العراق وأهازيج الرياضة

العراق وأهازيج الرياضة

10-01-2023 08:37 AM

قبل 44 عاماً نظّم العراق بطولة كأس الخليج لكرة القدم، المحفل الرياضي الذي يجمع دول الخليج مع العراق واليمن. دخل بعدها العراق في أتون اضطرابات أمنية وسياسية أبعدته تماماً عن الأنشطة الإنسانية التي تأتي الرياضة على رأسها. منتخب العراق كان منافساً شرساً، وبرزت أسماء لامعة من لاعبيه لا تزال محفورة في الذاكرة. اليوم في مدينة البصرة الجنوبية، يحتضن العراق بطولة الخليج بعد عقود من البُعد والإبعاد.
صدام حسين ضحّى بالعراق، المنارة العلمية والثقافية، من أجل رسم صورة له مشابهة لسعد بن أبي وقاص وملحمته «القادسية» التي هزم فيها جيش كسرى الفرس. والنتيجة، ثمانية أعوام من النزاع المسلح مع إيران الخميني، ومليون قتيل من الجانبين ومئات مليارات الدولارات الضائعة، ولم ينتصر أحد. لم يكتفِ، أكمل مشروعه بغزو الكويت في التسعينات، ثم أوقع العراق تحت وطأة العقوبات الاقتصادية التي امتصت حيوية العراقيين وأرغمت النخب العلمية والثقافية على الهجرة. خلال مرحلة الضعف هذه، حار الرئيس الأميركي جورج بوش الابن فيمن يضع عليه اللوم بعد الاعتداء على نيويورك، وكان السيناريو الأسهل افتعال قصة وجود أسلحة دمار شامل لدى صدام حسين، وكان ذلك ذريعة كافية لإسقاط نظامه، وللأسف إسقاط العراق في يد إيران المتربصة التواقة للانقضاض. عشرون عاماً والعراق مغيّب، بعيد عن جذوره، يعاني من التطرف الشيعي والسني، والفساد المالي الذي أحاله إلى بلد فقير.
البصرة تحديداً، شهدت خلال الأعوام الماضية موجات من الاحتجاجات والغضب العارم بسبب سوء الأحوال الاقتصادية وقصور الخدمات خصوصاً الكهرباء. لكنَّ من يتابع شوارع البصرة اليوم يرى مظاهر احتفالية، ووجوهاً ضاحكة مستبشرة ومرحِّبة بالضيوف الخليجيين. مشهد لم يرَه الشباب الخليجي في حياتهم، الذين عرفوا العراق بلداً منكوباً يتخطفه التطرف المذهبي والفساد السياسي والتدخلات الأجنبية. العراقيون يعيشون هذه الأيام احتفالية وأفراحاً استثنائية لأن الرياضة قدمت لهم ما حرمتهم منه السياسة؛ متعة التنافس والمشاركة مع الآخرين بعيداً عن المخاوف والتهديدات.
حفل الافتتاح كان مدهشاً، دلالة على الجهود الكبيرة المبذولة من الحكومة العراقية لعودة العراق إلى واجهة العالم من نافذة الرياضة. ولا شك أن التدابير الأمنية كانت على رأس الأولويات من المنظمين، بحكم انتشار السلاح وانفلات الميليشيات المسلحة، مع ذلك لم تمتنع دول الخليج عن دعمها لعودة العراق للانخراط معها في النشاط الأكثر طلباً وإقبالاً وإلهاماً وهو كرة القدم. العراق بحاجة لمثل هذه المواقف من أشقائها، لا يمكن التسليم بواقع أن العراق تحت هيمنة الشراهة الإيرانية، والهيمنة الإيرانية، وأن موازين القوى ليست في صالح عراق متوازن، متشرب لكل الطوائف والأعراق خصوصاً العرب. حتى مع الاعتراف بالواقع الصعب، يظل التمسك بأطراف الجلباب العراقي العربي مطلباً وضرورة قومية تفرض على الأشقاء العرب واجب عدم النأي، وتحتم استمرار المشاركة في الأنشطة الإنسانية الثقافية والرياضية والعلمية.
كان مشهداً كافياً لفهم ما يعيشه العراق، حينما حاولت مجموعة من المحسوبين على الميليشيات العراقية المدعومة من إيران تخريب حفل الافتتاح، بوجودهم قسراً في منصة كبار الشخصيات خلال حفل الافتتاح. ما الذي يهدف إليه العراقي ذو الهوى الإيراني من إحداث شغب وبلبلة خلال الحفل الذي يقدم العراق بصورة متحضرة؟ إنها رسالة واضحة تذكّر الحضور، والعراقيين الوطنيين، بأن يد إيران هي الأعلى، وأن هذا المحفل لن يغيّر من الواقع شيئاً. لا يوجد في العالم مواطن صالح يرضى بأن تكون بلاده محط انتقاد أو حرج مع دول أخرى، خصوصاً جيرانها، لكنَّ المشاغبين الذين احتلوا المنصة أرادوا أن يكون العراق في هذا الحرج، لأنهم لهم وطن موازٍ لوطنهم الأصلي، النسخة الاحتياطية التي يستخدمونها لإثبات الولاء والانتماء لنظام طهران الحاكم.
لن تنتهي مشكلات العراق بالمشاركات الرياضية والثقافية والفنية والعلمية، لأن إيران لن تقبل بعراق متعافٍ، وستظل تحرص على أن يكون التابع الضعيف. هنا تأتي أهمية المواقف الشجاعة من جيرانها ومن يهتم لمصلحة العراق، بضمان استمرار تدفق أسباب الحياة في الجسم العراقي، بالتعاون الاقتصادي والدبلوماسي، وتشجيع الأنشطة الإنسانية المتبادلة.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

احتفالات الهالوين تفجر غضب الأردنيين .. ماذا قال ناشطون؟

طلب منها عدم إخبار أحد .. الحبس لصاحب محل تحرش بطفلة عمرها 12 عاما في عمان

الحبس 6 أشهر لسيدة احتالت على أخرى بإبرة تجميل من إسرائيل

هدى العتوم تنتقد السماح باحتفالات الهالوين والتضييق على احتجاجات غزة

87 مليون يورو من صندوق المناخ الأخضر لدعم مشاريع في الأردن

شركات استبدلت موظفيها بالذكاء الاصطناعي ثم تعود لتوظيفهم .. ما القصة؟

القضاء العراقي يسترد 21 مليارا عن جريمة احتيال مالي

السيسي يصدر 3 توجيهات تهم ملايين المصريين

زين تعزز منظومة حماية الأسرة والطفل بالتعاون مع مؤسسة نهر الأردن

ما حقيقة فرض غرامة 225 ألف دينار على مزارع بسبب مياه الأمطار؟

وزير الثقافة يعلن بلدة "حمود" مدينة للثقافة الأردنية لعام 2027

الذهب والنفط وفلس الريف .. "الطاقة" تستعرض تقدم مشاريعها الاستراتيجية

الصادرات الأردنية للاتحاد الأوروبي ترتفع إلى 411 مليون دينار

5 شهداء ومصابون في قصف الاحتلال مواصي خانيونس بغزة

مجمع الملك الحسين للأعمال يوقع مذكرة تفاهم مع اتحاد الرياضات الإلكترونية

مصدر طبي يكشف لـ"السوسنة" الحالة الصحية لمنفذي هجوم الكرك

"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر

الضمان الاجتماعي يعلن تسهيلات جديدة للأردنيين .. تفاصيل

السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء

إنهاء خدمات موظفين حكوميين .. أسماء

بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك

بالفيديو .. لحظة مداهمة منفذي هجوم الكرك والقبض عليهم

ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل

وفاة طفل تهز مركز أشعة في عمان .. وإغلاقه بالشمع الأحمر

الأردن يقبض على عشرات المتورطين .. التفاصيل

إرادة ملكية بتعيين الأمير هاشم بن الحسين مستشارا للملك

تعديلات قانون التنفيذ: ضوابط جديدة لمنع سفر المدين وآليات حديثة لسداد الديون

الأمن العام يكشف كيف اتخذ منفذو جريمة الكرك قرارهم

ما قصة أسماء محافظات الأردن؟ حكايات تختبئ خلف أسماء 12 محافظة

أردنيون أمام مهلة شهرين لتسديد التزامات مالية .. أسماء