد في حضرة والديهما كلاما يستحقان عليه العقاب! أولئك الغرباء لم يرفعا أصوتهما لردع الأبناء! او القيام باي شيء يبين لهما أهمية الوالدين! ذات مرة عندما تصرف اصغر الأطفال تصرفا مشينا يستحق عليه العقابٍ أخذته امه، بدل معاقبته ،الى مخزن دمى الأطفال واشترت له قاربا شراعيا. أحيانا عند ارتدائهما ملابسهما للخروج من المنزل في المساء، كان السنيور هو الذي يساعد زوجته في ارتداء الملابس وتعليق المجوهرات بدلا من ان ينادي الخادمة. ذات مرة حملت زوجته ديمجانة فارغة وذهبت الى النافورة لإحضار الماء، لحق بها واخذ الديمجانه من يدها فقالت له زوجته انه لا ينبغي له احضار الماء، فقال :"انا لن اجلس بجانب الموقد اصطلي في حين الشباب في العمارة نازلين صاعدين يحملون دمياجنات الماء ". واخذ الديمجانة منها وذهب الى النافورة حيث شاهده بواب العمارة وجميع العاملين في القصر وشاهدته كلمنتينا من نافذة المطبخ .
انتابها شيء من الغضب والخزي لتناولها الخمر بسبب وعكة في معدتها فظن كل واحد انها كانت كسولة تعمل لدى عائلة سوقية ناقصة تربية !
ذات مرة اثناء مشيها في الصالة في الغسق شاهدت شبح رجل واقفا في الباب، ظنته انه سيدها في البداية . لكنها صرخت واسقطت صينية بما عليها من كؤوس وزجاجات عندما سألها السنيور عن سبب صراخاها قالت انها رأت شبحا مخيفا. وعندما كانت في الصالة الخلفية شاهدت شبحا مرة ثانية - شبح راهب بغطاء على راسه واخبرت السنيور انها شاهدت شبحا مخيفا! لكن السنيور لم يصدقها
صدّقها الأطفال‘ وفي الليالي ، عندما كانوا في فراش النوم أحبو ان يسمعوا منها حكايات – قريتها ناسكوستا. والحكاية المفضلة لديهم كانت حكاية المزارع الشاب في ناسكوستا الذي تزوج فتاة جميلة تدعى –آسونطا-! وبعد سنة من الزواج رزقا طفلا جميلا شعره اسمر جعدي وبشرته ذهبية لكن من اول يوم كان الطفل مريضا فظن الوالدان انه مسحور فحملاه الى طبيب في –كونسيليانو- قال لهم الطبيب إن الطفل كاد ان يموت جوعا، فاستنكرا ما قال الطبيب:" كيف يموت جوعا وصدر أمه كدرة البقرة الهولندية من حجم الحليب في الثديين!" فنصحهما ان يراقبا الطفل .وبعد مشوار طويل على الحمار وصلا البيت مساء ، كانت الام منهكة فنامت سريعا اما زوجها فلم ينم بل بقي ساهرا يراقب الطفل لكنه احس أن شعر رأسه يقف فنهض الى نافذة الباب الزجاجية ونظر فإذا أفعى طويلة ضخمة تنساب نحو الباب فتراجع واختبئ يراقب فانسلت الأفعى منسابة نحو السرير حيث تنام الام واخذت تمص نهديها الزاخرين حتى نشفتهما من الحليب . لقد ضبط الزوج اعصابه عند مشاهدته ما جرى ،فلم يتدخل كي لا تغرز الأفعى انيابها التي فيها السم ناقع في ثدي زوجته فتقتلها بسمها المميت! بعد ان فرغت الافعى من مهمتها انسلت خارجة كما دخلت! وبعد خروج الأفعى صاح الرجل مناديا الجيران الذين هبوا لنجدته حاملين المشاعل واخذوا يبحثون عن الأفعى لكنهم عثروا في زاوية الحوش البعيدة على وكر فيه ثمانية أفاعي كبيرة الحجم فانهالوا عليهن بالعصي وقضوا عليهن ! عندما سألت الزوجة زوجها "ألم يخش ان تؤذيها الأفعى؟" قال متهكما: " انا شاهدتها ترضع ثديك ، فانت أمها بالرضاعة والابن لا يؤذي امه!"
وأكدت كلمنتينا للأطفال ان القصة حقيقية لأنها قد مرت على تلك المزرعة مئات المرات
والحكاية الثانية المفضلة لديهم هي حكاية المرأة في كونسيليانوالتي عشقت شابا غريبا وسيما لسينين عديدة لكنها لاحظت في ليلة علامة على ظهره كورقة شجرة، فتذكرت ابنها الذي خطفه الغزاة صغيرا قبل سنوات عديدة واخذت مزيدا من المعلومات من الشاب ، فثبت لها ان عشيقها لسينين عديدة كان ابنها ، فأصيبت بحزن شديد وكالعادة في مثل هذه الخطيئة قصدت الكنيسة كي تقر بخطيئتها فيمنحها القس الغفران وعندما جلست في غرفة الغفران امام القس تحكي له ما جرى وطلبت المغفرة ، قال لها القس الذي كان بدينا متعجرفا متعاليا ، قال بازدراء ان لا مغفرة لها، لكن سُمِع فورا قرقعةُ عظام عالية حيث يجلس القس ، فهرع الناس الى مكان الاعتراف فلم يجدوا من القس الا عظامه!
وحكت لهم حكاية معجزة مجوهرات صورة العذراء وأيضا حكت لهم عن الذعر الشديد عندما ظهرت الذئاب في الثلج في ناسكوستا و حكاية ابن عمها الذي رأى الشيطان وقد ارتدى بدلة حمراء في الحقول.
ذهبت مع العائلة الامريكية الى الجبال في شهر تموز – يونيو و آب-اغسطس ثم عادوا الى روما ، وفهمت منهم انهم سيرحلون عن روما عائدين الى بلدهم واحضرت صناديق الرحيل من القبو وساعدت السيدة في حزم ا لأمتعة. ومنحوها خمسة احذية وثمانية فساتين ومالا . فكرت في الحصول على عمل عند سنيورة من روما بإمكانها ان تتركها متى شاءت! لكنها فكرت في الحياة التعيسة كخادمة عند الرومان فتراجعت عن البحث وعقدت العزم على الرحيل مع العائلة الامريكية! وقالت لها السنيورة انهم لا مانع لديهم من ان تذهب معهم الى امريكا ان ارادت.
وقالوا انهم سيأخذونها معهم لستة اشهر بموجب تأشيرة غير دائمة واتخذت الترتيبات اللازمة وسافرت الى أمها في ناسكوستا لتودعها لكن الأم بكت وطلبت منها ألا تذهب وكذلك نصحها كل اهل القرية ألا تذهب لكنها حسبت ذلك حسدا منهم لأنهم ليس بوسعهم الذهاب الى أي مكان حتى الى بلدة قريبة منهم. فجأة بدى لها العالم الذي عاشت فيه بسعادة عالما قديما فيه الجدران والعادات والتقاليد اقدم من الناس ، وطنت انها ستكون اكثر سعادة في عالم جدرانه جميعها جديدة حتى وان كان الناس فيه بدائيين!
حان موعد الرحيل فقاد السنيور السيارة الى نابولي وتوقفوا كلما شعر السنيور انه بحاجة الى شيء من القهوة! وسافروا ببذخ كأنهم من أصحاب الملايين فنزلوا فندق مرّفه في نابولي حيث نامت في غرفة خاصة لها وحدها.
في الصباح عندما ابحرت الباخرة حزنت كثيرا- فمن يهنئ بالعيش خارج وطنه؟؟ لكنها عزّت نفسها بأن الرحلة قصيرة- ستة اشهر وتعود الى بلدها! وتساءلت قائلة ما خلق الله الرحيم العالمَ غريبا متنوعا جدا ومختلفا إلا ليراه الناس! وبعد ختم جوازها صعدت السفينة بانفعال شديد. كانت الباخرة أمريكية باردة برد الشتاء و الغداء بارد كماء المكعبات المجمدة، و الأشياء غير الباردة لا طعم لها قد طهيت طهيا رديئا، فانتابها أحساس عميق : في حين أولئك الناس طيبون وكرماء لكنهم جاهلون ، فالرجال يوفرون لنسائهم المجوهرات ولديهم المال الكثير لكنهم لا يستطيعون أكل طعام جيد فليس لهم افضل من اكل طبق مليء بقطع الستيك يشربون معها القهوة كي يبتلعونها فاصبح طعمها كالدواء. لم يكونوا وسيمين انيقين فعيونهم شاحبة. لكن ما اقرفها بشكل أكبر هو النساء العجائز على السفينة! فالنساء كبيرات السن في بلدها يرتدين السواد تخليدا لذكرى الموتى الكثر من أقاربهن، وارتدين الملابس التي تليق بأعمارهن ويمشين بوقار فيفرضن الاحترام لهن. أما العجائز هنا فأصواتهن حادة ويلطخن خدودهن بالأصباغ وفي اعناقهن تجاعيد عميقة خشنة كأعناق السلاحف البحرية .ومع ان رائحة عطورهن كرائحة الخزامي في الربيع فهن كالزهور الجافة عند نُصِب القبور، كالهشيم المحتضر وخلصت ان بلدا تفتقر فيه فالعجائز الى الحكمة والذوق يجب ان يكون همجيا فهن غير جديرات باحترام أبناءهن فقد نسين الأعزاء الذين رحلوا عن الدنيا!
لكنها ستجد البلاد جميلة لأنها شاهدت صورا في المجلات لمبان شاهقة أبراج مدينة نيويورك - أبراج ذهبية وفضية تعانق السماء في مدينة لم تعرف الحرب. كانت المطر نازلا حين وصلوا منطقة المتاحف وعندما اخذت تبحث ببصرها عن الأبراج لم ترها وقيل لها انها قد اختفت بسبب المطر ! لقد خاب أملها فكل ما رأته في هذا العالم الجديد كان بشعا وجميع الناس الذين حلموا به قد خدعوا فقد كان هذا العالم كنابولي في أيام الحرب وتمنت لو انها ما قدمت اليه! فرجل الجمارك الذي فتش الحقائب غير مهذب.
استقلوا سيارة اجرة من المطار الى محطة القطار الى واشنطن عاصمة العالم الجديد و هناك استقلوا سيارة اجرة مرة ثانية وشاهدت من خلال النافذة البنايات التي جميعها كانت نسخا عن بنايات روما في عهد الإمبراطورية الرومانية فبدت لها كالأشباح في انوار الليل كما لو ان مبنى المنتدى الروماني قد نهض من تحت الرماد . وسافروا في السيارة عبر الريف حيث كانت جميع المباني خشبية جديدة ، فالمغاسل جديدة واحواض الحمامات كانت جميعها سلع تجارية . في الصباح أرتها السنيورة جميع أجهزة البيت الكهربائية وطريقة تشغيل كل منها!


في البداية راودها الشك في الغسالة لأنها احتاجت الى كمية كبيرة من الصابون والماء الساخن ولم تنطف الملابس وتذكرت مدى سعادتها في أيام نافورة ناسكوستا، و الحديث مع صديقاتها وتنظيفها كل شيء تنظيفا كأنه جديد. لكن رويدا رويدا أَلِفت الغسالة فهي مجرد آلة : تعبئ نفسها بالماء وتفرغه ثم تلف كثيرا وبدت آلة رائعة بذاكرتها المذهلة التي تتذكر ذاك الكم الهائل من المهام، دائما في كامل الجهوزية للقيام بعملها . ثم جاء دور جلاية الأطباق! التي تتيح لك تنطيف الاطباق وانت لابس ملابسك دون تقع عليها قطرة ماء واحد وحين كانت السنيورة خارج المنزل والاطفال في المدرسة كانت في البداية تضع قسم من الملابس المتسخة في الغسالة وتديرها ثم تضع عددا من الأطباق المتسخة في الجلاية وتديرها أيضا . وتضع كمية من لحم فخذ الخنزير و لحم العجل في المقلاة الكهربائية ثم تجلس في الصالون امام التلفزيون مستمعة لكل الآلات التي تعمل من حولها مما اسعدها ومنحها مزيدا من القوة! وهناك ايضا الثلاجة والمجمد للحصول على مكعبات الثلج وحفظ الزبدة جامدة كالحجر وهناك المجمد الزاخر بلحم الخراف ولحم العجل طازجا ،و خفاقة البيض الكهربائية وعصارة البرتقال ومروحة شفط الغبار وكانت تشغل جميع الآلات دفعة واحدة ولا تنس الة التوست - لامعة فضية- حيث تضع فيها الخبز الخالص وتدير ظهرها اليها وتنجز التوست في نفس اللحظة تحصل على قطعتي توست باللون الذي تريد وكل ذلك تنجزه الالة.
وفي النهار كان السنيور في عمله لكن السنيورة التي كانت في روما تعيش كأنها اميرة بدت في العالم الجديد كأنها سكرتيرة وحسبت انهما قد اصبحا فقيرين، فلابد للسنيورة من البحث عن عمل! كانت تتكلم كثيرا بالهاتف وتجمع الحسابات وتكتب رسائل كما تفعل سكرتيرة . كانت في حالة من العجلة في النهار ومنهكة في الليل كأنها سكرتيرة تماما. ولأن كلاهما كانا منهكين في الليل عم هدوء البيت كهدوء البيت في روما. ,واخيرا سالت سيدتها ان تشرح لها طبيعة عملها ، أهي سكرتيرة ام لا؟ ! قالت السنيورة انها ليست سكرتيرة لكنها مشغولة في جمع المال للفقراء والمرضى والمجانين. رأت كلمنتينا ان عمل السنيورة غريب جدا .
كان الطقس غريبا فيه رطوبة مضرة بالرئتين والكبد لكن الأشجار في ذلك الفصل كانت زاهية الألوان- لم تر ذلك من قبل؛ الوان الأشجار ذهبية وحمراء وصفراء وتساقطت اوراقها تحملها الريح في قاعة كتلك التي في روما او البندقية! حيث الدهان يتشذر من الصور في السقف!
تعرفت على قروي كبير السن من جنوب ايطاليا – يدعى جو- يتجاوز الستين مُنْحَني الظهر نتيجة عمله موزع زجاجات حليب . لكنها اعتدت مرافقته الى السينما و كان يشرح لها قصة الفيلم باللغة الإيطالية حيث قرصها طالبا الزواج منها. فعدت ذلك مزحة .لقد كانت مناسبات غريبة في العالم الجديد - احدها مناسبة بديك رومي لا يحضرها قديس واخرى – عيد الميلاد لم تر هي شخصيا أي شيء أكثر فظاظة الى العذراء المقدسة والطفل القدوس: في البداية يتم شراء شجرة خضراء ثم توضع في صالون ثم يعلق عليها قلائد مشعة كما لو انها كانت قديسا يشفي من الشر ويجيب الدعاء ينادونها يا أمنا رغم انها محرد شجرة .لقد قبل اعترافها قسيس مانحا اياها ذيل الشيطان لعدم حضورها الى الكنيسة في أيام الاحد طول حياتها التي كانت جامدة . وعندما ذهبت الى القداس جمعوا تبرعات ثلاث مرات . فعقدت العزم على ان تكتب مقالا الى الصحف تتحدث فيه عن ممارسات الكنيسة في العالم الجديد حيث لا يوجد عظمة رسغ قديس لتقبيلها وحيث تقدم الصدقات الى شجرة خضراء وينسون الالام مخاض العذراء وجمعوا المال ثلاث مرات ثم نزل الثلج لكنه كان محببا للنفس اكثر من ثلج ناسكوستا فلم يكن هناك ذئاب. تزلج السنيور في الجبال ولعب الأطفال بالثلج وكان البيت دافئا!
ومع ذلك ذهبت الى السينما كل يوم احد حيث قرصها جون وطلب الزواج منها وذات مرة قبل السينما توقف عند بيت خشبي جميل مدهونا دهانا أنيقا وفتح الباب واخذها الى الطابق العلوي الى حجرة جميلة غطيت جدرانها بالورق وارضيتها لامعةٍ وحمام نظيف وعدها ان كل ذلك سيكون لها ان تزوجها. ووعدها ان يشتري لها جلاية وخفاقة بيض و قلاية كالتي عند السنيورة التي تعرف استعمالها جيدا. وعندما سألته من اين له المال لكل تلك الأشياء أجاب انه قد وفر سبعة عشر الف دولار واخرج كتابا من جيبه - كتاب بنك وقد ختم كشف بسبعة عشر الف ومائتين وثلاثين دولارا. كل ذلك سيكون لها ان هي أتت وأصبحت زوجة له . لم توافق قائلة لا! لكن بعد السينما عندما كانت مستلقية في فراش النوم اخذت تفكر في كل تلك الآلات وتمنت انها لم تأت الى العالم الجديد فحياتها قد تغيرت كليا فلو عادت الى ناسكوستا في ايطاليا وخبّرت الناس هناك ان رجلا محترما قد قدم لها سبعة عشر الف دولارا وبيت من خمس غرف لما صدقها أحد! قالت في نفسها انها مختلة عقليا فكيف ستعود ثانية وتنام على التبن في غرفة باردة وتقنع بذلك.
لقد انتهت تأشيرتها المؤقتة في ابريل وعليها ان تعود الى إيطاليا لكن السنيور قال لها ان بوسعه ان يقدم طلبا لتمديد التأشيرة إن احبت! فتوسلت اليه ان يفعل ذلك. في المطبخ ذات ليله سمعتهما يتحدثان بصوت خافت بشأنها لكنهم لم يكلموها الا بعد وقت طويل عندما ذهب الاخرون الى الطابق الأعلى ودخلت الغرفة لتقول لهم " تصبحون على خير"
قال السنيور: " مع شديد الٍأسف يا كلمنتينا ، رفضوا تمديد التأشيرة."ٍ
قالت:" لا يهم ، فإن كانوا لا يريدوني في هذه البلاد فسأعود الى وطني."
" ليس كذلك يا كلمنتينا، فالقانون لا يسمح بالتمديد انأ اسف جدا ستنتهي تأشيرتك في الثاني عشر من ابريل. وسأحجز لك رحلة في باخرة"
قالت :" اشكرك، سنيور ، تصبح على خير!"
فكرت في العودة الى بلادها ، ستسافر في باخرةٍ ، ثم تغادرها عندما ترسو في نابولي! ومن هناك تركب القطار الى مارجيلينا وتسافر في باص بولمان من روما الى تبيرتينا وستائر الباص تهفهف في الهواء، ودخان عادم الباص يتكور في الهوا عندما يصعدون التلة عند تيفولي . انهمرت دموعها عندما تصورت نفسها وهي تقبل امها وتناولها صورة بإطار "لدانا اندروز" التي ابتاعتا من محلات -وول ورث -هدية لها. وبعد ذلك تجلس تأكل البيتزا والناس في حلقة حولها كما يفعلون في حالة حادث ، يتحدثون لغتها ويحتسون النبيذ الذي صنعوه ويتحدثون عن العالم الجديد حيث الات ذات العقول ومسحوق تنظيف المغاسل تفوح منه رائحة الورود. رأت هذا المشهد بوضوح ورذاذ النافورة يتطاير مع الريح وبعد ذلك تخيلت الناس في بلدها ينظرون اليها نظرة تكذيب . فمن يصدق حكايتها؟ ومن يصغي لها؟
فربما نالت اعجابهم لو أنها قالت لهم، كما فعلت ابنة عمها، انا شاهدت الشطيان لكنها كانت في جنة؟ لن يبالي أحد بما تقول فبمغادرتها عالَم الى عالَم آخر خسرت كليهما.
بعد ذلك فتحت رزمة الرسائل التي تلقتها سابقا من عمها "سبستيانو" في "ناسكوستا" . في تلك الليلة الرسائل التي قرأتها حزينة ،فقد اخبرها ان الخريف قد جاء سريعا وكان باردا حتى في ايلول- سبتمر ودمر كثيرا من ثمار الزيتون والعنب كأنه قنبلة ذرية دمرت مواسم إيطاليا. والآن الشبح الذي حل على البلدة خيم على الوادي بوقت أبكر، واستذكرت بداية الشتاء- والجليد يغطي ثمار العنب والازهار البرية والفلاحين يعودون في العتمة على حميرهم وقد حملوها بجذور الشجر و حزم الحطب واغصان الزيتون المقطوعة وقطع الخشب ، فقد كان من الصعب العثور على الخشب في ذلك الريف ، فكان الفلاح يقطع مسافة طويلة ( عشرة كيلومترات) من اجل حزمة من اغصان الزيتون المقطوعة. وتذكرت البرد في عظامها ومشاهدتها الحمير في الضوء الأصفر في المساء و قرقعة الحجارة المتفرقة التي تدحرجت على المنحدر السحيق نتيجة تحريك حوافر الحمير لها! وفي الشتاء كتب –سابسيتانو- ان الشتاء قد عاد جالبا معه الذئاب مرة أخرى. والذعر الشديد قد حل في ناسكوستا كرة أخرى فالذئاب قتلت ست من أغنام احد النبلاء و انقطعت الخراف كما انقطع البيض الضروري لصنع المعكرونة. واما الساحة فقد غمرها الثلج تماما حتى ارتفع الى حافة النافورة و عانى الناس الجوع والبرد، فتذكرتهما معا.
كانت الغرفة التي قرات فيها الرسائل دافئة وأنوارها زهرية وفيها مرمدة سجاير فضية كالتي عند السنيورة ولو شاءت ان تأخذ حماما في غرفتها لفعلت ذلك في حوض يغمرها فيه الماء حتى عنقها. وتساءلت :هل قضت عليها العذراء العيش في البرية و الهلاك جوعا؟ وهل من الخطأ ان تتمتع بالنعم التي تمنح لها؟ وظهرت لها وجوه الناس في قريتها ومدى سمار بشراتهم وعيونهم ، و قالت ان العيش مع الناس العادلين قد اكسبها تصرفا كتصرفهم وتعصبهم للعدل. لكن شعرت أن تلك الوجوه كانت تؤنبها بصبر دنيوي ونظرة جميلة، كريمة لكنها تبعث اليأس ثم سألت نفسها: "ما الذي يجبرها على العودة فتعيش هناك تشرب النبيذ المعفن في ظلام التلال ؟ " في هذا العالم الجديد اكتشف الناس سر مرحلة الشباب فهل يرفض القديسون في السماء ان يعيش المرء نضارة الشباب إن كانت أقتضها إرادة الله؟" وتذكرت ان اجمل النساء قد استسلمن سريعا لظلام الزمن كالأزهار المهملة، حتى اجمل الجميلات انحنت ظهورهن وفقدن اسنانهن وانبعثت رائحة كريه من ملابسهن الداكنة كما انبعثت من ملابس أمها رائحة الدخان والزبل!
لكن في هذا العالم الجديد بوسعها العيش بأسنان ناصعة البياض وشعر اسود الى الأبد! ويبقى لديها حذاء الكعب العالي وخواتم في أصابعها و اهتمام الرجال بها حتى آخر يوم في عمرها . ففي هذا العالم الجديد لو عاش المرء عشرة اعمار لن يحس بسطوة الجوع ووهن الكِبَر. لن يعاني من ذلك ابدا. قررت الزواج من جو قررت ان تبقى هنا وتعيش عشرة أعمار وبشرتها كالمرمر واسنانها ناصعة البياض دائما تقضم اللحم.
وفي الليلة التالية اخبرها سيدها السنيور بموعد مغادرة الباخرة بعد ان انتهى من حديثه قالت له:" أنا لن أعود!"
قال :" لا افهم ما قلت"
اجابت: " سأتزوج جو"
قال:" لكن يا كلمنتينا جو اكبر منك كثيرا."
قالت: " جو في الثالثة والستين."
"وانتِ؟
" أنا في الرابعة والعشرين"
" أتحبين جو؟"
" لا .. لا يا سيدي ، كيف لي ان احبه بكرشه الكبير ككيس مليء بالتفاح وتجاعيد كثيرة جدا على قفا عنقه وبوسعك ان تعرف حظك هناك؟
" يا كلمنتينا! انا معجب بجو ، فهو رجل صادق، وان تزوجك فيجب ان تعتني به!"
"نعم يا سيدي ، سأعتني به ،ارتب سريره واطهوا له الطعام لكن لن ادعه يلمسني أبدا!"
تفكر مليا مطرقا رأسه الى الأرض ثم قال:" لن أسمح لكِ ان تتزوجي جو!"
" لكن لماذا؟"
" لن اسمح لكِ ذلك إلا إذا كنت حقا زوجة له ، يجب أن تحبيه!"
" لكن يا سيدي في ناسكوستا لا معنى للزواج من رجل ليس كفؤا لك!وهل يعني ذلك ان قلبك سيطير متعلقا به؟"
" هذه الديار ليست ناسكوستا."
" لكن يا سيدي كل الزيجات هكذا فلو تزوج الناس من اجل الحب، فإن العالم يكون مشفى او مصحة عقلية للمجانين! ألم تتزوجك السنيورة بسبب الما ل ووسائل الراحة التي توفرها لها؟"
لم يجب، لكنها رأت وجه تعلوه قترة! " يا سيدي... يا سيدي انت تتكلم كطفل لديه امال كثيرة لكنه طفل نحيل معتوه يقف عند نافورة!
فانا كل ما أحاول ان وضح لك هو اني سأتزوج جو كي أتمكن من البقاء في هذا البلد ، وانت تتكلم كأنك طفل"
اشتاط غضبا قائلا: " انا لا أتكلم كطفل." ونهض عن الكرسي قائلا:" انا لا أتكلم كطفل! من تظنين نفسك؟. انت عندما أتيت لنا كنت حافية عارية لا معطف لديك ، من تظنين نفسك؟ قالت: "كل ما أحاول شرحه لك هو اني سأتزوج جو لكن دون حب، من يدري ربما احبه ، هذا كل ما اريد توصيله لك ! انا لن ادافع عن موقفي"

قال: أنا المسؤول عنك"

قالت :"لا يا سيدي ، جو هو المسؤول عني الان!"
إذن:" انصرفي من بيتي"
صعدت الى غرفتها وبكت بمرارة بغضب و شفقة على هذا الأحمق المسن ،سيدها لكنها حزمت امتعتها . وفي الصباح اعدت طعام الإفطار وبقيت في المطبخ حتى غادر السنيور الى العمل ثم نزلت السنيورة وبكت وبكى الأطفال. وعند الظهر حضر جو واركبها في سيارته واخذها الى بيت عائلة "بيلوشي " - أصلهم من جنوب إيطاليا وستمكث معهم الى ا ان يتم الزواج! وقالت لها ماريا بيلوشي ان المرأة تتزوج في العالم الجديد زواج الاميرة. وزواجها يجب أن يكون كذلك! لقد أمضت ترافقها ماريا بيلوشي ثلاثة أسابيع تدور على المتاجر في البداية اشترت فستان الزفة ، ابيض اللون آخر موضة بذيل ساتان يجر فوق الأرض لكنه عمليٍ أيضا يمكن تعديله فيصلح زيا لتلك المناسبة الكبيرة ومناسبات اخرى. واشترتا فستانين لماريا واختها _وصيفتي العروس - واحد أصفر والآخر خزامي اللون يمكن استعمالهما فستاني سهره في أمسيات لاحقة! ثم ابتاعت الحذاء والأزهار وملابس وحقيبة السفر ، ولم تستأجر شيئا.
وفي مساء الزفاف شعرت بوهن في ركبتيها ومرذاك المساء كالحلم لا تتذكر منه شيئا! كان في الاستقبال العديد من الايطاليين الجنوبيين والكثير من النبيذ والطعام والموسيقى. ثم استقلت القطار هي زوجها جو الى مدينة نيويورك – ذات المباني الشاهقة فثار في نفسها الحنين الى الوطن فشعرت بالتضاؤل! و أمضيا الليل في نيويورك-ستي .في الصباح استقلا قطارا إلى أتلانتك ستي – بكرسي خاص لكل مسافر و مباشر لجلب الطعام والشراب! وعلقت على ظهر الكرسي دثارا من فرو المنك الثمين -هدية جون لها- وكل من رآه حسبها سنيورة ثرية جدا. نادى جو المباشر وطلب منه ان يحضر لهما مشروبات كحولية الا ان المباشر تظاهر انه لم يفهم فتجاهل الطلب متظاهرا انه يباشر طلبات الآخرين وعليهما الانتظار حتى يفرغ من تلبية طلبات الآخرين ولم يقترب منهما ثانية كأن الفلوس التي معهما أقل قيمة من فلوس المسافرين الاخرين!
ألّمَ بها الغضب والخزي عندما فهمت إعراض المباشر عنهما، لأنها لا تفهم لغة القوم، والذي لا يفهم اللغة في ذاك البلد يُعامل معاملة الخنازير فعوملت بذاك الأسلوب في القطار! ثم دخل القطار في نفق طويل مظلم خرج منه داخلا في الريف الذي بدى شنيعا ليس جميلا جمال الريف الإيطالي! لكنها عندما نظرت من النافذة شاهدت الريف يتدفق سريعا كالماء فلم تحكم عليه ان كان جميلا كالريف في إيطاليا. لكن كل ما أدركته أن تلك البلاد لم تكن بلادها، موطنها! وعند المرور بقرب تلك الأماكن التي يسكنها الفقراء. شاهدت الغسيل على الحبال - نفس الطريقة التي ينشر بها الغسيل في العالم أجمع وكانت بيوت الفقراء متلاصقة لها حدائق جميلة مزروعة ! غادر القطار عند الظهيرة او بعد ذلك وعندما كان القطار يقطع الريف سريعا شاهدت التلاميذ خارجين من المدارس بعد الظهر وكان الكثيرون منهم يحملون الكتب راكبين الدراجات الهوائية و اخرون يلعبون. وقد لوّح الكثير منهم للقطار فلوحت بدورها لهم: لوحت لعدد من الاطفال يسيرون بين الأعشاب الطويلة ولوحت لولدين فوق جسر ورجل مسن وجميعهم لوحوا لها ولوحت الى سيدة كانت تدفع عربة طفل و ترتدي معطفا اصفر ومعها حقيبة سفر ثم شاهدت ان القطار يقترب من الساحل إذ بدى الهواء عقيما والأشجار قليلة متفرقة لكنها شاهدت لافتات عليها صور للفنادق تبين عدد الغرف و أماكن تناول الكحول و قاعات الطعام وقد سُرّت عندما شاهدت اسم الفندق الذي ستقيم فيه!
واخير توقف القطار في نهاية الرحلة فشعرت بالخجل والرهبة لكن جو قال :" الوداع" وحضر اليهما المباشر الوقح وتناول دثار المنك ، لكنها قالت:" لا شكرا، وانتزعته من يده قائلة : " يا خنزير" .وشاهدت أكبر سيارة سوداء لأول مرة في حياتها تحمل لافتة الفندق الذي سيقمان فيه فركبا فيها مع افراد آخرين. ولم تكلم زوجها طول الطريق الى الفندق لئلا يعرف الاخرون انها لا تتحدث لغة اهل البلاد
كان الفندق فخما جدا وصعدا الى الغرفة في مصعد وسارا في ممر طويل مفروشا بالسجاد ودخلا في غرفة رائعة مفروشة بسجاد سميك لكن الحمام ليس فيه شطاف- وعندما انصرف المباشر اخرج جو قننية ويسكي من حقيبته وارتشف منها وطلب منها ان تقترب منه لكنها رفضت قائلة فيما بعد ... فيما يعد لأن ذلك يكون نحسا في النهار فمن الافضل انتظار بزوغ القمر وقالت انها تريد النزول كي تتفرج على قاعات الجلوس و البارات! خشيت أن ا لهواء المثقل بملح البحر مضر بدثار المنك. وشرب جو مرة أخرى . ومن خلال النافذة شاهدت أمواج البحر تتقدم بخطوطها البيضاء موجة وراء موجة نحو الشاطئ. ولأن النوافذ كانت مغلقة لم تسمع هدير الأمواج عند تكسرها على الشاطئ وشعرت انها في حلم!
نزلا من الغرفة الى الطابق الأرضي دون ان يتكلما لأنها ادركت بوضوح انه خير لهما الا يتحدثا ذاك الحديث الحلو في ذاك المكان الفخم. وطفقا ينظران في البارات وقاعات الطعام! وخرجا الى ممشى عريض يحاذي البحر لكن الهواء كان مثقلا برائحة الملح فكانت رائحته تشبه رائحة الهواء في مدينة البندقية! واشتما أيضا رائحة القلي فتذكرت وليمة -سان غيزبي- في روما . ومن ناحية كان البحر البارد ذو اللون الأخضر الذي ابحرت فيه قادمة الى العالم الجديد و ومن ناحية أخرى كان هناك العديد من أشياء اللهو والتسلية. وسارا حتى وصلا النَوَر وكان في النافذة رسما ليد بشرية حيث يمكن الكشف عن الحظ!
وعندما سألت النورية إن كانت تتكلم الإيطالية أجابت النورية بعبارة إيطالية " نعم ... نعم ... نعم.... دون شك!" واعطاها جو دولارا ودخلت وراء ستارة مع النورية التي تأملت كفها وبدأت تحكي لها حظها لكن بلغة هجين بقليل من الإسبانية لغة لم تسمعها كلمنتينا من قبل قط! وفهمت كلمة او كلمتين هنا وهناك مثل كلمة "البحر" و" الرحلة" لكنها لم تعرف ان قصدت رحلة جديدة او الرحلة الماضية! ونقذ صبرها فالنورية كذبت عندما قالت انها تتكلم الإيطالية، وطلبت من النورية ان تعيد لها ما دفعته لها من نقود! لكن النورية افهمتها ان اعادت لها النقود فستحل عليها لعنة. ولأنها تعرف مدي قوة لعنة النور لم تخلق مشكلة أخرى! وخرجت الى حيث ينتظرها جو على الممشى الخشبي! وسار على الممشى بين البحر واماكن قلي الأطعمة حيث نادهم أصحابها للدخول وانفاق المال هناك مبتسمين ملوحين تلويحا شريرا كملائكة جهنم !
وجاء الغروب وتلألأت الانوار كالجواهر وعندما نظرت الى الخلف شاهدت نوافذ الفندق الزهرية- نوافذ الغرفة التي سيعودون اليها متى يريدان و صوت تكسر أمواج البحر على الشاطئ يسمع كدوي تفجير بعيد في الجبال!

لقد كانت زوجة جيدة فاشترى لها في الصباح طبقا فضيا للزبدة وغطاء لطاولة المكوى وبنطالا احمر موشى بلون ذهبي . لو علمت أمها انها ارتدت البنطال ستقول عنها انها شيطانة ، بل لو كانت هي نفسها في إيطاليا امرأة غير متعلمة تلبس بنطالا لبصقت امها في وجهها لكنها الان في العالم الجديد، فلا ضيران ترتدي البنطال . وفي المساء ارتدت البنطال الأحمر وتدثرت بدثار المنك وخرجت مع جو تتمشى عند شاطئ البحر ذهابا وإيابا على الممر الخشبي ! وفي يو م السبت عادا الى البيت وابتاعا الأثاث يوم الاثنين وتم توصيل الأثاث يوم الثلاثاء ويوم الجمة لبست البنطال الأحمر وذهبت الى سوبرماركت بصحبة ماريا بيلوشي التي شرحت لها المعلومات على صناديق السلع . وبدت أمريكية في مظهرها لكن الناس تفاجئوا عندما اكتشفوا انها لا تتكلم لغتهم!
لكنها ان عجزت عن اتقان اللغة فقد فعلت كل ما يفعله الناس هناك :تناولت المسكرات حتى انها تعلمت شرب الويسكي دون ان تسعل وتبصق. وفي الصباح كانت تشغّل كل الأجهزة الكهربائية في المنزل وتشاهد التلفزيون وتستمع الى الأغاني فتتعلم كلماتها وفي المساء كانت ماريا بيلوشي تحصر اليها وتشاهدان التلفزيون معا. وحاولت ان تكتب لأمها عن الأشياء التي اشترتها- افضل بكثير من التي يملكها البابا- لكنها أدركت ان الرسالة ستحيّر أمها فلم ترسل اية رسائل واكتفت بأرسال بطاقات بريدية! لا احد بوسعه معرفة مدى التسلية والرفاهية في حياتها. وفي امسيات الصيف اخذها جو الى لتشاهد منافسات سباق الخيل في بالتيمور ولم تر في حياتها شيئا رائعا كسباق الخيل- الخيول الصغيرة والانوار والازهار والمعطف الأحمر لرجل الموسيقى وبوقه !
في ذلك الصيف ذهبا للى سياقات الخيل كل مساء جمعة واحيانا اكثر من ذلك. وذات ليلة من تلك الليالي ، عندما كانت في بنطالها الأحمر جالسة تحتسي الويسكي شاهدت سيدها الذي تشاجرت معه 1
سألته عن حاله وعائلته فقال انهما افترقا فقد طلّق زوجته ونظرت الى وجهه فرات ليس نهاية زواجه فحسب بل نهاية سعادته أيضا، . وكفتها الان هي الراجحة فلو انها لم تقل له انه بتصرف كطفل طموحاته كبيرة! لكن بدى لها انها قد خسرت شيئا هي أيضا بتشتت تلك الاسرة التي آوتها ورعتها قبل زواجها من جو ومع ان السباق كان في بدايته الا انها استرجعت صورة الذئاب في ثلج ناسكوستا و عادت اليها صورة الذئاب تصعد المدرج وتقطع الساحة كما لوأنها كانت في مأمورية في ذلك الظلام المستقر في قلب الحياة وتذكرت البرد على بشرتها وبياض الثلج ورعبها من الذئاب تساءلت متعجبة : لماذا خلق الله جل جلاله الكثير من البدائل وخلق الحياة